As Safir Logo
المصدر:

لاستفادة لبنانية في مراقبة أهلية.. تجربة"لجنة متابعة الإنتخابات"في مصر

المؤلف: ماجد زياد التاريخ: 1996-03-12 رقم العدد:7334

تمثل العملية الانتخابية في مختلف مراحلها احد الاسس التي تقوم عليها الديمقراطية، اذ هي تؤمن التداول الطبيعي للسلطة، وانتاج النخب، وتمثيل الاتجاهات الشعبية، وتجديد الحياة السياسية. من هنا، تبرز اهمية قيام نشاط اهلي لبناني واسع يعلم الناخب بحقوقه، ويضغط باتجاه اجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية وعلى اسس سليمة للتشجيع على المشاركة فيها، ويسعى الى مراقبتها للتأكد من نزاهتها. ويمكن لهذا النشاط ان يستفيد من تجارب شبيهة جرت مؤخرا في العديد من الدول (بلغاريا ورومانيا وجنوب افريقيا وانجولا وباكستان وماليزيا، وصولا الى اليمن ومصر وانتخابات السلطة الفلسطينية). ولعله من المفيد في هذا السياق، التوقف عند التجربة المصرية الاخيرة، وما جرى في سياقها من جهد ونشاط، وما احاط بها من ظروف تشبه الى حد بعيد ظروفنا في لبنان اليوم. التجربة المصرية في 27 كانون الاول الماضي، صدر تقرير مفصل عن الانتخابات التشريعية الاخيرة في مصر. وقد اعدت التقرير »اللجنة المصرية لمتابعة الانتخابات« بهدف تسليط الضوء على ما سبق الانتخابات تلك، وما رافقها من ظروف وأحداث وممارسات اثرت عليها وعلى نتائجها اعمق التأثير.. و»اللجنة المصرية لمتابعة الانتخابات« المتأسسة في 22/10/1995، تشكلت من ست هيئات أهلية عاملة في مجال حقوق الانسان في مصر، وهي استندت قانونيا في تأسيسها الى المادة 62 من الدستور المصري التي تنص على ان »... المساهمة في الحياة العامة واجب وطني«، معتبرة تكوينها وأهدافها تلبية عملية لهذا النداء الدستوري من جهة، ولجملة من المواثيق والاعراف الدولية الموقع عليها من قبل الحكومة المصرية من جهة ثانية. وقد اعلنت اللجنة التزامها مبدأ الحياد في التعاطي مع مجمل المواقف السياسية، ومارست درجات عالية من ضبط النفس في وجه ما اتهمت به من بعض أطراف السلطة المصرية وأقلامها الصحافية، الى ان بدأت مواقفها الموضوعية والمرفقة بالاثباتات تظهر للجميع. على صعيد عملها، بدأت اللجنة باستقطاب اعداد كبيرة من المتطوعين، واعدت لهم برامج تدريبية، كما اصدرت منشورات تثقيفية خاصة بالانتخابات. ومع بدء اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي، كانت اللجنة ترصد الوقائع المتصلة بالانتخابات وتسجلها، ومن ثم تعلنها الى الرأي العام. وبالعودة الى التقرير النهائي الصادر عنها، يمكن ان نميز بين ثلاث مراحل عملية خاضتها »اللجنة المصرية لمتابعة الانتخابات« ان في إطار التعليق على الاحداث قبل الانتخابات، او في إطار مراقبة التحضيرات الادارية لعمليات الاقتراع، والحملات الاعلامية والانتخابية، او في إطار الاقتراع والفرز خلال الدورتين الانتخابيتين. أ في الاطار الاول، توقفت اللجنة امام ثلاثة تدابير اتخذتها الحكومة للتأثير على المسار الانتخابي: الاول، اصدار قانون الصحافة رقم 93 لسنة 1995 الذي يجيز اللجوء الى إجراءات استثنائية ضد الصحافيين الذين »يشهرون« بالمسؤولين، مع العلم ان القانون العادي يجيز ملاحقة كل مشهر، مما فسر تخويفا للصحافيين المعارضين من مغبة التعرض للسلطة. والثاني، القاء القبض على بعض العناصر القيادية للاخوان المسلمين وتحويلهم الى القضاء العسكري، علما انهم من العناصر السياسية البعيدة عن العنف، وفي ذلك تعسف اعتبر محاولة لمنع احد الافرقاء من خوض الانتخابات. اما الثالث، فتمثل في القرار باستمرار العمل بقانون الطوارئ المعلن في البلاد خلال مراحل الانتخابات، مما كبل حركة العديد من المرشحين وعرقل لقاءاتهم الانتخابية. ب في الاطار الثاني، لاحظت اللجنة انتهاكات وتجاوزات عديدة يمكن تلخيصها على النحو التالي: 1 في الجداول الانتخابية: عدم الالتزام بمبدأ القيد الالزامي لكل من له حق مباشرة الحقوق السياسية من الذكور، اي ان الادارة الانتخابية لم تسجل في جداول الانتخابات الا من تقدم بطلب لذلك، مع العلم ان الاجراء هذا لا يسري الا على الاناث. عدم تنقية الجداول من اسماء المتوفين او المجندين او المحرومين من مباشرة الحقوق السياسية، وقد اتضح ذلك في عدد من دوائر القاهرة والظاهر والازبكية والجيزة ودير القصير والحوامدية وامبابة والوايلي وبندر السويس وغيرها. تكرار الاسماء داخل لجنة فرعية واحدة او في عدة لجان، وقد وصل الامر في احدى دوائر شياخة المعصرة في حلوان الى »تحويل« 750 ناخبا الى 2000 ناخب (مع العلم ان العدد الاجمالي للناخبين في هذه الدائرة هو 14000). اضافة وزارة الداخلية لأسماء 13518 ناخبا الى قلم الشياخة في دائرة مدينة نصر بالقاهرة. غير ان طعنا قدم أمام محكمة القضاء الاداري، فانتهت المحكمة الى إبطال قرار وزارة الداخلية. عدم تطبيق القانون الخاص بإعطاء المرشحين اسماء الناخبين في دوائرهم مرفقة بعناوين هؤلاء الناخبين، والاكتفاء بتزويدهم بالاسماء، مما عرقل قدرتهم على الاتصال بهم. 2 في استخدام الاعلام: على صعيد التلفزة: خصص التلفزيون المصري 80 دقيقة لكل حزب، غير انه عمد بعد ذلك الى تخصيص مساحات ضخمة للدعاية لما اسماه »انجازات الدولة على مدى 14 عاما« مما اعتبر دعاية مباشرة للحزب الوطني الحاكم ومرشحيه. على صعيد الصحافة: »انحازت« كل الصحف القومية باستثناء »الاهرام« التي قدمت تغطية متوازنة الى مرشحي الحزب الوطني، وعمدت الى مهاجمة مرشحي المعارضة ورموزها. 3 في استخدام المال العام والنفوذ الحكومي: استخدم مرشح الحزب الوطني في احدى دوائر محافظة القاهرة مقار اللجنة الاولمبية لإدارة معركته الانتخابية. قام احد مرشحي الحزب الوطني في القاهرة بدعم المساجد العلاجية وتمويلها من ميزانية احدى الوزارات التي يشغل فيها منصبا قياديا. في محافظة القليوبية، استخدم ضباط الشرطة من أقارب احد مرشحي الحزب الوطني عربات الشرطة في جولات مرشحهم ومسيراته الانتخابية مثيرين خوف المواطنين. في محافظة الاسكندرية، استغل احد المرشحين منصبه كوكيل لإحدى الوزارات لادارة حملته وتمويلها، حيث منح الموظفين العاملين تحت إدارته، ويعدون بالمئات، تفرغا كاملا للعمل معه في الحملة. 4 في استخدام المال الخاص على نحو لم يسبق له مثيل: تمويل المرشحين المتمولين لمشاريع خدماتية وخيرية اثناء المعركة الانتخابية. دفع تبرعات مالية كبيرة للاحزاب مقابل الموافقة على ترشيح اعضاء على اللوائح الحزبية. استقطاب »بلطجية وأشقياء« ودفع مبالغ لهم ولمن يمكن حشده من انصار. شراء الاصوات بشكل مباشر من خلال تزويد ناخبين بورقة الانتخابات معبأة عليها اسماء المرشحين، ومرفقة بمبلغ 20 جنيها، شرط تسليم الورقة الانتخابية الاصلية التي توزع داخل القلم الاقتراعي فارغة. 5 في التعسف الاداري والاضطهاد: قيام قيادات وأجهزة حكومية بالضغط على اعضاء المجالس المحلية والموظفين لتأييد الحزب الوطني. تحويل احد المهندسين العضو في مجلس نقابة التطبيقيين الى التحقيق بسبب معارضته احد المرشحين. نقل عدد كبير من الموظفين تعسفيا في دائرة بركة السبع لمناصرتهم احد المرشحين. 6 في تمزيق لافتات الدعاية الانتخابية: وقد تم ذلك بشكل كثيف ومتبادل بين انصار المرشحين، الا ان اللافت كان مشاركة السلطات الحكومية مباشرة به. 7 في منع المؤتمرات والمسيرات: بسبب حالة الطوارئ، اصدر وزير الداخلية قرارا بمنع المؤتمرات، غير ان هذا القرار تم تطبيقه على نحو غير عادل، حيث بدا واضحا ان الامن كان يسمح لمرشحي الحزب الوطني بعقد المؤتمرات (بمشاركة الوزارء ورئيس الحكومة احيانا) ويذيعها التلفزيون نفسه، في حين كان كثر من المعارضين يمنعون من القيام بذلك. 8 في استخدام الدين: استخدم كل من التحالف الاسلامي والحزب الوطني دور العبادة وصلوات الجمعة للدعاية لمرشحيهم. كما سعى بعض المرشحين الاسلاميين الى إثارة نعرات طائفية من خلال إطلاق شعارات تعادي الاقباط على نمط »لا ولاية لغير المسلم على المسلم« و»لا للمجوس لا للنصارى لا للقبط«. ويلاحظ ان الحزب الوطني الحاكم نفسه لم يرشح في قائمة مرشحيه ال 439 اي قبطي مما استبعد الاقباط عن دخول مجلس الشعب عن طريق الانتخابات. 9 في استخدام العنف: بلغ عدد الاصابات خلال الحملات الانتخابية حوالى المائة بين قتيل وجريح (قبل ان يتخطى الخمس مئة نهار الانتخاب!)، وتعد الارقام هذه قياسية في تاريخ الانتخابات المصرية. 10 في القبض على المرشحين وأنصارهم: قامت سلطات الامن بالقبض على عدد من المرشحين وانصارهم اثناء المعركة الانتخابية في حدائق القبة وكفر الدوار ومينة نصر وبندر دمنهور وطنطا والدرب الاحمر وبولاق ومصر القديمة والفيوم وبندر سوهاج والسويس وبور سعيد والمطرية عين شمس. ومعظم المقبوض عليهم من المستقلين ومن حزب التجمع ومن التحالف الاسلامي ومن حزب العمل ومن الناصريين. وقد اوقفوا بتهم تتنوع بين استعمال مكبرات الصوت او المشاركة في مسيرات انتخابية او توزيع منشورات تهاجم الحزب الوطني. ج في الاطار الثالث، تلقت اللجنة 2446 شكوى حول انتهاكات حصلت خلال عمليات الاقتراع توزعت على النحو التالي: 1 في الدورة الاولى، تلقت اللجنة 1240 شكوى تأكدت من صحة 20$ منها. وتتوزع انواع الشكاوى بين تأخر فتح اللجان (17$)، ورفض فتح الصناديق (12$)، ورفض دخول المندوبين للجان (40$)، وطرد المندوبين من اللجان (30$). 2 في الدورة الثانية، تلقت اللجنة 1206 شكاوى توزعت بين استخدام النفوذ الحكومي وطرد المندوبين وتدخل رؤساء اللجان وبدء العمل باكرا او متأخرا.. كما حصلت خلال عمليات الفرز ممارسات تنتهك القوانين، كمثل منع المندوبين من حضور الفرز، او ادخال الصناديق الى غرف مقفلة وتأخير الفرز لساعات، او نقل الصناديق الى أمكنة متعددة قبل فرزها.. من كل ذلك استخلصت اللجنة ان الظروف التي رافقت الانتخابات لم تسمح بأن تحولها الى »عرس ديموقراطي« يختار فيه الشعب ممثليه بحرية، بل كان الموعد مع الانتخاب موعدا مع الاحزان ومع تزوير ارادة الناس. لذلك، خرجت اللجنة بتوصيات شددت على: 1 ان تناط مهمة الاشراف على الانتخابات بالسلطة القضائية. 2 ان يلغى او يعلق قانون الطوارئ خلال الانتخابات. 3 ان تلزم الحكومة بتنقية لوائح الناخبين. 4 ان تشكل حكومات حيادية لادارة الانتخابات او لجان مستقلة للاضطلاع بهذه المهمة. 5 ان يشجع الاقباط على المشاركة الكثيفة بالانتخابات ترشيحا واقتراعا. 6 ان تصدر تشريعات تحجم استخدام المال وتفرض سقفا امام الانفاق الانتخابي. 7 ان تلغى القوانين المقيدة للحريات، وان يطلق حق تأليف الاحزاب وإصدار النشرات وتأسيس المحطات التلفزيونية. 8 ان تجرم الدعاية الانتخابية التي تميز بين الناس جنسيا او دينيا. 9 ان تنفذ مقررات مؤتمر العدالة الاول (1986) الخاص بالانتخابات. 10 ان يؤخذ بنتائج التحقيقات التي تقوم بها محكمة النقض وان يعمل بها. عودة الى لبنان قد يكون من المفيد القول انه لو عرضت الوقائع من دون الاشارة الى الامكنة والتسميات، ولو وضعت التوصيات المذكورة من دون عنوان، لاعتقد اي قارئ لبناني يتابع طرق إدارة الشأن العام في لبنان اليوم ان التقرير يتطرق الى الانتخابات النيابية في بلده، مع بعض »التواضع والنعومة« في وصف الانتهاكات. فهل ستثبت السلطة اللبنانية عكس ذلك في الانتخابات القادمة؟ *باحث في المركز اللبناني للدراسات

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة