As Safir Logo
المصدر:

سعد الله ونوس يرسم صورة ابن خلدون في"منمنمات تاريخية"نموذج المثقف المتخاذل المستسلم(صورة)

المؤلف: منيف عبد الرحمن التاريخ: 1996-03-01 رقم العدد:7325

جزء من دراسة تنشر في العدد الجديد من مجلة »الطريق« الذي سيصدر الأسبوع المقبل ضمن ملف خاص بمسرحيات سعد ا" ونوس الجديدة. I »منمنمات تاريخية« إحدى مسرحيات سعد ا" ونوس الأخيرة، تتيح فرصة خصبة لمناقشات متنوعة، فهي تنتمي لهذا النوع من الأدب الذي يطالب بإعادة النظر ليس فقط بالقناعات التاريخية السائدة والمستقرة، بل ويطالب أيضù بمناقشة: المواقف الأخلاقية التي يجب أن تتسم بها الثقافة؛ العلاقة بين المعرفة والسلوك، دور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أن يكونا في خدمة القوة والسلطان، أم في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال؛ ثم ماذا يعني المثقف.. هل هو مجرد تقني أم صاحب وجهة نظر وضمير؟ وأخيرù.. ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من التاريخ، وما علاقتها بالعصر الذي نعيش فيه؟ هذه القضايا، وأخرى تماثلها، تفرض نفسها أثناء قراءة المسرحية، ثم بعد الانتهاء منها، وبالتالي تستدعي سؤالاً أساسيù: لماذا اختار سعد ا" ونوس هذا الموضوع بالذات لكي يسلط عليه الأضواء؟ بداية، كما افترض، اختار سعد ا" فترة قصيرة من حياة ابن خلدون، لا تتعدى الشهرين، وهي الفترة التي أقامها في دمشق، ولم يتطرق الى كامل حياة هذا الرجل وإنجازاته في مجال النظرية والتاريخ، إلا عَرَضù. لذلك يجب عدم اعتبار وجهة النظر هذه حكم قيمة، وإنما هي لحظة امتحان وكشف لقناعة واحد مثل ابن خلدون وسلوكه في فترة بالغة الدقة، وربما الصعوبة أيضù، هي فترة حصار تيمورلنك لدمشق، والموقف الذي يجب اتخاذه في مواجهة مثل هذه الحالة. ثم إن هذا الاختيار يفرض نفسه نظرù لتشابه عدد من الوقائع والمناخات التي عاشها ابن خلدون والفترة الزمنية التي نعيشها الآن، من حيث التردّي والانقسام واختلاط القيم والمفاهيم، وأيضù في مواجهة الآخر، الغازي، وما يتطلب من مواقف وسلوك، سواء في الرفض أو القبول. كما أن هذا الاختيار يتسم بأهمية دائمة، لأنه يناقش قضية بمقدار ما تتصل بابن خلدون ذاته، فإنها تعني كل من يعتمد الثقافة وسيلة خطاب وعلاقة مع الآخرين، لأن الثقافة تتجاوز كونها مجرد تراكم معرفي الى اعتبارها قناعة وموقفù، وبالتالي ما هو الدور الذي يجب أن يضطلع به المثقف، اعتمادù على ما اكتسبه من معرفة، وما تمليه هذه المعرفة. هذه ما نفترض انها الدوافع للاختيار، ويتأكد ذلك أكثر من خلال المناخ الذي رسمه سعد ا" ونوس في المسرحية، من ناحية النماذج والأجواء التي خلقها. فهذه »الكوكبة« من الوجهاء والفقهاء والتجار، وبالمقابل هذا الكمّ من رجال »القاع« الذين احتشدوا للدفاع عن المدينة وقلعتها، وأغلبهم بدون أسماء، أو أسماؤهم تشابه الكثيرين.. هذا المناخ يولّد حالات من التساؤل والمغالبة تبرز القوى الحقيقية وتناقض المصالح، إضافة الى ما يعتمل في نفوس الذين يتخذون القرارات من دوافع وطموحات وأوهام. وإذا كانت هذه المسرحة تثير مثل تلك الأسئلة، فإنها، في الوقت نفسه، تستدعي مراجعة لمسيرة واحد يُعتبر صاحب نظرية في التاريخ والعمران، وبالتالي ضرورة تدقيق الجوانب الخفية، أو التي بقيت في الظل