عانتُهُ حليقة تمامù. شعر إبطيه حليق تمامù. هذا ما قالته صديقته البلغارية »إيونا« لصديقتها البلغارية »فارو« ذات الاسم المختصر من شدة طوله. وكان »ميران« يظن الأمر سرù من أسرار فراشه حتى ذلك اليوم، الذي اجتمع فيه الثلاثة إلى طاولة في مقهى من مقاهي أسواق »ليدرا« السياحية، المفرطة في تكلفها إذا دخلها ذوو بشرات من أصقاع لا تقترب الشمس منها كثيرù. وكانوا، هو، وصديقته وصديقتها، يرتشفون قهوة عكرة، ملفقة الطعم والرائحة، فقامت »فارو« الى كشك صغير اشترت منه بطاقة بريدية، ومغلفù، ثم عادت إلى الطاولة فبسطت أشياءها، وراحت تهيئ قلمها ال»بيك« الرخيص لتدوين كلمات على البطاقة الى معارف لها في بلاد البلغار، لكن »ميران« سحب الورقة المستطيلة، المقوّاة، من تحت أصابع »فارو« يتأمل المشهد البحري الغارق في ذهب المغيب على جزء منها، فيما انتصب تمثال محارب إغريقي على الجزء الداكن، الآخر من البطاقة، عاريù يعتمر خوذة، وقد شرّع رمحù في يده المتهيئة للرمي. ابتسم وهو يغطي بإصبعه ما نزع النحاتون من الحشمة عن أعضاء المحارب الذكورية، وأراها لصديقته، متمتمù في أذنها بكلمات ضحكت منها الفتاة الطويلة، ذات الخصر الضامر، والكشح الضامر، والصدر الضامر، والوجنتين البارزتين في مسحة من جمال ينقصه شيء ما. استعادت »فارو« الممتلئة ذات الفم المائل الى اليمين إذا ابتسمت، بطاقتها من يد »ميران« اختطافù، ثم حدقت، بدورها، في جسد المحارب العاري: »عانتُهُ تغطي كل شيء« قالتها بلغة يونانية تضاهي ساكني خليج سالونيكي، وغمزت الشاب الجالس أمامها، مردفة: »ليس مثلك«. استوقفته عبارتها الغامزة، ونقل بصره الى وجه »إيونا« اللامكترث، يستقي منه شاردة تنبئ بما اعتمل في ظنه. وعاد مسقطù عينيه، بقصد شرِه، على ثديي »فارو« المتدافعين تحت قميصها القطني الأخضر، وفتح فمه عن لسان رطب متوثب، جريء ووقح، فركلته الفتاة الممتلئة على ساقه من تحت المنضدة، في دلال يرشح منه قبول فاضح. »إيونا« و»فارو« نيزكان من مجرة بلغارية انفلتت من كونها في اتجاهات الأرض شتى، بالسحر الذي أحال نقود العالم الحديدي، شرق أوروبا، إلى أسنان من قطن لا تسحق طعامù قط، بعد اندحار النُّظم، فاتسعت الهجرات صوب كل أفق فيه عملة لها أسنان من عظم. وكانت النساء، القادمات من مزارع التطبيق الفاجر للفكرة العفيفة، رائدات في اقتحام جارات أرضهن الأوروبية، بما يملكن من خصائص الجذب الكبرى، من دون عناء إلا عناء الوقت الذي تتخذه ابتساماتهن للتدرب على ترضية من يشاء، مقابل ما يشأن. تعرّف »ميران« إلى »إيونا« في حانة »خريسو كوتوبولو« (الدجاجة الذهبية)، حيث اعتاد أن ينفق ثلاث ساعات من العاشرة ليلاً الى الواحدة صباحù، منذ اثني عشر عامù بالتحديد، بدءù من اليوم الرابع لوصوله إلى قبرص من مدينة »سالونيكي« اليونانية، وهو في السابعة والعشرين من عمره. غير أن شعره الفاحم لم يتغير وقد أضحى في التاسعة والثلاثين، ولم تتغير استدارة وجهه الطفولي الذي تبرق فيه عينان لاهيتان، متخابثتان، تزيدهما جسارة تلك النظارة الطبية