As Safir Logo
المصدر:

المسرح الراقص(راجعه يوخين شميت)

المؤلف: شميت يوخين/سيرفوس نوربرت التاريخ: 1996-03-29 رقم العدد:7349

صدر في القاهرة كتاب »المسرح الراقص« يتناول فيه المؤلفون يوخن شميث ونوربرت سيرفوس وجرت فايجلت (ترجمة جماعية الى العربية) مسيرة بينا باوش، أكبر مصممة رقص ألمانية بعد الحرب العالمية الثانية. هنا فصل من الكتاب يرافق أبرز محطاتها الفنية: منذ بدء عملها في فوبرتال أخذت باوش تتبنى أفكارا أكثر تقليدية عن مسرح الرقص. إن باوش لم تتمرد على التقاليد حتى في عمليها اللذين نالا استحسانا كبيرا وهما تصميم فينو سبيرج Venusberg الراقص في فاصل باليه تانهويزر Tannhauser لفاجنر Wagner والعروض الراقصة لأوبرات جلوك Gluck إيفيجينيا على تاوريس Iphigenia on Tauris وأورفيوس ويوريديس Orpheus and Eurydice بالرغم من كونهما عملين جريئين وأخاذين في مزجهما للأساطير مع الأفكار الخاصة لمصممة الرقصات، أقول إنها في هذين العملين لم تتمرد على التقليد ولكنها قامت بتوسيعه لتسمح للرقص المعاصر (الذي كان حتى ذلك الوقت نوعا فنيا أدنى بالرغم من كل الجهود التي بذلتها مارتا جراهام Martha Graham) بأن يصبح وسيلة مناسبة لإعادة سرد أعظم الأفكار في الأدب العالمي. يعتبر النقاد فريتز Fritz أولى مقطوعات باوش، التي استخدمت فيها الصور التعبيرية السريالية لاستحضار مخاوف الطفولة، ثغرة أو زلة يمكن التماس الأعذار لها (على الأقل بعد نجاحها الباهر في ايفيجينيا التي يعتبرها النقاد الألمان أفضل قطعة رقص لذلك العام). هناك عنصر أخير وحاسم يجب أن يضاف إلى صورة بينا باوش كما يراها الجمهور ويمكن أن نراه من خلال ذلك العرض لذي جاء بين قطعتي جلوك. لقد استخف النقاد بهذا العرض كثيرا ومزقوه إربا. فلأول مرة تسمح بينا باوش لراقصيها بأن يقوموا بأنفسهم بغناء الأغنيا التي استخدمتها في باليه يستغرق ثلاثون دقيقة لأغنية جماهيرية تدعي أوصلك للناصية Ich Bring Dich un die Ecke فبدون غطاء المادة الكلاسيكية الأسطورية نرى هنا ولأول مرة شيئا سيصبح فيما بعد الفكرة الرئيسية لمقطوعات باوش وهي عالم العلاقات الشخصية غير المريح (العلاقات بين الزوجين) وأسلوب استخدام واستغلال الرجل للمرأة. هنا تقوم باوش لأول مرة بنقض الأوهام الخاطئة والكيليشيهات حول مشاركة الرجل والمرأة جنسيا واجتماعيا وتحاول أن تحل محله وعيا جديدا ناقدا. هنا ولأول مرة ينبذ مسرح فوبرتال الراقص وهو الاسم الذي اتخذته لنفسها مجموعة الراقصين الملتفين حول باوش منذ عام 1973، أفكار الاحترام التقليدية في الرقص والتصميم والتي كانوا يتقبلونها حتى ذلك الوقت وبدأوا في تبني شكل الرفيو revue التافه ليسمموه باستخدام تشكيلات الرفيو كطبقة رقيقة للتعبير عن نقدهم الاجتماعي المر. تقليدية ومرة أخرى تبقى باوش مكانها كما لو كانت قد غامرت بأكثر مما يجب فيتزامن رفيو الأغنية الجماهيرية الصغيرة مع باليه لمالر Mahler وهي باليه رائعة من الخارج ولكنها تقليدية في بنيتها ونظرتها كما يبقى العملان التاليان أيضا في إطار الحدود التي يسمح بها هواة الباليه المتشددين لفرقة راقصة. تعتبر أورفيوس يوريديس والقطع التي عرضت في ليلة سترافنسكي تحت العنوان الشامل طقس الربيع The Rite of Spring هي مجموع ما استطاعت أن تحققه بينا باوش في حدود تقاليد الرقص. إنها تصميمات باهرة ورائعة وعروض ممتازة في إطار نوعها الفني الخاص (حتى أنه يمكن للمرء أن يتفهم استياء هؤلاء الذين يستنكرون ابتعاد بينا باوش عن الرقص التقليدي واقترابها الى أشكال جديدة مفتوحة وأكثر ارتباطا بالدراما). وأخيرا تترك بينا باوش الأشكال القديمة خلفها، ولو الى حين، في أمسية بريشت وفايل Brecht/Weill التي أقامتها في حزيران عام 1976. لقد عقدت الفرق عزمها على تحسين عالم الرجل باستخدام أساليب الرفيو بشكل مهيب وغير مكبوح. في هذه المقطوعة بتوازنها الجريء بين الباليه والدراما والاستعراض وموقعها الوسط بين الضحك والبكاء تحاول باوش أن تفي بمطالب جمهورها المتحمس ورغبته في الاستعراض والترفيه لكن دون التخلي مقدار ذرة عن التزامها الانساني. ومن هذه اللحظة فصاعدا تأخذ أعمالها كلها في تقدم فنرى أعمال تنم عن ذكاء ودقة وتساؤلات عطوفة حول مصاعب وإمكانيات التعايش البشري بالاضافة الى محاولة إيجاد لغة جسدية تستطيع أن تحقق التواصل الشخصي الذي لا تستطيع اللغة وحدها أن تحققه. وبالطبع تتطلب لغة الجسد الجديدة هذه قواعد جديدة وهي قواعد أخذت تزيد م استخدام الكلمة المنطوقة كوسيلة فحسب (وهو ما لا يعد تناقضا). تأخذ باوش في إدخال اللغة تدريجيا. وتكتسب اللغة والحديث وظيفة جديدة. ففي مقطوعات مثل »أسطورة العفة« و»1980« و»فالسات« التي تعد توسعات حول قضية جوهرية دقيقة أخذت مصممة الرقصات تطرحها على راقصيها يتم استبدال فقرات الرقص الفردية بألحان غنائية منفردة كبيرة كما تتوسع تشكيلات الأداء الموحد القليلة الموجودة لتصبح فقرات من الرفيو مزدوجة بالفوجو Fugu المنطوقة التي تعبر عن الأفكار الرئيسية في القطعة. إلى الواقعية تمتلئ هذه المقطوعات بالواقعية، على الأقل بالقدر الذي تسمح به خشبة المسرح. إن هذه العلاقة الجديدة بالواقعية هي التي أبعدت بينا باوش شيئا فشيئا عن الرقص وهو ما أسف له المعجبون بها. دائما ما كانت باوش تشك في جدوى التقنية كهدف في حد ذاته. وقد شبهت منذ بداياتها الفنية البراعة في الأداء كهدف في حد ذاته بقطعة حلوى تترك طعما مرا في الفم. صحيح انها حاولت عدة مرات التحول الى الخطوات التي تعلمتها سابقا وكان آخرها في قهوة مولر Cafe Muller في صيف 1978 ولكن يجب على المرء أن يصدقها عندما تقول ان هذا لم يعد ممكنا وأنها ستشعر بأنها كاذبة لو أنها قامت هذه الأيام بتصميم نوع الرقص التي كانت تصممه منذ خمسة أعوام أو ستة أو حتى عشرة أعوام مضت. عندما بدأت بينا باوش حياتها الفنية في فويرتال قالت شيئا اعتبرته أنا حنيذاك موقفا غريبا من مصممة رقص. قالت إنها لا يعنيها في المقام الأول كيف يتحرك الناس أو كيف يمشون. لقد كانت تريد أن تعرف ما الذي يحركهم وما الذي يدور في داخلهم. ان هذا التصريح يعد بمثابة المفتاح لأعمالها ولتطورها. إن اهتمامها بالناس في حد ذاتهم، ليس باعتبارهم آلات رقص أو حتى ممثلي مسرح هو الذي قادها تدريجيا بعيدا عن مفردات الرقص التي لم تستطيع من خلالها أن تقول ما تريده. وفي النهاية فإن هذا هو ما قادها بعيدا تماما عن الرقص. وعلى الرغم من ذلك فإنه مهما يحدث فقد تقلت بينا باوش مكانة هامة في تاريخ الرقص حيث تحتل المكانة الأولى بين مصممي الرقص الأوروبيين في عصرنا الحالي وفي فن الباليه تعد بينا باوش مصممة الرقص الوحيدة المبدعة في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية، التي تسهم إسهاما هاما في تطور هذا النوع الفني. وتستكشف بينا باوش حاليا مناطق جديدة خالية من الأمان والحماية نظرا لبعدها عن رفقائها القدامى جنيفر مولر Jenifer Muller أو تويلا شارب Toyla sharp وهي مناطق تقع ما بين الرقص والدراما والفن المرئي والأوبرا والفيلم. إنها لم تتوقف ولم تهدأ. إنها تبحث وتتلمس الطريق أمامها ولا تزال تتحرك. ولا يستطيع أحد، ولا حتى باوش نفسها، أن يرى في الوقت الحالي أين ينتهي الطريق كما لم يتضح بعد مسار الطريق (فربما يعرج بها الطريق مرة أخرى نحو الرقص والباليه). وربما تبدو الأمور كئيبة. من المحتمل أن تكون الآلة المسرحية التي دفعت باوش في سنوات معينة إلى إنجازات تفوق القدرا البشرية (حتى من ناحية الكم) هي نفسها التي في طريقها لإرهاقها الآن. يوخين شميت

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة