يتضمن هذا الكتاب تصديرù واثني عشر فصلاً يتناول فيها المؤلف معنى السلطة، ومصادرها، وسلطة الحاكم، وعلاقاتها بسلطة الدولة، والسلطة السياسية في حدودها، وخدماتها، وعلاقاتها بالسلطة الدينية وسلطان الإيديولوجية، وبمبدأ العدل وسلطة العقل، والصراع على السلطة، والسلطة والتاريخ، وهو يندرج في مجموعة »مكتبة الفكر الاجتماعي«. يقول المؤلف إن الكتاب ليس سوى شرح وتعليل لما ورد في صفحاته الأولى: »السلطة بمعناها العام هي الحق في الأمر. فهي تستلزم آمرù ومأمورù وأمرù، آمرù له الحق في إصدار أمر إلى المأمور، ومأمورù عليه واجب الطاعة للآمر وتنفيذ الأمر الموجه إليه«. وهكذا فلا وجود للآمر بمعزل عن المأمور والعكس بالطبع صحيح، ولا وجود للآمر وللمأمور بصفتهما هذه وفي تفاعلهما المتبادل إلا عن طريق عنصر ثالث قد يكون أوليù (وأولويù؟) ألا وهو الأمر، الأمر الذي يستمد منه الآمر والمأمور اسمهما. فما هو الأمر إذù؟ يعني مفهوم الأمر هنا ذلك الفعل الذي يطلب به الآمر من المأمور إنشاء فعلٍ في المستقبل، أي ذلك الفعل الذي يمارس بموجبه الآمر سلطته أو سلطانه أو سيطرته، بحسب تصنيفات الدكتور نصار، على المأمور. إلا أن الأمر (الأمر الذي يجمع أمورù بمقابل الأمر الذي يجمع أوامر...) يعني أيضù في اللغة العربية الشأن والحال، والشيء والحادثة ويقابله في الفرنسية (La chose ou lصaffaire) وفي الإنكليزية (The thing or the watter). والأمر توسعù هو الأمر الواقع، ويقابله في الفرنسية (Le fait) وفي الإنكليزية (The fact). أما ما يجمع بين الأمر/ الأوامر وبين الأمر/ الأمور، فبوسعنا تبيّنه أولاً في ما ذهب إليه كانط في »دحضه« الشهير للمذهب المثالي الذي يقوم في رأيه على وعي محدد بالواقع، ولا سيما على تجربة »الصدمة« الناجمة عن شعور معين بالواقع، والصدمة ترافق عادة تلقي فعل الأمر عند المأمور... وثانيù في ما عناه فيخته وهوسرل وهايدغر بمفهوم الوقائعية (ويقابله في الألمانية Faktizitٹt وفي الفرنسية (La factitژ ou la factualitژ)، أي ما هو قائم جوازù لا ضرورة، كواقع العالم الخارجي وواقع الوجود الإنساني... وما هو قائم جوازù لا يحتمل التعليل، وتغلب عليه سمة العبثية، العبثية التي تلازم الأمر الواقع... وفي هذا السياق، يبدو أن واجب السلطة الآمرة في تأسيس أمرها على الحق في الأمر، يدخل في باب تعليلها وتبريرها عن طريق تحويل العبثية التي تحايث فعل الأمر فيها وتعطيل تلك الوافدة إليها من سلطان الواقع أو من سيطرة الآمر وإبطالها. فالانتقال من الآمر إلى المأمور هو انتقال من السلطان والسيطرة إلى السلطة، ومن الأمر الواقع إلى واقع الأمر، ومن الجواز إلى الضرورة، ومن العبثية إلى المعنى، ومن الحرية إلى العقل، ومن القوة إلى الحق، ومن الطبيعة إلى الثقافة، أي من فيخته وهوسرل وهايدغر إلى كانط، ما يستلزم عند الآمر واجب تأسيس أمره على الحق ليستأهل حقه في الأمر، وعند المأمور واجب الطاعة ليحق له محاسبة الآمر على ما فعله به من أجله...! على صعيد آخر، يلاحظ المؤلف إخفاق اللاهوت والميتافيزيقا في استيلاد السلطة من ا"، أو في تأسيسها »بواسطة النظر العقلي الخالص« (وما من نظر عقلي خالص أو محض، كما توهم كانط بل كل نظر عقلي مشوب بالتجربة وموشوم بها!) ويتساءل: »هل يجوز لنا... البحث عن مصادر السلطة عن طريق اللاهوت الديني أو الفلسفة الميتافيزيقية؟« و»لماذا ينبغي البحث عن مصدرها في الغيب، عن طريق الإيمان والنقل، أو في المبادئ الأخيرة للوجود، عن طريق النظر الميتافيزيقي؟« (ص 16). وعليه، يفنّد المؤلف مزاعم فلاسفة الفردانية (هوبس ولوك وروسو) ويؤكد اجتماعية الإنسان »الطبيعية« وسلطته »الطبيعية« على نفسه وسلطة المجتمع »الطبيعية« على ذاته وسلطة الوالدين (أو المجتمع) »الطبيعية« على الأولاد. والسلطة الأخيرة، يعتبرها المؤلف »مرجعù نموذجيù«، »تتجلى فيه الطبيعة مصدرù للسلطة بصورة قاطعة« (ص 24). فما هي الطبيعة إذù؟ وما الذي نعنيه بهذه الصفة في عبارة »سلطة طبيعية«؟ قد لا يبدو السؤال جديù، أو قد يبدو تعاميù عما هو بيّن وبديهي وفوق الشبهات. ذلك أننا درجنا على اعتبار ما هو طبيعي تحصيلاً حاصلاً والطبيعة مرجعù معياريù (وفي هذا الاعتبار الأخير، دليل على مدى ارتباطنا بالإغريق كما سنبيّن) وعلى مماهاة ما هو طبيعي بما هو سوي وسليم، بحيث كنا نتوقف عن التوغل بعيدù حين نبلغ حدود الطبيعة، ونعفي أنفسنا من »مهنة« التفكير الشاقة والشائكة. إلا أننا نعاود هنا طرح السؤال بتصميم وعناد: ما هو تصورنا لمفهوم الطبيعة؟ وما الذي نعنيه بالسلطة الطبيعية؟ يبدو أن ما هو طبيعي هو ما كان مفهومù من ذاته، أي ما كان مفهومù من طبيعته وماهيته: فاجتماعية الانسان طبيعية لأن طبيعة الإنسان اجتماعية، وسلطة الإنسان على نفسه طبيعية لأن تصورنا لطبيعته يتيح له أن يمارس سلطته على نفسه، وسلطة المجتمع على ذاته طبيعية لأن طبيعة المجتمع، كما نتصورها، تسمح له بأن يمارس سلطته على ذاته، وسلطة الوالدين على الأولاد طبيعية لأن طبيعة الوالدين (من حيث أن وظيفة إنجاب الأولاد منوطة بهم بيولوجيù، ووظائف العناية بهم ورعايتهم وتربيتهم منوطة بهم نفسيù واجتماعيù) وطبيعة الأولاد (من حيث قصورهم البيولوجي والنفسي) استدعت أن يقوم الوالدان بممارسة سلطتهما على الأولاد. أيشكل هذا الاستدلال دورù فاسدù، أم مصادرة على المطلوب، أم حكمù تحليليù لا يقدم ولا يؤخر؟ على كل حال، فإن المؤلف ينحو هذا المنحى حين يؤكد أولاً أن اجتماعية الإنسان هي طبيعية، لأنها »ليست صفة مضافة إلى كيان الفرد، بسبب ظروف معينة، بل هي بعد من أبعاد كيانه أو مقوّم من مقوماته« (ص 17)، وثانيù أن سلطة الانسان على نفسه هي طبيعية لأنها تأتي »من طبيعة كيانه الذي يحمل نزوعù إلى الاستقلال وقدرة على التصرف بقواه الذاتية في الشؤون الخاصة به« (ص 21) وثالثù أن سلطة المجتمع على ذاته هي طبيعية لأنه »كما يحق بالطبيعة للفرد الإنساني المتعين والقائم بنفسه أن يأمر نفسه، يحق بالطبيعة للمجتمع المتعين والقائم بنفسه أن يأمر نفسه« (ص 22)، ورابعù ان سلطة الوالدين على الأولاد هي طبيعية لأنها »تقود الفرد الإنساني من حالة القصور إلى حالة البلوغ والرشاد التام« (ص 23). وهنا بعض الملاحظات: 1 الواضح أن ثمة حكمù سابقù يطاول الإنسان والمجتمع في طبيعتهما وماهيتهما ويؤسس لحكم لاحق يطاول ما هو طبيعي. أما الحكم السابق، فتتداخل فيه العوامل اللاهوتية والميتافيزيقية، ويعكس في طياته الفضاء الثقافي والحضاري الذي ننتمي إليه: فاجتماعية الإنسان هي أمر