التي تأسرهما بإطارها الفضي الرقيق جدù كسلك. وكان يتصرف في الحانة كأن له إسهامù في ملكيته، فيملأ كأسه بنفسه من البراندي ممزوجù بالصودا، من الجهة الخلفية للحاجز الخشبي، حيث صاحبة الحانة »ماريانا« وعاملاتها وحدهن يشغلن ممرَّه ذا الرفوف السفلى المستورة، العابقة بأسرار صغيرة تشمل زجاجات الويسكي الملأى بشراب له لون الويسكي، خاص بالعاملات يسكبنه في أقداحهن إذا نادمن زبونù فلا يسكرن ولو شربن برميلاً منه، ثم أنهن يقاضين الزُّبن على أن شرابهن ثمين مثل ابتساماتهن، ومثل الأجزاء المرفوعة من أثدائهن خارج ما يرتدين. تلك ليست أسرارù، في الأرجح. كل زبون يعرف الحِيَل الكسولة في مهنة هذه الجحور الدافئة، من الشراب المغشوش للنادلات الى ابتساماتهن المستندة الى عكاكيز من شهواتهن المتهدلة، الى الإضاءة الخافتة التي تتساوى فيها البشرات، وتمحى بثور الجلود، وكلفُها، وبصيلات الشعر الحليق المندفعة، مجددù، من مسامات السيقان العارية. لكن »ماريانا« أقسمت ل»ميران« منذ أيامه الأولى في ارتياد حانتها، أنها تخص عاملاتها بويسكي صرف، إنما يخففنه بالماء حتى يسيطرن على مقدرات وجوههن وعقولهن في ساعات الخدمة: »السكر ممنوع. هنا مكتب للعمل، وليس حانة« مقهقهة بصوتها المبحوح. منذ دراسته في مدينة »سالونيكي« اليونانية عصف بخياله سحر الأوكار الدافئة، في الأزقة الداخلية المتفرعة عن شارع ميكوس، المرصوفة بحجر بني. وكان مندفعù بغواية العري المبذول في صخب لأولاء النساء الرافلات في ذهب بشراتهن، الممنوحة هبة من شمس الكهوف، أو من مساحيق التبرج وطلسماتها الخالدة. لكنه استقر، بعد تردد منتظم على البراكين المرتدية ثيابù أنثوية، على برزخ بين نداء اللحم، وشهوة الضوء الخافت الذي يصقل الظلال. وفي الظلال، تحديدù، في شروخها المنتظمة المفتوحة، كان »ميران« يتصيد أساطير قلبه النائمة في عنب يوناني. وقد مكّن مهاراته أن تصيب مقاصدها باختياره حانات تشرف عليها النساء، منذ قدّر، مصادفة، أن لكنته الغريبة في نطقها تلك اللغة الثقيلة، والمنسرحة، على سعة وطلاقة، تشد إليه الإناث إذ يسمعنه، حتى لكأنه يوناني الأصل تغرّب ردحù من الزمن عن موئله، وذلك قبل أن يستقيم لسانه، سنة بعد أخرى، فيغدو على مهارة صارخة. ولما غادر اليونان، بعد سبع سنين، الى قبرص، كان في استطاعته أن يحدث محدثيه، ساعة بأكملها، عن دقائق تصريف الأفعال، ومشتقات الأسماء، ومراتب الهندسة الفيثاغورية، ومذاهب »الشك«، حتى أن القبارصة تهيبوه، ووجد بعضهم في أحاديثه مراقي ملغزة، لكنها ذات جاذبية مستعذبة. وتلك الجاذبية، ذاتها، هي التي فتحت له حانة »إيلي« وقلبها الذي شهد مصارع كثيرة للحب في »سالونيكي«، مثلما فتحت له حانة »ماريانا« وقلبها في الجزء القديم، الشرقي، من نيقوسيا، في تلك الساحة الصغيرة المنكشمة، بدون خوف، تحت قبضة شجر الميوبوروس الضخم، الذي يرى »ميران« أن ظلاله الشديدة الخضرة هي صنف من جراح النبات. البحيرة الكبريتية، في بلدة »رأس العين«، شمال سوريا، هي التي تسللت الى خياله على أناشيد