من حياته وسلوكه، لمعرفة مدى التطابق أو التوافق، وأيضù مدى الاختلاف، بين الفكر النظري والسلوك العملي. لقد حملتني هذه المسرحية على إعادة قراءة عدد من المصادر التي تناولت ابن خلدون، لأنني كنت، مثل كثيرين، أميل الى تركيز نظري على الجانب الإيجابي في هذه الشخصية، ووضعها في سياق من اليقين أقرب الى الثبات، على رغم المرارة الدائمة التي كنت أحس بها نتيجة سقطة ابن خلدون تجاه تيمورلنك. هذه المراجعة للمصادر ترسم لوحة لابن خلدون جديرة بإعادة التأمل، لأنها بمقدار ما تضيء جوانب متعددة في شخصيته، فإنها ترسم سياقù ربما يختلف عما هو سائد أو ثابت في قناعة الكثيرين. ولكي لا نقع في خطأ يريد »الآخر« أن يوقعنا فيه، وهو خطأ تشويه التاريخ، وذلك بتسويد ما يعتبر صفحات مضيئة فيه، فإن الطريقة الأخرى في القراءة، وهي إسدال الستار عما يعتبر نقصù أو خطأً، تؤدي في النهاية، الى النتيجة نفسها. ومن هنا ضرورة أن تكون القراءة موضوعية، نزيهة، معتمدة على الوقائع الصحيحة، من دون مبالغات، سلبù أو إيجابù. إن الصورة المرسومة لابن خلدون تُغفل، في أغلب الأحيان، جوانب في حياته وسلوكه، وقد يكون سبب هذا الإغفال الفرق البيّن، واللافت للنظر، بين ابن خلدون العالِم، صاحب النظرية، وابن خلدون السياسي الذي وظّف معارفه وكفاءاته من أجل الوصول إلى السلطة. ومعظم الذين كتبوا عن ابن خلدون كان يعنيهم، بالدرجة الأولى، الجانب النظري. لذلك أهملوا، أو تغاضوا عن الجانب الآخر. وهذه إحدى الاشكالات الكبيرة في فهمه، وتاليù، في استخلاص النتائج التي تتولد عن هذه الحالة. فالكثيرون يعتبرون أن ما يعنيهم من ابن خلدون، أو من يماثله، المعارف والخلاصات والنتائج التي توصل إليها، باعتباره عالِمù، أكثر مما تعنيهم حياته، وطبيعة الشخصية التي كانها، لأن الأولى عامة، ملموسة، وأيضù مستمرة، بمعنى ما، في الوقت الذي تتوارى الشخصية وحياتها الخاصة بمجرد موتها المباشر، أي زوالها المادي، وعدم القدرة على إضافة أي شيء للنظرية. هذه الإشكالية تنبع من مفهوم معين لمعنى الثقافة، وأيضù لمعنى الحقيقة. فالثقافة، كما افترض، في النتيجة، هي لخدمة الإنسان وسعادته، ليس من حيث تفسير الوقائع فقط، بل ومن حيث ما ترسخه من قيم وسلوك وتقاليد ونظرة، تؤدي كلها لاحقù الى احترام ما هو صادق ونبيل ومضيء في حياة الانسان وتاريخه، وتؤدي أيضù الى تقدمه ورفاهه في جميع المجالات، وليس في مجال واحد وعلى حساب المجالات الأخرى. فسقراط، مثلاً، قدم حياته تأكيدù لما يعتبره الحقيقة التي كان يبحث عنها، وما كاد يصل إليها حتى اعتبر نفسه وهذه الحقيقة شيئù واحدù، ولا يمكن أن ينفصلا أو أن يفترقا. والحلاج ظل وفيّù لرأيه وقناعاته ومات من أجل ذلك. ونوبل الذي قاده اكتشافه الى معرفة ما جنت يداه نتيجة هذا الاكتشاف لا يزال الى اليوم يقدم اعتذاره، في محاولة لأن يوفق بين قناعاته وسلوكه. وكذلك فعل أوبينهايمر الذي ساهم في صناعة القنبلة الذرية. وعشرات غير هؤلاء لم ينظروا إلى المعرفة على أنها شيء مستقل أو مختلف، بل نظروا إليها باعتبارها قيمة عقلية وأخلاقية معù، وأن الواحدة انعكاس للأخرى أو مكملة لها. مفهوم الثقافة، إذù، خاصة في عصر ابن خلدون، ذلك العصر الذي تداخلت فيه العلوم إلى درجة الامتزاج، مفهوم عضوي، لأنه نتيجة الممارسة والقناعة، أي أنه ليس مفهومù تقنيù كما هو في العصر الحاضر، حيث انفصلت العلوم وتباعدت، وأصبح كل عالم يقوم بعمله بمعزل عن الآخر، وهناك قوى أو جهات تربط وتحول وتغير بهدف الوصول الى نتائج تتوخى الوصول إليها، بغض النظر عن رغبة أو إرادة الخالق الأول، العالِم. وبناءً على ذلك، فإن وعي ذلك العصر ومتطلباته، وأيضù القدرة على خلق الانسجام والالتزام به، أوسع بما لا يقاس من عصور لاحقة، وبالتالي تبدو المسؤولية أكثر تطلبù وإلحاحù. ومن أجل الوصول إلى حكم أكثر صوابù حول موقف ابن خلدون من تيمورلنك في دمشق، لا بد من استعراض لأبرز المحطات السابقة في حياته للتعرف على دوافعها وآليتها، لكي نقدر الأسباب التي حملته على اتخاذ ذلك الموقف من تيمورلنك. II ينتمي ابن خلدون إلى »بيت من بيوت الرياسة في الأندلس يرجع الى عصر الفتح ذاته«(1) »وفي عهد الطوائف واستيلاء بني عباد على أشبيلية سطع نجم الأسرة، ورقت الى مراتب الرياسة والوزارة وشهد زعماؤها موقعة الزلاقة«(2). وبعد تدهور نفوذ ملوك الطوائف، وتدهور الوضع في الأندلس، غادر زعماء الأسرة أشبيلية الى سبتة، ثم الى تونس، ليصبحوا نافذين في بلاطات الحكام الذين تعاقبوا على حكم المدن والولايات في أفريقيا الشمالية. ولأن ابن خلدون نشأ في بيت علم ورياسة، فقد تلقى الكثير من المعارف والعلوم والتجارب، ثم العلاقات، منذ وقت مبكر، وقد أشار الى ذلك في ما كتبه عن سيرته وتعليمه، وما اكتسبه من معلميه، ومن الكتب التي قرأها، ومن المناقشات التي كان يحضرها. ولم يكد يبلغ العشرين من عمره حتى أصبح صفد أقرب إلى السواحل إلينا وأملك لأمري، فقلت له ذلك، فأجاب إليه وأوصى بي«(3). وغادر ابن خلدون دمشق، سالكù طريق فلسطين. ويكون آخر ما يصادفه في هذه الرحلة أن »اعترضنا جماعة من العشير قطعوا علينا الطريق، ونهبوا ما معنا، ونجونا الى قرية هنالك عرايا«(4). وبعد أن يحصل على ملابس تستره يواصل سفره الى مصر. وبعد فترة يأتيه مبلغ من المال، ويقول حامله إن تيمورلنك بعث به إليه ثمن البغلة، ويريد أن يخلّص ذمته »فقلت لا أقبله إلا بعد إذن من السلطان، وأما دون ذلك فلا. ومضيت إلى صاحب الدولة فأخبرته الخبر، فقال: وما عليك؟ فقلت إن ذلك لا يجمل بي أن أفعله دون إطلاعكم عليه، فأغضى عن ذلك، وبعثوا إليَّ المبلغ بعد مدة، واعتذر الحامل عن نقصه بأنه أعطيه كذلك، وحمدت ا" على الخلاص«(5). وخلال إقامته في مصر، وكانت حياته تقترب من نهايتها، أعيد إلى القضاء وعُزل عدة مرات. وفي المرة السادسة لتعيينه، وبعد أن قضى بضعة أسابيع في هذا المنصب أدركته المنية، وكان في الثامنة والسبعين، ودفن في مقبرة الصوفية، خارج باب النصر، وهكذا انتهت حياة واحد من أكبر المغامرين والحائرين والطامحين والخائبين في التاريخ العربي. III بعد أن اكتملت صورة ابن خلدون الواقعية، كما رسم بنفسه أجزاءً منها، بما كتبه مباشرة، ثم بما قدمه معاصروه من شهادات، ومعظمها في مصلحته، وأخيرù ما أشار إليه دارسوه في فترات متعددة... بعد ذلك يمكن أن نشهد كيف تتبدى هذه الصورة من خلال ما جاء في »منمنمات تاريخية« لسعد ا" ونوس. يظهر ابن خلدون في المسرحية ضمن مجموعة من الناس، المتفقين والمختلفين. وظهوره وسط هذه النماذج والمواقف المتعددة والمتباينة يُبرز إمكانياته من ناحية، ويبرز حقيقة قناعاته وجوهر