كنت قد تساءلت في قراءتي »الإيديولوجيا العربية المعاصرة« في طبعتها العربية الجديدة، لماذا لجأ عبد ا" العروي إلى حذف شهادة المستشرق مكسيم رودنسون من الطبعة العربية الأولى لهذا الكتاب. وكان جوابي متشعبù ويدفع باتجاه مزيد من التساؤلات؛ هل يعلن العروي الداعية الماركسي موت الاستشراق؟(1) وهل يعني ذلك أن المثقف العربي قد وجد في نفسه الكفاءة ليتحرر من أوزار الاستشراق، بصورة أخرى من عقدة الخواجة الاستشراقية إن جاز التعبير، التي ترتسم ظلالها الطبشورية على الثقافة العربية المعاصرة لتدفع باتجاه مزيد من التشويه للذات الحضارية في تطورها التاريخي، ولترتسم ظلالها بصورة سلف إيديولوجي يدفع بالمثقف العربي المتتلمذ على أعتاب الاستشراق لأن يعيد ويردد على مسامع جمهوره الشعيرات اللغوية الاستشراقية نفسها التي تعلمها هناك، على حد تعبير إدوار سعيد في الاستشراق. كان سعيد في خاتمة الاستشراق قد أعلن موت الاستشراق وانبعاثه في آن، لنقل معه انبعاث نوع ظل متخلفù قياسù بالجديد في مجال العلوم الانسانية، لنقل الثورة في مجال العلوم الإنسانية التي ساهمت في إعادة الاعتبار للامفكر فيه، على حد تعبيره(2). أعود بعد هذه المقدمة القصيرة لأتساءل إذا كان »الإسلام المحمدي الباكر« هو التسمية العلائقية والمهنية التي يلحقها الاستشراق بالإسلام بحسب تعبير ادوار سعيد، فماذا يعني وشم هذا الجزء الرابع من مشروع الرؤية عند طيب تيزيني بهذا المصطلح؟ ثم لماذا كل هذا الحضور بصورته الاستشراقية الكلاسيكية المفوَّتة كإطار مرجعي في عمل طيب تيزيني، حضور فلهاوزن ورودنسون وبلاشير وهنري ماسيه وجيب وبيتروشيفسكي من الاستشراق السوفياتي/ الروسي الجديد؟ ألا يشير هذا الحضور الكبير للاستشراق في الفكر المادي الجدلي الى تلك الصلة العضوية الوثيقة بين الماركسية والاستشراق، الصلة التي سبق لادوار سعيد أن بيّنها وفضحها، وذلك عندما بيّن الخلفية المرجعية لماركس في ما يخص الشرق، فقد بقيت أفكار ماركس عن الشرق تستقي مرجعيتها من حقل الاستشراق ونظامه، حيث شكل الاستشراق مكتبة صلبة وصلدة فرضت على رجل كبير مثل ماركس أن يعود إليها في ما يخص الشرق وأن يمنح منها ليدلل على صحة استنتاجاته الاجتهادية في ما يخص الشرق(3). ثم ألا يعني هذا الحضور الكبير للاستشراق عند باحث عربي معاصر يعلن بصراحة انتماءه الى الفكر المادي الجدلي في قراءته للاسلام الباكر، ويدعو إلى حوار تاريخي عميق وشامل، بحسب تعبيره حول الاسلام الباكر، أقول ألا يعني هذا أن هذا المفكر يحكم على مشروعه بالإحباط والقصور المنهجي والأدواتي والمفاهيمي، وذلك عندما يتكئ على الاستشراق ويدير ظهره للإنجازات الهامة في حقل المفاهيم والمناهج التي قدمتها العلوم الانسانية الحديثة. وبالتالي سيكون ذلك بمثابة الحكم على تخلف الفكر المادي الجدلي في صورته العربية عندما يتعرض لقضايا جوهرية تطال التاريخ وعلم العمران البشري بحسب مصطلح ابن خلدون والظاهرة الدينية على وجه الخصوص ممثلة هذه المرة بالدين الاسلامي. يلحظ القارئ اننا نتحرك في مناوشتنا للباحث تيزيني من الهامش الى المتن، وللحقيقة فإن هذا عمل مقصود يهدف الى نقد السلاح، بصورة أدق إلى نقد العقل المادي الجدلي في سفره الضخم هذا الذي يتحدث فيه عن »الاسلام المحمدي الباكر« والذي يفصح عن نفسه على شكل مقدمات أولية. نقد مرجعيته ومفاهيمه بهدف إظهار المسكوت عنه والذي يأخذ شكل أصنام نظرية أبدية، على حد تعبير الماركسي الأنتربولوجي الفرنسي موريس غودلييه، ظلت متحكمة في رقاب ما يسميها الماركسية المبتذلة التي تأخذ شكل إيديولوجيا نظرية باتت كأنها عصية على كل تغيير(4). من وجهة نظرنا أن هذه الأصنام النظرية تقع في المتن من خطاب الدكتور تيزيني الذي يزعم الاستنارة والانفتاح والحوار، وتعبّر عن نفسها بعدة أشكال منها: 1 التركيز على العامل الاقتصادي باعتباره المحرك الوحيد للتاريخ. 2 جدلية السابق واللاحق. 3 جدلية العلاقة بين الفكر والواقع. 4 إلغاء الآخر واتهامه بالدونية الفكرية والتناقض الذي يحكم منهجه. التضخيم سأضرب صفحù عن العامل الرابع وسيتركز اهتمامي على العوامل الثلاثة الأولى، فقد جرى تضخيم العامل الاقتصادي وكثر الحديث عن الانسان الاقتصادي الذي يعتبره غودلييه بمثابة صنم نظري داخل الماركسية المبتذلة. إن تيزيني يعتبر الديني وجهù آخر للاقتصادي. هذا المنهج في الرؤية كان قد دشنه في كتابه الذي جئنا على ذكره والموسوم ب»من يهوه الى ا"«. فالدين في مرحلته الباكرة يظهر انعكاسù لواقع اجتماعي إنتاجي، أما في مرحلته الثانية فيظهر متميزù نسبيù عن تلك العلاقات. وهنا يحلو لتيزيني في بحثه عن الاسلام المحمدي الباكر أن يحول وجهه من نمط الانتاج الآسيوي الذي يفسر تاريخ الشرق كما شرح ذلك في كتابه »الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى«(5) إلى نمط الإنتاج التجاري السائد في مكة المكرمة قبل الإسلام، فقد أصبحت لغة التجارة لغة العصر، كما يقول في الصفحة 72. واعتمادù على الاستشراق يقوم تيزيني بإحصاء ثروة قريش التجارية قبل الإسلام ليدل على صحة استنتاجاته الاجتهادية، وليظهر لنا أن الاسلام الباكر ما هو إلا الحركة الايديولوجية لهذا النشاط التجاري، لا بل انه يذهب الى أبعد من ذلك وراء أصنامه الفكرية عندما يخبرنا أن »القرآن مثل بنية نصية ذات طابع نخبوي خاطبت، بالدرجة الأولى، سكان المدن عمومù والمثقفين منهم خصوصù المنخرطين في حركة تجارية محلية وخارجية«. ص 54. في المستوى نفسه وفي بحثه عن جدلية السابق واللاحق، يرى تيزيني أن الإسلام من شأنه أن يفصح عن خصائصه وسماته أو عن بعضها، حين يوضع في سياقه من سابقه الجاهلي حيث يشن تيزيني هجومù على هذا المصطلح بهدف تحريره من النظرة الدينية الاسلامية إليه، ومن راهنه آنذاك أي القرن السابع للميلاد، (ص 45). إن تيزيني يعيب على الاسلاميين تناقضهم الصريح في موقفهم من الجاهلية، التناقض الذي يحكم موقفهم من السابق واللاحق، ويؤدي الى انتهاك هذه العلاقة. إن جدلية السابق واللاحق عند الباحث تيزيني تمهد لنسف الدين من أساسه، وتيزيني لا يخفي ذلك ومن هنا مخاوفه التي يذكرها في المقدمة يقول: إن جدلية السابق واللاحق من شأنها أن تردم الخواء الماورائي (الميتافيزيقي) المعتقد وجوده«. ص 50. إن جدلية السابق واللاحق عند تيزيني هي جدلية الفكر والواقع، وهذا بدوره، وكما نراه، صنم فكري يغزو أغلب التحليلات التي يكتبها عرب معاصرون. وأشير هنا خصوصù الى كتاب نصر حامد أبو زيد الموسوم ب»مفهوم النص« الذي سنقرأه في دراسة قادمة ساعين الى تبيان تهافت هذا الصنم الفكري انطلاقù من الإنجازات الحديثة في قراءة النصوص الميثولوجية، كما يجسدها منهج الأنتربولوجي الفرنسي كلود ليفي ستروس. إن تيزيني يؤكد ان المواقف والنصوص لا يمكن النظر إليها على أنها صيغ تبنينت وفق علاقة النص بالواقع. تلك هي الأصنام الفكرية التي يدلف منها تيزيني الى دراسة ما يسميه »الإسلام الباكر« ظنù منه أنه يساهم في فتوحات هامة في هذا المجال الواسع والمركب في آن. لكنه لا يفلح إلا في استثارة هواجسه التي تنتمي بحق إلى المادية المبتذلة التي سنستشف رؤاها ومزالقها في الفقرات التالية. في الكتاب الموسوم ب»كي لا نستسلم« المركز الثقافي العربي 1994 يقوم المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، باقتراح أطروحة عن »بعد العقل السياسي«، فمن وجهة نظره التي تؤسس لحوار يصم تيزيني أذنيه عنه وعن معظم الطروحات الجديدة القادمة من حقل العلوم الانسانية والتي تغيب عن مرجعية الخطاب المادي الجدلي عند طيب تيزيني؛ أقول من وجهة نظر ريجيس دوبريه في حواره مع الشيوعي السويسري والنائب في البرلمان جان زيغلر ما يلي: أولاً السياسة ليست هي الاقتصاد مركزù، بحسب مزاعم لينين. فثمة نصاب مستقل للسياسي. ثانيù إن السلوك السياسي للمتحدات البشرية لا تبدل منه التغيرات التي تطرأ على نمط الانتاج الاقتصادي. ثالثù بالإمكان الاستدلال من ذلك على لاوعي سياسي قار، ليست الأديان والإيديولوجيات سوى أعراضه المتلونة. هذا اللاوعي السياسي يستمد من بنية خاصة بكل مجتمع بشري أيù كان هذا المجتمع وأسمّي هذا اللاوعي السياسي باللااكتمال، فما من مجموعة تبلغ تمامها بالعناصر المتضمنة فيها فقط، ما يعني أن هناك دائمù ما يمكن وصفه باللاعقلاني في داخل كل مجتمع بشري. إذ لا توجد الجماعة إلا بانغلاقها على ذاتها، ولا يعقل أن يتم لها هذا الانغلاق إلا بالرجوع إلى أمر متعال، كمثل بطل مؤسس أو فردوس مفقود أو يوم حساب... الخ وهذا اللاوعي كما يراه دوبريه ذو طابع تنظيمي، ذلك أن المجتمعات البشرية تنظم نفسها بواسطة ترسيمات، هي في العمق، ذات طابع استعادي وتكراري. وريجيس دوبريه الذي يرى أن الماركسية كأداة تحليل ليست ذات فائدة إلا لبعض مراحل التاريخ المعاصر، أقول إن ريجيس دوبريه في تركيزه على مفهوم اللاوعي السياسي يبحث عن الديني داخل خطاب اللاوعي هذا، الذي يتميز باستقلالية عن الاقتصادي بحيث يمكن الحديث عن وعي ديني قار، مستقل تمامù عن الاقتصادي الذي يلهث وراءه تيزيني في بحثه عن الاسلام الباكر(6). وقد قام الجابري منذ سنوات في بحثه عن »العقل السياسي العربي« بتوظيف مفهوم اللاشعور السياسي عند دوبريه في قراءته لهذا العقل، ولكن بصورة مختلفة عن دوبريه. فالجابري راح يبحث عن السياسي وراء الديني باعتبار السياسي هو المسكوت عنه في الخطاب الديني(7). فمن ستروس الى الفرنسي الماركسي موريس غودلييه الذي جئنا على ذكره في حلقة سابقة، ثمة تأكيد أن الخطاطة التطورية التي جاءت بها المادية المبتذلة باتت بحكم الممجوجة والملغاة والتي تعبّر عن نفسها بالقول إن الديني والسياسي هما بمثابة التابع للمتحول الاقتصادي، والتي تحضر في كل سطر من سطور طيب تيزيني في »الاسلام المحمدي الباكر«، فها هو