السيبرينات، اللواتي يغوين بشباك أصواتهن المراكب في مدار اليونان. قرأ قصصù مبسطة عن أقدار التاريخ الكبرى كما كتبها شاعر ضرير، بخيال ينقذ الواقع من كهولة معناه، في سنوات المدرسة الابتدائية، فأذهلته المصائر التي تتقاذفها الحيل، والحيل التي تتقاذفها المصائر. ومع بلوغه سنوات الدراسة الإعدادية ألحف على أبيه »شريف اسماعيل«، الملقب ب»شريف التراكتور«، أن يوسط الى حلب من يأتيه بكتب الإغريق وأقاصيصهم، فيما استحصل عند بائع مطبوعات على الرصيف كتيبù أخضر اللون، مهلهلاً: »كيف تتعلم اليونانية دون معلم، في سبعة أيام«، فأشبعه حفظù عن ظهر قلب، بكل أخطائه المطبعية، وورد كلمات »متزحلقة« عن أماكنها في أعمدة الألفاظ المتقابلة. و»ميران« كان وحيد أبيه، ومدلّلَه، وأمله الكثيف كدخان الحطب الرطب في أن يحفظ لنسله امتدادù عزيزù بين الأنساب، لأنه لم يقدر، بفحولته الملتمعة على شاربيه الكثين المدهونين بزيت السمسم، أن يورّث نفسه أكثر من ابن واحد. ثم اتخذ على زوجه »حسنا«، أم »ميران«، ضرة في الثالثة عشرة من عمرها، فلم تنجده رحمُها. وقد عوّض على نفسه بالإكثار من الجرارات الآلية، التي تحرث الأرض حرثù يقلب الباطن على الظاهر، بتلك الأسطوانات الكبيرة المعدنية، المصفوفة في قضيب أفقي من خلف هياكلها الحمراء. ويستعرضها كل مساء، في مواسم الحرث المتعاقبة على بذار الحنطة، والشعير، والعدس، والفول، والملفوف، والحمص، والجزر الأحمر، والبطيخ الأحمر والأصفر، والخيار، والفجل الضخم كرؤوس القطط. ينكت الأرض أمام كل جرار، في ساحة داره المترامية، المسوّرة بعرائش العنب، كأنما يجعل لها أوتادù خفية، متينة، يغلها إليها بسلسلة هي أنفاسه، وبأقفال هي خفقات قلبه. وعلى طغيان ولهه بآلاته، التي يصونها عاملان متفرغان في دورة أسبوعية، اتسع لقبه لكلمة »التراكتور« فاستعذبها. كانت سهول »رأس العين«، وحقولها، تتشرّب العافية من ضجيج جرارات »شريف«، وتغذي ذاكرتها من رائحة زيوتها ووقود محركاتها ذات الارتجاج الطاحن. لكن سطوة الرجل المبذولة على الخير شملت بعضù من سهول بلدة »عامودا« أيضù، وجارتها »الدرباسية«. ولم يكن رجل مثله يعدم أن يجد من التجار الرائحين الى حلب، والغادين منها، من يلبي طلب وحيده »ميران«، فيحملوا إليه مجلدات جليلة من حكايات شاعر اليونان الضرير، وبعضù من أغانيه المدوّنة، وركامù من تراجم فلاسفة الإغريق أهملها آنذاك، في انصرافه الى تشييد كهفه الرخامي تحت أعمدة الأسطورة، لكنه عاد إليها حين انتهى من دراسته الثانوية، فاصطحبها، باللغة العربية، الى »سالونيكي«. ربما يكون »ميران« من القلائل الذين تسنّى لهم الدخول الى جامعة أجنبية بعد الانتهاء من سنوات الثانوية في بلده، مباشرة. وقد ساعده أنه استحصل قبولاً مسبقù من السفارة اليونانية في دمشق في سابقة لا مثيل لها. وتولت، تلك السفارة، بنفسها، نقل التماس السماح ل»ميران« بإكمال دراسته في أرضها الإغريقية إلى وزارة الخارجية السورية، التي وشمت الورقة الرسمية بختمها، مع إحالتها الى وزارة الداخلية لتسهيل استصدار جواز سفر. وقد فوجئت عائلة »شريف التراكتور« بتبليغٍ وصلها عبر مخفر الشرطة مفاده أن على »ميران« التقدم بطلب للحصول على جواز سفر، فاستغرق الأمر بضعة شهور، مع رحلتين الى دمشق للمراجعة، قبل أن يجد الشاب بين يديه لوح ا" المعترف به في أقاليم الأرض، فطار الى معسكرات أخيلياس المرفوعة الى الأبد على تخوم طروادة الخفية. حصل كل ذلك في ما يشبه مكاشفة بين تيريزياس، العراف الأعمى، والأقدار. فإنه لما تحصَّل ل»ميران« مصنّفان في قواعد اللغة اليونانية، وقاموسٌ على نهج ألفاظها بما يعادلها في العربية، وضعه آباء مبشرون، انكفأ الشاب ذو التسعة عشر عامù على خندق روحه المحتجب في ضياء الأخيلة، فكتب أربعة أبيات من الشعر، على هدْي ما ترامى إليه من نفثات كتبها كازنتزاكيس نظمù في الأساطير التي صاغها، قبله بقرون، شاعر العتبات الكبرى للأقدار، هوميروس الأعمى، الذي يقال إن آخرين تخيّلوا له عينين كالأشرعة. نَظْمù، على قوافٍ مسبوكة في حرفين هما الكاف والواو اليونانيين، كتب »ميران« رباعيته، يقرن فيها البحيرة الكبريتية الخضراء في »رأس العين« بمثيلتها بحيرة كاستوريا، التي يسمع في أنحائها عويل طائرين آدميين، لهما أجنحة الخفاش، أسرتهما الأرباب الآلهة في قفص من الكوبالت. ثم أرسل تلك الرباعية، في مغلف ذي إطار موشوم بالألوان، إلى السفارة اليونانية، بدمشق، على اسم سفيرها، بعدما استحصل العنوان والاسم من ركن في الإذاعة يجيب المستمعين عن أسئلتهم. ما الذي خامر السفير اليوناني ديميتريس انغليدس وهو يقرأ رباعية بلغة خالاته وعماته كتبها طالب من ضفاف بحيرة تخيلها مثل خليج كورنثة؟. دوَّن »ميران« تحت الرباعية، كما يدوّن أرباب النظم الموهوبون، تاريخ كتابتها، ومكان نزول الإلهام عليه: »البحيرة الكبريتية«، حيث الأبخرة حرّيفة تصدم الخياشم برائحتها، والخمائر الطينية تستولد لونù فيروزيù كإغواء المتاهات النبيلة، فيما تحوم من حولها، كل مغيب، أشباح العائدين من حروب لم تدوّنها الأشعار. فقاعات خضراء تنبثق من ضفاف البحيرة الطينية، ثم تنفجر عن ثقوب لا تلبث أن تلتحم. فقاعات آتية من الأعماق الأكثر عماءً، حيث يتنفس الحوت الأعظم تحت أسوار المياه، ويتسلل لهاث الخلْق صعودù من الحمأ الكبريتي، قرب قدمي »ميران«، اللتين تتراخيان في كسل حين يشرد قلبه في قراءة لوح المعنى المهجور. لقد حملته البحيرة بيدين من فيروز مطحون الى باب الأسطورة. وعليه، هو، أن يتشبث بالمجازات المحمومة لساحرات النور الإغريقي، حتى تعبر به الباب الى بهو الأزل الثاني، حيث ينسحب السحر أمام واقع ينقضه البرهان، ويؤكده البرهان، في اللحظة ذاتها التي يوصد فيها اليقين فتنتَه المعذِّبة على كل حقيقة. ويشهد قلب »ميران« أن عربات تجرها الجياد كانت تخرج وتدخل معسكرات الغيوم الكبيرة، حين علت به الطائرة أول مرة في حياته، فراسخ لا تحصى، في الفراغ المستوي كحجر الرحى. وانقسمت نفسه، نصف في الحوت المعدني المحلِّق بجناحين من ماءٍ جليد كالفضة، ونصف على بيادر ا" البيضاء يركض من حولها ملوحù للعربات، التي تحرث حوافر جيادها سهول المشيئة الصامتة، ويرمي المحاربون المنتصبون في مقطوراتها الصغيرة، الدائرية، بخوذاتهم تحية للألق الأكمل تحت أثداء الأقدار. كانت »إيلي«، صاحبة حانة »اينيا سكانزوخيري« (القنافذ التسعة) تصغي إليه مذهولة، بحبٍّ يبلل، أبدù، ذلك البرزخ بين ثدييها الملجومين بلجام خفي، حين يسرد لها شعوره الصاخب، في طريق معسكرات الغيوم إلى اليونان. ولا تتمالك المرأة القصيرة، ذات الجمال الهادئ الذي لا يليق بحانة، نفسها، فتحضن رأسه، من خلف الحاجز الخشبي ذي السطح الضيق، وتمطر أنفه بقبلاتها المؤتلفة بالشهوة، والأمومة، معù. تكبره »ايلي«، امرأة »سالونيكي«، التي تروي ل»ميران« أن القنفذ وحده، دون سائر حيوانات الأرض، يبكي إذا سمع إنسانا يبكي«. وتضرب بكأسها ظاهر يده المبسطولة على السطح الخشبي: »للقنفذ كبدان كالمرأة..«، فيعترض »ميران« خيالها قائلاً: »على مهلك إيلي، أنت تشردين«، فتهز رأسها نفيù: »لا. لوعة المرأة مضاعفة. كبد واحدة لن تحتمل ذلك منها. لها كبدان«. ويوم فاتحها »ميران« بعزمه على الرحيل الى قبرص حدقت فيه طويلاً، صامتة من العاشرة مساءً حتى الثانية عشرة منتصف الليل، قبل أن تضع جبينها على جبينه، بعدما أطفأت صندوق الموسيقى الذي تديره قطع النقود المعدنية، وقالت له بصوت يشف عن ألم درّبته بحنكة الضوء الخافت: »سيحترق كبدٌ من كبدَيَّ، وسيبقى الآخر لسبب بسيط هو أنك لن تغادر فرج اللغة اليونانية أولاً، وثانيù ان قبرص بنت من بنات اليونان«. كان »ميران« يعمل في مكتب تجاري في سالونيكي تابع لقنصلية بورما، مترجمù بين الوجوه الآسيوية ومهووسي شراء الشاي، حين التقى، مصادفة، »أبا مروان الحلواني«، التاجر الحلبي، البدين الأصلع، المستدير الوجه كطفل حقنوه بالسحلب، تحت جلده، حتى ليخال للمرء أنه سينفجر. وهو كان ينفجر، على أية حال، في نوباته العصبية المتكررة كل بضع ساعات، عندما عرفه »ميران« عن قرب أكثر، مستجيبù لإغوائه بمنحه نسبة عالية من ثمن مبيعات الكنافة الحلبية ذات الصيت الملائكي، إضافة الى إشراكه، بنسبة أخرى، في مردود مشروع ينوي تسويقه بقبرص، وهو »الحمّام«: »التسهيلات كبيرة، التكاليف قليلة« قال التاجر ل»ميران« بعينين واثقتين، مضيفù: »سنقتنص جنود الأمم المتحدة أولاً، والمسنين الأثرياء. سترى، لقد درست المشروع مطولاً. زرت قبرص سبع مرات«. ولما تساءل »ميران« في جدوى تسويق »حمام« على طريقة الحمامات التركية القديمة، في بلد لدى أناسه حمامات في بيوتهم، احتقن وجه »أبي مروان«: »سأجعل الحمام نزهة روحية يا حبيبي، يكون الاغتسال آخر مطافها«. وشرح له، تفصيلاً، أنه سيجعل رواق المكان، الذي يتخذه حمامù، كهفù من البخار تطفو روح الرجل فيه على تسعين عطرù. وسيزوّد الحمّام بعجين من المسك لا يزول شميمه عن الجلد سنة، وبطين »مخصِب« تُطلى به الخصى، فيوقظ إحليل الميت، بعد تسعين طلية. أما عن سؤال »ميران« عن إمكان الحصول على ترخيص في التجارتين، هاتين، فقد ربّت »أبو مروان« على كتفه: »عندي ترخيص، سلفù«. »سلفù؟!