مواقفه من ناحية ثانية. يقول لتلميذه شرف الدين: ».. حين تريد أن تسجل الوقائع ينبغي أن تسيطر على الانفعالات والعواطف أو أن تلغيها«(6). وحين يتحدث التلميذ عن احتمالات انتصار الشعب في مقاومة التتار، استنادù الى ما رأى، يرد عليه ابن خلدون: »... ما جئنا لنتنبأ بل لنعاين ونسجل«(7). أما والتلميذ يطلب من شيخه أن يهدئ من روع الناس ويحملهم على الجهاد، فيرد عليه بطريقة تمتزج فيها القسوة بالسخرية: »... لا يتحدث عن الجهاد هذه الأيام إلا رجل يضرب في الوهم، أو يريد أن يلبّس على الناس«(8). ويتذكر ابن خلدون الجانب الديني في الجهاد فيتابع: »ألا تعلم، يا شرف الدين، أن صبغة الدين حالت، وأن عصبية العرب زالت، وأن الجهاد لم يعد ممكنù؟«. ولما يذكر التلميذ شيخه، من خلال ما شهده، بأن أهل الشام يُبدون عزمù على القتال، ولا يحتاجون إلا إلى عالِم يشد من أزرهم، يرد ابن خلدون عليه بسخرية: »ماذا تخرّف يا شرف الدين؟ أتريدني أن أتحول الى القتال؟ هل جئت الى دمشق مقاتلاً أم عالمù؟ هل جئت كي أحمل السيف أم كي أسجل الأحداث وأستصفي زبدتها وعبرتها؟ حذرتك مرارù ان الهوى والانفعال يفسدان البصيرة«(10). لا يكتفي ابن خلدون بذلك، يضيف مدينù هياج العامة، مذكرù بأن سبب هلاك العالِم الذي اتخذ موقفù معاكسù لموقفه بأن يقول: »... ولكن يبدو أن هياج التاذلي وهلاكه غلّبا لديكَ انفعالية الدهماء على حكمة العلماء«(11). ليس ذلك فقط، ان ابن خلدون يضع مواصفات للعالِم، وهذه المواصفات قد تبدو صحيحة في الأحوال العادية، لكنها تسقط، أو تبدو عديمة الأهمية والمدينة تحترق والناس يُقتلون بالآلاف. ومن يقتلهم؟ إنه نفسه الذي أعطاهم الأمان، ووثقوا بوعده، وما كان ليصل المدينة ويحتلها إلا بعد خدع الناس، وعلى رأسهم الفقهاء والعلماء الذين سهّلوا له دخول المدينة، اعتمادù على العهد والميثاق، وبالتالي ساهم هؤلاء في إقناع الناس، وحملهم أيضù على التسليم. يرد ابن خلدون، الذي كان رأس العلماء الذين ساهموا وسهّلوا احتلال المدينة، على تلميذه الذي يرى ويعيش عواطف الناس ومواقفهم، وبعد أن رأى الخديعة التي حلت بالمدينة، والقلعة لا تزال صامدة وتقاوم، يرد ابن خلدون على هذه المواقف والعواطف بأن يقول: »إذا لم تسيطر على قدرة عواطفك فلن تحوز ملكة العالِم وشروطه«(12). أكثر من ذلك يشير ابن خلدون باحتقار إلى أحد المدافعين عن المدينة، التاذلي، الذي قاوم السلطان والغزو معù، وضحى من أجل ذلك بحياته. يقول: »لم يكن التاذلي إلا موسوسù، وأنا أنفر من الموسوسين«(13). أما حين يسأل شرف الدين شيخه ما إذا كان يجوز للعالم أن يكون محايدù إزاء المحن التي تصيب قومه وبلاده، وهل الحياد شرط من شروط العالِم ونزاهته؟ فيرد ابن خلدون: »... ان ابن خلدون الإنسان ليس محايدù، كما تظن، لكنه واقعي، ويعرف قوانين الأحداث ومجراها. جئت الى الدنيا في زمن الاضمحلال، وكلما كبرتُ وأمعنتُ النظر، ما وجدت حولي إلا آثار الاضمحلال وعوارضه«(14). فيبذل التلميذ جهدù من أجل أن يري شيخه الاحتمالات الإيجابية، برغم المصاعب والتحديات، وأيضù أن لا يغفل عن الجانب الآخر من الصورة، كما يقال، فيرد ابن خلدون، وهذا الرد يحمل التبرير والسخرية معù، إذ حينما يسأل التلميذ »أليس من مهمة العالِم، يا سيدي، أن ينير للناس ضوءù، أو أن يهديهم الى سبيل يخرج بهم من الانحطاط!«(15) يكون رد ابن خلدون: »مهمة العالِم أن يحلل الواقع كما هو، وأن يكشف كيفيات الأحداث وأسبابها العميقة«(16). ولما يتجاوز شرف الدين كونه مجرد تلميذ، ويستعين بمعارفه ليقارن ضمنù، بين موقف شيخه من علماء آخرين كالفارابي وأرسطو، يكون رد ابن خلدون غاضبù، في محاولة للدفاع عن نفسه، وللانتقاص من الذين ذكرهم تلميذه: »هؤلاء لم يعرفوا عِلم العمران، ولم ينكشف لهم ما يطرأ عليه من العوارض الذاتية، والتغيرات الحتمية. هؤلاء لم يفهموا أن كل حادث من الحوادث ذاتù كان أو فعلاً لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته، وفي ما يعرض له من أحواله. إن للعمران قوانين ثابتة ومطردة كتلك التي تحكم الفصول في تعاقبها، والليل والنهار في اختلافهما. وهذا الجهل هو الذي جعلهم يتوهمون أن أحوال الدول يمكن تغييرها بالوعظ والإرشاد أو يمكن إقامتها على التمنّي والأحلام«(17). أما وهو يذكره بجمع الناس وبسالتهم وما يمكن أن يفعلوه، خاصة إذا وحّدت بينهم فكرة أو مصلحة، وبالتالي كانوا مدفوعين للتضحية بإرادة وعزم، فيكون رد ابن خلدون: »في غياب العصبية والشوكة لا تنفع الفكرة والمصلحة، والعزم الذي يبدونه ليس إلا وهمù يخدعون به أنفسهم«(18). أما عن المعرفة، وإمكانية أن تواجه الإحباط، وضرورة توظيفها لخدمة الناس، وإذا لم تكن كذلك فما هي فائدتها، يرد ابن خلدون، في دفاعه عن المعرفة المجردة: »يمكن أن نفهم (من خلال المعرفة) لماذا تداعى أمر السلطان وأفل نجمه، ولماذا يعلو شأن تيمور ويتألق نجمه«(19). المقاومة والأحلام وحول مهمة العالِم في ظل المصاعب والتحديات، وأيضù في حال وجود المقاومة والأحلام وإمكانية أن يستجيب العالِم للجموع، ويحاول توجيهها وقيادتها، لا مجرد الاكتفاء بالمراقبة والتسجيل؛ يرد ابن خلدون عليه قائلاً: »في هذا الغروب الشامل قد تكون قبسة الضوء الوحيدة هي وصف الغروب والشهادة عليه«(20). أما لماذا لم يسافر ابن خلدون مع الناصر فرج إلى مصر، وعدم التورط في مأزق دمشق وتيمورلنك، فيكون الرد متضمنù نصف الحقيقة، لا كل الحقيقة، النصف الذي يعنيه: المخاوف من ناحية أو المراهنة من ناحية ثانية؛ فهو لم يقتنع بالسقف الذي وضع له في القاهرة، نظرù لضآلة الدور، ولكثرة الخصوم، وأيضù محاولة للانفتاح على مغامرة لا يعرف مداها. لذلك يجيب عن سؤال تلميذه حول امتناعه عن السفر إلى القاهرة بإظهار سلبية مثل هذا السفر، من دون أن يأتي على الاحتمال الآخر إلا عرضù. يقول ردù على السؤال: »لا أريد أن أتورط في فتنة بين السلطان وأمرائه (تغيب عيناه في تأمل شارد) وهناك سبب آخر: طول حياتي وأنا أعاشر وأخدم أمراء وسلاطين ناقصين، لا تتوفر لهم من شروط الإمارة إلا أقلها... والآن تتوافر الفرصة كي ألتقي الملك على الطبيعة، فهل أضيّعها؟...«. ويضيف ابن خلدون بارتباك وحذر، مستدركù، وخائفù: »ولكن.. إذا ساورته الظنون والريب فقد هلكت..«(21). وحين يسأله تلميذه عن الكراسات التي يؤلفها لتيمورلنك عن المغرب، وإمكانية أن تستخدم عسكريù ضد هذه المنطقة، يرد ابن خلدون بعصبية: »إنك تخيّبني يا شرف الدين. لن تغدو عالِمù إذا ظلت تكبّلك التوجسات والوساوس«(22). ويسأله التلميذ من جديد ما إذا كان العلم يقتضي أن يبيع الإنسان أهله وبلده لقاء منصب أو جاه، فيرد ابن خلدون: »... وهذه البلاد التي تنوح عليها مهترئة، مغزوّة بلا غزو، هل أتحمّل السير في ركاب تيمور؟ نعم، ولم لا؟ أريد أن أعرف وأن أسجل. أريد أن أستكمل خبرتي، وأن أزيد علمي إتقانù واكتمالاً. لقد سرت في ركاب أمراء وسلاطين لا يستحقون أن يكونوا جزمة لتيمور. ولو حصرت نفسي في الوساوس وهذه الترهات لما راكمت خبرة، ولما وضعت علمù لم يسبقني إليه إنسان في الخليقة«(23). ويخاف التلميذ من هذا العلم المجرد، البارد، العلم الذي لا يبالي بالعواطف والأحلام، الذي لا يرى الدموع ولا يسمع الأنين، وقد يقود إلى الخيانة، فيرد عليه ابن خلدون بعصبية: »متى تدرك، أيها الشاب، أن العلم هو العلم، وأن النعوت وتحيزات الأخلاق تفسد العلم وتملأه بالضلالات«(24). ولما يقرر التلميذ الافتراق عن شيخه، لما بينهما من اختلاف في وجهات النظر والمواقف، وأن يلتحق بآخر أهل للمقاومة، والانضمام الى رجال القلعة، يقول له ابن خلدون محذرù ومشفقù: »القلعة؟ هل أنت مجنون! حين كنتُ في حضرة تيمور، استدعى المهندسين والقواد ووضعوا خطة لاقتحام القلعة وتدميرها« فيرد التلميذ: »سمّني غبيù أو أحمق، أفضّل أن أموت معهم على أن أبقى في المدينة« ويكون جواب ابن خلدون: »لا تكن متهورù. مهما كان فأنا مسؤول عنك« ولا ينتظر طويلاً حتى يتلقى الجواب: »أعتقد أنني بلغت سن الرشد يا سيدي، وذهابي لن يؤثر عليك، ستجد كثيرين يتمنون خدمتك«(25). أما حين يسأل التلميذ شيخه السؤال الحاسم، حول ما سيقوله التاريخ عنه، فيكون رد الشيخ، ابن خلدون، جاهزù: »لن يذكر التاريخ إلا العلم الذي أبدعته، والكتاب الذي دفعته. أما هذه الأحداث والمواقف العابرة، فلن يذكرها أو يهتم بها إلا موسوس مثلك...«(26). هذه، بإيجاز، ملامح الأفكار والمواقف التي حددت سلوك ابن خلدون في مرحلة حاسمة من تاريخ المنطقة. ومن الجدير أن نشير في هذا المقام إلى أمرين أساسيين: الأول: ان ابن خلدون، في هذه المرحلة، أصبح متقدمù في العمر، وبالتالي فإن مجده واحتمالاته كانت وراءه لا أمامه، الأمر الذي يضاعف في حجم هذه السقطة ويعطيها دلالات إضافية. ثم إن أبرز أفكاره النظرية كانت قد سجلت، وربما اكتملت، بحيث أن خوض مثل هذه »التجربة« لن يقدم له شيئù جديدù يمكن أن يضاف ويسجل. وأخيرù أن إقامة قصيرة، وفي ظروف بالغة الدقة والتعقيد، وفي بلد جديد، لن توفر له فرص تحقيق أي طموح سياسي، إذا كان مثل هذا الطموح موجودù، مما يتطلب إمعان النظر طويلاً، لفهم وتفسير موقفه ازاء محنة دمشق وعلاقته بتيمورلنك. الثاني: في الوقت نفسه الذي كان ابن خلدون يتخذ مثل هذه المواقف، ويسلك هذا السلوك، كانت دمشق تضج بالتمرد والرفض، وكانت تحشد نفسها للمقاومة، خاصة بعد أخبار الفظائع التي كانت تتوالى يومù بعد آخر. هذا بالاضافة الى الاحتياطات التي اتخذت لتعزيز المقاومة، في القلعة تحديدù، وهي مركز الثقل في المدينة، كما أن الأمثلة المضيئة من التضحيات التي أقدم عليها عدد من شيوخ المدينة تعطي مصداقية للمقاومة وإمكانية لاستمرارها. لا يعني ذلك أن ابن خلدون وحده يمثل الاستثناء، ووحده المتخاذل والداعي للاستسلام، إذ كان هناك آخرون، من الفقهاء والوجهاء، يماثلونه في الرأي والسلوك: وحتى لو كان الأسبق، والأكثر قدرة على تبرير المواقف وتسويغ الهزيمة، ما كان يستطيع أن يصل الى نتيجة لو