ستروس يؤكد في مرافعته الشهيرة، وأقصد كتابه الموسوم »ب»الفكر البري« الذي يعتبر بحق أهم مرافعة ثقافية جاءت من حقل الإناسة (الأنتربولوجيا) للدفاع عن المجتمعات القديمة التي أسست نهجù ورؤية جديدة في حقل العلوم الانسانية، أقول: يؤكد ستروس أن التدني في المعاش عند هنود أميركا الشمالية لا يستتبعه بالضرورة تدنٍّ في المستوى الثقافي، لا بل فالبحث يثبت غنى هذا المستوى واستقلاليته عن الواقع. فالثقافي يتميز باستقلالية عن الاقتصادي، لا بل إن موريس غودلييه يقضّ مضجعه هذا الربط بين الاجتماعي والاقتصادي، فهو ينتقد بقسوة الخطاطة التطورية السابقة والمادية المبتذلة التي تنتج عنها، فهو لا يرى أن الزواج كشكل اجتماعي، على سبيل المثال، يمكن أن يرتد إلى مجرد علاقة اقتصادية كما تقول بذلك المادية المبتذلة. فهذا العنصر أي الزواج لا يمكن اختزاله ابدù إلى العلاقة الاقتصادية وحدها، ولا يمكن استنتاجه فقط من علاقة كهذه. ولذلك فهو يبني آماله على ثورة كبيرة في حقل العلوم الانسانية تمهد لتجاوز المادية المبتذلة بكل صورها وأشكالها(8). من دوبريه إلى ستروس ثمة تأكيد أن لحمة الجماعة لا تتم إلا بالرجوع إلى أمر متعال، أو بحسب ستروس لا يمكن تفسير الشرط التاريخي إلا على انه شرط فوق تاريخي يجد مصدره في حقيقة أو مبدأ يتجاوز التاريخ. وهذا يعني بحسب خطاب العلوم الانسانية الحديث اننا لا نعثر على التاريخ لذاته بل على التاريخ المقدس للجماعة البشرية. تيزيني يطيح المقدس جانبù، فهذه أوهام ميتافيزيقية ينذر نفسه إلى ردمها في إطار بحثه عن جدلية السابق واللاحق. وهو عندما يقرأ التاريخ وبالأصح عندما يمدد التاريخ على سرير المادية الجدلية المبتذلة يضع، على سبيل المثال، جميع النصوص التاريخية على مستوى واحد، بين نص كتبه الطبري في القرن الثالث الهجري وبين نص آخر كتبه ابن كثير في القرن الثامن الهجري، انه لا يلحظ الهوة التي تفصل بين الحدث التاريخي والحدث القدسي في قراءة التاريخ. فالحدث القدسي حدث استعادي وتكراري لأنه يبحث في علاقة الانسان بالانسان، ولذلك فهو يحتوي الحدث التاريخي، يحل محله ويحجبه لمصلحة الحقيقة الخالدة. لا بل إن تيزيني لا يفلح أحيانù في قراءة النص القرآني الكريم الذي نطلق عليه كلمة نص تماشيù مع خطاب سائد يجهل حقيقة القرآن الكريم الذي هو بحق أكثر من نص، على حد تعبير كلود ليفي ستروس في حواره مع ريمون بيللور(9). فالطيب تيزيني في تفسيره للآية (29) من سورة الجاثية (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) فهو يرى أن ما قام به الرسول الكريم ما هو إلا استنساخ لما قدم سابقوه ومعاصروه. وهو تفسير يقطع مع كل التفاسير القرآنية. وعلى سبيل المثال يقول ابن كثير في تفسيره للآية (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) أي أن ا" يقول إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالمكم عليكم، قال ابن عباس رضي ا" عنهما وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء (ابن كثير، الجزء الخامس والعشرون، المجلد الرابع، ص 137). إن تيزيني يمارس شططù في قراءة التاريخ عندما يتحدث عن الحتمية التاريخية التي أفرزت الاسلام المحمدي الباكر، بحسب رأيه، إذ ان نمط الانتاج