« قال »ميران« مندهشù، وفي نبرة صوته إعجاب ضمني. فهز »أبو مروان« رأسه لا نافيù، ولا مؤكدù: »إنه في جيبي حتى لو لم يكن في جيبي«. وكي يختصر على الشاب المزيد من أسئلة تتوخى ضمانة صريحة في حال إقدامه على المغامرة بعمله، قدم له ألفي دولار، نقدù، في مغلّف مفتوح: »أرِحْ بالك. واترك الأثقال عليَّ، يا حبيبي«، وابتسم في ود رخيم: »هيئ لغتك اليونانية من ألفها إلى يائها، لا غير«. »لماذا اختارني هذا الرجل؟«، كرر »ميران« السؤال على نفسه عشرين يومù هي الوقت الذي استغرقته تصفية شؤونه في سالونيكي، وسط أحلام يقظة مزدحمة بمدلِّكات فلبينيات سيستأجرهن »أبو مروان« كما قال، وبموسيقى عربية، شرقية، يونانية، تركية، لها هرج ومرج في أرداف راقصتين مصريتين يعرفهما، ستعرق على التماع سُرَّتيهما في غيوم البخار، أجساد زبائنه، حتى أن الرجل البدين سينحل في يومين لا أكثر، فلا تعرفه زوجه إذا عاد إليها، يؤكد التاجر الحلبي. غير أن »ميران« لا يستهدي الى سبب لتفضيله على مترجميْن آخرين، وتخصيصه بوعود فيها نسبٌ شهية من المال، لذلك ارتأى أن يعرض على التاجر العمل معه بأجر شهري معلوم، سواء أتدفقت على أبي مروان كنوز قراصنة غرقوا أمام شواطئ فماغوستا، في الغزوات العربية بحرù، أم التصقت بوريده علقة الكساد. فوافق التاجر، من فوره، حين فاتحه الشاب برغبته الخجولة: »لك ألف دولار. أهذا يرضيك؟«، فابتسم »ميران« ممتنù. لم يكن سهلاً أن ينفصل الشاب عن سالونيكي كهف روحه البحرية ذات المئة عين، بعد سبع سنين كاد يتزوج فيها أربع مرات لولا ضعفه أمام الليل المعلق، أبدù، إلى سقوف الحانات، جذابù بأيقوناته التي تطهر الشر العذب من اختراقات الخير وعذابه الشره. لقد تزوج »ميران« حورية الليل ذات الأحشاء الشفيفة، بعقد مكتوب من رضى »ايلّي«، وشهادة قوية من الضوء الخافت في حانة »القنافذ التسعة«. (اينيا سكانزوخيري)، ذلك الضوء الذي عوَّده ألا يبكي، برغم اللوعة التي عصفت به مرتين من تلك المرات الأربع، المشهود لها بموافقات صارمة على الزواج انتهت بنقضها. وكانت »ايلّي«، التي لا يخبئ عنها شأنù من شؤون قلبه وعقله، تحثه على البكاء، وتفتح راحتيها أمام عينيه كأنها ستتلقف منهما الفستق: »إملأ راحتيَّ بالخير الذي فيك« بالنبرة ذاتها التي كانت تذوِّب الكلمات على شفتيها الممتلئتين، حين تدفع جسدها عليه دفعù، فوق سريرها، هاتفة في فحيح أزليّ: »املأني«. لطالما تفكّه »ميران« من أثاث بيت »ايلّي« الغالي الثمن، المتنافر كتلاً، وهندسة، وصنعة، كأنما تستعرض المرأة، أمام زائريها، تعويضù باذخù عن رفعتها المفقودة، فيتداخل في صالة بيتها الخشب المزوَّق حفرù، والمطلي ذهبù، بالحديد الملتمع في قشرته القصديرية. ويتناطح القصب المفتول مع القماش المخمل ذي التعاريق كوشم من آثار الفردوس. لكنه أعجب بسريرها الفاره، الصلب العوارض تحت الفراش، المسيَّج في ثلاث نواحٍ منه بقضبان نحاس براق، فيها عُقدٌ كروية في حجم بيضة الدجاجة، ولكل عقدة ثلاثة ثقوب تجتذب لهاث الآدمي وشهيق خاصرتيه فيصير الصدى، في قنوات القضبان، رنينù