قرره أرسطو حين أعلن انتماء المواطن في أثينا إلى الPolis (»الإنسان حيوان اجتماعي بالطبيعة« وفي اليونانية اanthropos physei politikon zoonب) التي شكلت في حينه المعيار الذي قامت عليه الهوية الأثينية... أما سلطة الوالدين على الأولاد، فقد ترافقت مع ظهور مؤسسة العائلة (وقد اعتبر الفلاسفة الرواقيون ان العائلة هي »الخلية الطبيعية في المجتمع«) ويعترف الدكتور نصار في الصفحة 25: »ان العائلة كبنية أساسية للتناسل هي نفسها نتاج تاريخي...«، علمù بأن سلطة الوالدين على الأولاد قد تجد تبريراتها قياسù على سلطة الصانع على صنيعه أو على سلطة الخالق على خليقته... وبناءً على ذلك يبدو واضحù ان البحث عن مصادر السلطة في عالم الوجود الانساني لا يتم بمعزل عن تأثيرات اللاهوت والميتافيزيقيا. 2 الحقيقة أن ما هو طبيعي ليس طبيعيù كما نتصور، بل هو دائمù »تاريخاني« (Historial). وهذا يعني أن ما هو طبيعي اليوم لم يكن طبيعيù في ما مضى، وأن ثمة حقبة تاريخية شهدت لأول مرة مثلاً، المطالبة بسيادة الانسان على جسده بعد أن كانت حياته ملكù لصاحب السيطرة والسلطان... ثم تكرست إلى أن أدرجت في شرعة حقوق الانسان فغدت »طبيعية«. ولذلك، فالإنسان يطلق أحكامه بشأن ما هو طبيعي من خلال تصوراته الثقافية والحضارية لمفهوم الطبيعة. وكذلك بوسعنا القول ان ما هو طبيعي في لبنان ليس طبيعيù في فرنسا مثلاً: وقد لفتني منذ مدة جواب السيدة دانيال ميتران على سؤال المذيع في نشرة أخبار »فرنسا 2« حول مسألة حضور »ضرّتها«، والدة الآنسة مازارين (ابنة فرنسوا ميتران من خارج الزواج) جنازة الرئيس الراحل: »كان من الطبيعي أن تحضر هذه السيدة جنازة رجل أحبها وأحبته« ثم ردت الأمر إلى حرية الإنسان »الطبيعية« في أن يحب من يشاء... 3 ثمة تصوران في رأيي لمفهوم »الطبيعة: التصور الإغريقي (والطبيعة في اليونانية هي الفوزيس Phusis) والقصور الديني التوحيدي الخاص باليهودية والمسيحية والإسلام. والتصوران يتزامنان أو يتناوبان في تصورنا الحالي لهذا المفهوم. فالطبيعة عند الإغريق هي كوسموس وهي مفردة دلت في البداية على الزينة وعلى تصفيفة الشعر عند النساء (وهو المعنى الوارد عند الفلاسفة الذين سبقوا سقراط وعند أفلاطون وأرسطو ولاحقù عند الأبيقوريين والرواقيين وصولاً إلى أفلوطين) قبل أن يخلع عليها أفلاطون معنى النظام والتناغم والكمال معتبرù ان الجمال القائم على النظام ما كان ليكون لو لم يستند الى نظام عددي قائم في عالم الأيدوسات وبالتالي فالكوسموس هو القيمة الأسمى والمرجع الأعلى وما من شيء يقوم خارجه... في المقابل تبدو الطبيعة في الفكر التوحيدي الإبراهيمي وقد خلعت عنها صفة الألوهة لقصرها على ا" الفائق الطبيعة نظامù وتناغمù وكمالاً بحيث لم تعد هي الكاملة بل خالقها... وبالتالي فكما خلق ا" الإنسان على صورته ومثاله، ينبغي على الإنسان أن يعيد خلق الطبيعة على قياس حاجاته ورغباته، ما يضيء قول ديكارت: »الإنسان سيد الطبيعة ومالكها« وقول فرنسيس باكون: »ليس بوسعنا إخضاع الطبيعة إلا بالخضوع لها«. وأخيرù لا آخرù، يتناول الدكتور نصار مسألة سلطة المعلم على الأطفال فيقول إن المعلم ليس »سوى وسيط مؤهل بين الأطفال والوالدين والمجتمع. ولكنه وسيط ذو سلطة«، ثم يسأل: »فمن أين تأتي سلطته على الأطفال؟ من البديهي أنها لا تأتي من الطبيعة، إذ لا يوجد تعليل طبيعي يخوّله حق الأمر على أطفال غير أطفاله ويوجب عليهم الطاعة له«، ليخلص الى أن »التفويض هو مصدر سلطة المعلم على الأولاد« (ص 28 29). يبدو أن المؤلف يخلط بين ماهية التعليم وماهية التربية، بحيث يعتبر المعلم »المؤهل لتربية الأطفال« (ص 28). الواقع أنه غالبù ما يكون المعلم مربيù والمربي معلمù، إلا أن التعليم شيء والتربية شيء آخر، وكثيرù ما نساوي بين هذين المفهومين. فما هو التعليم؟ وما هي التربية؟ يقوم المعلم بتخزين العلامات التي وضعها الإنسان للأشياء وعليها، ويُحضِرها للمتعلم الذي يأخذ علمù بما قُدِّم له ويتمثله لأنه يحمل في قراره ما يقابل هذه العلامات (وهنا ثمة مصادرة تقضي بلزوم التماثل بين العالم الأكبر macro cosme والعالم الأصغر micro cosme...) بحيث يتمكن من القبض عليها وتملّكها. وعليه، فالتعليم يقتصر على الافساح في المجال أمام الآخرين لكي يتعلموا، أي لكي يأخذوا علمù بما يعلمونه منذ البداية. وفي اليونانية، يقابل فعل التعلم Mathesis الذي اشتقت منه مفردة Mathژmatiques أي علم الرياضيات القائم على نظام الأعداد الذي ورد الكلام عنه آنفù. وفي المناسبة، ينبغي أن نفهم ما كتبه أفلاطون على باب أكاديميته ومفاده ألا يدخل إلى هذا المكان إلا ذلك الذي بوسعه أن يأخذ علمù بما يحمله بحال من الأحوال في قراره. وقد حصل سوء فهم فوردت الترجمة خطأ على النحو التالي: »لا يدخل الى هذا المكان إلا من يتقن علم الرياضيات (أو الهندسة)!«. أما التربية فتقوم أساسù على قيادة أولئك الذين »ارتضوا« الانقياد باتجاه الاندماج في متحد اجتماعي معين، الأمر الذي يحتّم عليهم التدرب على سلوكيات »التزموا« بها، والخضوع لسلّم من القيم لم يكن لهم فيه خيار... والحق أن فعل التربية يعكس تراتبية بحيث يبدو المربي كأنه يمارس سلطة العارف بشؤون المجتمع وشجونه على المتربي الذي يتطلع الى الاندماج فيه، الأمر الذي يميز التربية عن التعليم لجهة امّحاء المعلم للإفساح في المجال أمام المتعلمين. فلا سلطة للمعلم على المتعلم بحيث يبطل القول الشائع: »من علمني حرفù، صرت له عبدù« ويغدو هراء... وقد نُقل على لسان كبار المعلمين قوله لأتباعه ومريديه: »لا تتبعوني، بل اتبعوا أنفسكم«. يبقى أن نشير إلى أن السلطة تؤثر مصطلح التعليم على مصطلح التربية (يقال مثلاً »التعليم الديني« بدل »التربية الدينية« ويقابلها في الفرنسية Catژchisme وهي مفردة مشتقة من اليونانية Katگkhismos وتعني حرفيù »التعليم مشافهة«...) فيتوهم المتربي أنه يأخذ علمù، كما في التعليم، بما يحمله في قراره، في حين يقتضي استخدام مصطلح التربية حيث ينقاد المتربي في كنفها باتجاه الالتزام بإيديولوجية الجماعة التي ينتمي إليها، علمù بأن هامش الإيديولوجية قائم في التعليم، ولو بدرجة أقل بكثير مما هو قائم في التربية... وختامù أحيي الدكتور ناصيف نصار الذي أحيى بأعماله فعل التفلسف عندنا ورد إليه الاعتبار بغض النظر عن هذه الملاحظات التي لا تنتقص من قيمة هذا الكتاب وأهميته. إيلي نجم (*) د. ناصيف نصار، منطق السلطة، مدخل إلى فلسفة الأمر، دار أمواج، مكتبة الفكر الاجتماعي، 1995، 435 صفحة.