التجاري الذي مهد لانقسام المجتمع الى طبقات عليا من المرابين وطبقات وسطى ودنيا من المهمشين، كان يجعل من الاسلام بمثابة نتيجة. لا بل إن تيزيني يقودنا عبر صنمية السابق واللاحق وفي إطار بحثه التاريخي عن الحنيفية كأصل للاسلام إلى القول »إن النسق الايديولوجي الحنيفي لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه واحدù من المصادر الايديولوجية للحركة الاسلامية«، ص 56. وفي إطار بحثه هذا يرى أن ورقة بن نوفل كان المعلم الأول، ص 260، والشيخ العارف للتلميذ الخفر اللبق، ص 325. وبهذا يعيدنا تيزيني الى مستوى كتابات لا تاريخية عن الاسلام مثل كتاب »قس ونبي« لأبي موسى الحريري كما يعلن عن نفسه. إذا كان غودلييه قد اعترض على رد الزواج الى مستوى علاقة اقتصادية، فإن تيزيني يندفع بشططه بعيدù عندما يخبرنا بأن زواج الرسول (ص) من خديجة كان »مخططù له ومقصودù وناجحù« ص 268). ويضيف بقوله: »نميل الى ترجيح أن ورقة وخديجة مثلا نقطتين حاسمتين في تكوين شخصية محمد باستدراج محمد الشاب عبر الزواج الى دائرة الفكر النوفلي، نسبة الى ورقة بن نوفل« ص 270. الاستشهادات السابقة المأخوذة عن طيب تيزيني، ما هي إلا عينة من فيض كبير لا ينفع معه الحوار ولا تنفع معه مقارعة الحجة بالحجة، ولذلك آثرنا مناوشة منهجه لنبيّن مدى قصوره وتخلفه قياسù بالمنجز في حقل العلوم الانسانية، بل إننا لا نتردد في القول إن خطاب تيزيني يدل بوضوح على هذا الغياب الذي يدفعه إلى قراءة مستعجلة تدفع باتجاه تمديد التاريخ على مذبح المادية المبتذلة. ومن هنا حاولت في هذه الدراسة ان اؤكد أهمية المفاهيم الحديثة في قراءة التاريخ. فالأنتربولوجيا السياسية من شأنها أن تقودنا إلى نتائج هامة وبعيدة عن الشطط الذي مارسه طيب تيزيني في قراءته للاسلام الباكر، ومن شأنها أن تضيء لنا مسافات شاسعة في قراءة تاريخ المجتمعات القديمة الذي يظهر ارتباطù جليù بين القدسي والسياسي. كذلك فإن توظيف المفاهيم الحديثة كالقبيلة والعقيدة والغنيمة في قراءة التاريخ، كما فعل الجابري في نقد العقل السياسي الجابري الذي ينتقده طيب تيزيني بشدة في مقدمة »الإسلام المحمدي الباكر« باعتباره الممثل لإيديولوجيا علمانية لا تاريخية من شأنه أن يقدم إسهامù هامù في قراءة التاريخ. باختصار، ومن وجهة نظرنا، حيث نأمل أن لا نكون مغالين بها كما نأمل أن تكون بمثابة نتيجة لتجشمنا عناء السفر في أسفار تيزيني، أن تيزيني لا يفلح في قراءة تاريخ الاسلام الباكر عبر منهج المادية التاريخية الذي تم تجاوزه في حقل العلوم الإنسانية. ولا يفلح في توظيف المفاهيم الحديثة التي غابت عن مشروعه نهائيù. ولا يقودنا إلى نتيجة. وفي رأيي النهائي أن كتاب »الإسلام المحمدي الباكر« ما هو إلا بيان ختامي يعلن فيه تيزيني وباللاشعور موت المادية التاريخية والجدلية في فكرنا العربي المعاصر، وموت الاستشراق، الاستشراق الذي يحضر بصورة لافتة للنظر في خطاب تيزيني حيث يشي هذا الحضور بتلك العلاقة الوطيدة بين المادية المبتذلة وبين استشراق مفوّت وبات بحكم المتخلف في نظرتهما المتجاوزة الى الإسلام. (*) طيب تيزيني، مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر، دمشق، دار دمشق، الجزء الرابع. (**) باحث سوري.