خافتù كنداء الجُزُر. »ميران« نفسه، لم يرَ »ايلّي« تبكي، ولو مرة واحدة، في سنواته السبع بسالونيكي. وهو لم يكن يفتح راحتي يديه أمام عينيها، حين يجدها في غصة ينتفخ منها أنفها العريض الشهواني، كما تفعل هي إذ تراه محتقن الرئتين والروح، بل يسألها، في مسحة جادة، أن يعيرها عينيه، فتتنفس »ايلّي« عميقا وهي تطرق إلى أعمق أعماق كأسها الحاضرة أبدù بين يديها: »عيناك لا تكفيان. أعطني أحلامك«. وكان »ميران« قد تلقى منها، في المرة الأولى التي دار بينهما حوار عن البكاء، جوابù كضوء الحانة الشاحب: »تعلمت أن أبكي من عظامي، أما عيناي فهما للخشوع«. وظل أمدù يقلّب تلك الكلمة، في ممازحاته، على وجوه شتى: »أتخشعين، إيلّي، وأنا أعطيك هذا؟«، مشيرù إلى أزرار بنطاله، فتتمتم المرأة، ذات الوجه الممتلئ: »أنت هرطوقي«. لكن »ميران« يحس، بالحنين الغامض فيه إلى ممالك الفراغ، أن الخشوع في عيني »ايلّي« أكثر طغيانù من أن يسهو المرء عنه، وهو برهان الليل على إقامته الأبدية فيهما، برغم أنهما شهلاوان فتَّ النهار فيهما طحين خرزه. تمنى أن يرى ولدي »إيلّي«، ولو مرة واحدة، في آخر أيامه بسالونيكي: لا يعرف »ميران« سبب رغبته تلك، ولم يفاتح المرأة حمراء الشعر بذلك؛ وهي كانت حدثته، في أحيان متباعدة، بدون إسراف، عنهما: صبيان، أحدهما في الحادية عشرة، والآخر في الثالثة عشرة، يقطنان منزل أبيهما الألباني، بائع تروس النحاس المزخرف، والمصابيح الزجاجية المعشَّقة الخاصة بتزيين بوابات البيوت. أرته صورة جامعة لهما، تحملها في محفظتها، قبل سبعة أعوام من ذلك، ثم صورة أخرى مع أبيهما في سنته السادسة من تردده على الحانة. لا يشبهانها. لكنه تعمّد إظهار ملامح مشتركة بينهما وبين أمهما، في المرة الأخيرة، فأغلقت »ايلّي« عينيه براحتها، هامسة: »أنت تحتال عليَّ. هما يشبهان أباهما«. نصف وجهها الأيسر مختبئ، دائمù، في زوبعة شعرها الساكن، الذي تتركه حرù، يناوش بحمرته الضوء الشاحب، فيما ترد القسم الأيمن منه خلف أذنها. وترتدي فوق ثيابها المحتشمة، عادة، عباءتها الشفيفة، الحريرية الطويلة، كأنما تجعل للحانة توازنù ملحوظù يخفف من غلبة العري، الذي تبذله الفتيات الشقراوات الأربع للزُّبُن في ثيابهن المنحسرة حتى الأرداف، المتقاصرة عن السُّرر، والمنسلتة عن الأثداء في إهمال متعمد. وثمة عاملة خامسة في الحانة، حال بين حشمة »إيلّي« وطغيان المفاتن العارية عند فتياتها، اسمها »سكيناس«، ولربما يكون محوَّرù تحويرù خفيفù عن اسم »سكينة« العربي، ما دامت تتباهى بجدها المصري من جهة أمها. وهي تجاوزت الخمسين. صامتة، ومنزوية، لا تتحرش بزبائن »ايلّي«، التي تبرّر إبقاءها عاملة في الحانة بماضي جمالها: »لا أخسر شيئù«، تقول ل»ميران«. وتشرح في اقتضاب: »لن أشارك الزمن في جريمته«. وحين تلتقي عيون المرأتين، في لحظات صمتهما، كل واحدة من جهة تبعد عن الأخرى أحد عشر كرسيù، تتأسى »ايلّي« لها من ضباب حدقتيها، وترد »سكيناس« على ذلك بامتنان ينبض مع نبض صدغيها المتوردين بطلائهما الزهري الصاخب.