لم يكن المناخ مساعدù، والنفوس محبطة والظروف تحتمل مثل تلك المواقف. ومن الضروري في هذا المجال أن نورد الأمثلة اعتمادù على المسرحية: حين جاء بهاء الى أبيه متجهمù متذمرù من ضيق المخازن التي تكدست فيها البضائع والأرزاق، في الوقت الذي يعاني فيه الناس، يرد الأب: »... والتاجر هو الذي يتكيف مع الأوقات، ويغتنم الفرص. إن ا" سبحانه وتعالى حببنا بالربح وأغرانا به. تأمل هذه الدنيا وقل لي ماذا تكون. إنها دار تجارة. الانسان فيها يبيع أعمالاً وعبادة وتقوى، وا" ينقده ثوابù«(27). ويضيف دلامة التاجر نفسه، مخاطبù ابنه أيضù: »... ان التاجر يهتدي رب العالمين، ويعمل على غراره. إنه يستخدم الميزان والسجل والحساب والربح والخسارة. التجارة صورة الدنيا، وهي أصل النشاط والاستقرار والعمران.. آه.. يا بني، لو كان الملك للتجار لعمّ الرخاء والأمان، وانتظم أمر البلاد انتظام أوقات الصلاة. وحتى لو قامت فتن أو حروب، فستكون فتنù وحروبù مدروسة لا تؤدي الى الخراب، بل إلى ازدهار الأعمال والمنافع...«(28). ويخلص هذا التاجر، الذي يمثل فكرù وسلوكù أكثر مما يمثل فردù، إلى »أن دمشق من ينقذها إلا صفقة ذكية«(29). ليس التاجر وحده الذي يفكر بهذه الطريقة. فالسلطان وهو يستعد للعودة إلى مصر، تاركù دمشق لمصيرها، يرد على التاذلي، أو من يشابهه من حيث المواقف والسلوك بأن يقول: »ما فائدة أن ندمر تيمور إذا خسرنا المُلك«(30). فيسأله التاذلي: »وما فائدة أن تربح المُلك إذا ضاعت المملكة؟« فيرد الحاجب هذه المرة: »المملكة يمكن أن تُسترد، أما المُلك فهيهات أن يسترده من يخسره«(31)، فيقول التاذلي: »إن سلطانù لا يحمي بلاده وعباده يفقد شرعيته«(32). أما فقهاء المدينة فإنهم يُبدون كل البراعة في المكر والحيلة لإخراج الموقف بما يتناسب والمصالح، وبما يليق بالوقار والشرع. فحين يقول دلامة التاجر: »ليس الظرف مناسبù للمداورة ومداهنة العامة، كلنا نعرف ما هو الصواب في حالتنا«، يرد عليه ابن العز، أحد العلماء: »صحيح.. ينبغي أن نكون صلابù في موقفنا، وقساة مع الناس في حملهم على رأينا«(33)، فيسأل العالم ابن مفلح بكثير من المكر: »هل يعني ذلك أنكم متفقون على أن تسليم المدينة هو الصواب؟«(34)، يكون رد ابن العز: »لا تنسَ يا ابن مفلح أن أرزاقك كلها خارج السور، وأننا إذا لم نسلم بالأمان، فلن تستطيع حماية شيء من أرزاقك«(35). فيجيب ابن مفلح: »أعرف.. أعرف.. ولكني خائف من الناس، الدماء فائرة والعقول تلبّستها الأوهام بعد صمود الجمعة ومقتل ذلك المخرّف (التاذلي)«(36)، ولأن دلامة التاجر أكثر وضوحù وصراحة في التعبير عن المصلحة يقول: »إني مع تسليم المدينة بالأمان، وأرشح ابن مفلح الذي يحسن الأعجمية، كي يقوم بالسفارة، ويتقدم وفدنا إلى تيمور«(37)، ويأتي الجواب سريعù من ابن العز: »وهذا هو رأيي، على أن نكون جميعù في الوفد«(38)، وينضم ابن النابلسي، العالم، إلى هذا الرأي: »وأن نتقاسم هذا الأمر، خيره وشره«(39)، فيقرهم ابن مفلح: »على بركة ا"«(40)، ولا بد من أن يختم هذا الاتفاق بالمباركة والتأييد فيقترح ابن العز أن يقرأ الجميع الفاتحة، ليبدأ تسليم المدينة. مقابل مواقف »الكبار« من التجار والفقهاء، يحسن بنا أن نرى وجوهù أخرى لكبار حقيقيين، من الفقهاء والقادة، والعامة أيضù، الذين أخذوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن المدينة. فالتاذلي الذي أتينا على ذكره أكثر من مرة، دفع حياته ثمنù لقناعاته، ولما يعتبره ضروريù في مواجهة المحنة. أما أزدار، قائد القلعة، وحين يعلم بموقف العلماء، فيقول: »مقرف! أعيان وعلماء ينوحون كالنساء. لا شك بأنهم بيّتوا الأمر منذ وقت طويل. لم يكن اجتماع كلمتهم ابن ساعته«(41). ويضيف بعد قليل: »... سأحرق المدينة على علمائها وأعيانها وعامتها«(42)، فيذكره نائبه بأن المدينة ظهرù للقلعة، وما فيها سيضاعف من الصمود، فيكون رده: »ربما كُتب علينا أن تكون هذه القلعة هي الحصن الأخير الذي يقاوم تيمور ويقول له: لا«(43). أما هذا الفيض الكبير من الرجال والنساء المقاومين، الجوعى والمنهوكي القوى، فإنهم يمثلون سوية أخرى من القناعات والمواقف والسلوك، وهم يفعلون ذلك من دون انتظار لمكافأة أو مجد، ويحاولون، ما وسعهم، الدفاع عن مدينهم، وعما يعتبرونه واجبù وشرفù، أيù كانت النتائج؛ وهؤلاء، حتى بصمتهم أو بتلعثمهم، يحرجون الكبار، ويضطرونهم الى التواري أو التراجع. فابن مفلح الذي كان أحد مفاوضي تيمورلنك، وساهم في تسليم المدينة، يقول وهو على فراش الموت: »أين أخطأنا يا دلامة؟ منذ البداية أخطأنا، حين نزعنا من الناس سلاحهم أخطأنا، حين جردنا أسوارنا من دفاعاتها أخطأنا، حين صدقنا وعود العدو أخطأنا. بين الأعزل الخائر، وبين العدو المدجج بالسلاح لا يكون اتفاق ولا سلام، بل إذعان واستسلام. إني أعترف أمام ا" بأني أخطأت، ونفسي الأمّارة بالسوء والتاجر دلامة، وابن خلدون، وعلماء السوء زينوا لنا الخطأ«(44). لا يكتفي ابن مفلح، وهو على فراش الموت، بإدانة موقفه وموقف الآخرين الذين كانوا معه، بل يعتبر أن أية صيغة بين طرفين غير متكافئين لا تؤدي إلا الى الخسران، يقول: »إن التجارة بين الأقوياء والضعفاء، ليست بيعù وشراءً، بل هي حرب وعدوان«(45). ويظل شعبان، بهلول المدينة، وربما جزءù من ضميرها، يتدحرج من مكان إلى آخر، قبل أن تحترق المدينة، ثم بعد حريقها، وهو يبحث عن شيء لا يستطيع الوصول إليه، ولا يساعده أحد في الوصول. يقول شعبان وهو يركض بين الأنقاض: »يمّه.. فزعان.. الموت يمّه.. كله ميت يمّه فزعان.. يمّه الموت.. يمّه فزعان.. بزّك يمه، بزّك يمّه، عطشان يمّه، فزعان يمّه«(46). IV »منمنمات تاريخية« مسرحية هامة بأكثر من معنى، إذ بالاضافة لاختيارها مرحلة تاريخية بالغة الدلالة، فإنها تختار حدثù بارزù: غزو التتار للمنطقة، وتختار طيفù واسعù من الشخصيات والمواقف لتطرح من خلالها مجموعة من الأسئلة الهامة، الدقيقة والحارقة، لتدخلنا، في النتيجة، في صراع مع أنفسنا، مع ما حولنا، لعل التأمل والتساؤل يصلان بنا إلى بداية الطريق. وإذا كانت دراسات أخرى ستتولى الجوانب الفنية في هذه المسرحية، لتضعها في الإطار الجدير بها في مسرح سعد ا" ونوس، ثم في إطار المسرح العربي بعامة، فقد ارتأيت الوقوف عند دور المثقف، وابن خلدون نموذجù، لكي نضبط الإيقاع حول ما يفترض أن يكون دور المثقف، وكيف يجب أن يؤدى، انطلاقù من أن المعرفة، وباعتبار أن الثقافة، بمقدار ما هي ميزة، فإنها في الوقت ذاته عبء ومسؤولية. ليس في الثقافة حياد، ولا يمكن أن يكون المثقف محايدù، الثقافة موقف، وانحياز لهذا الموقف. حتى من يعلن الحياد أو يدّعيه فإن ذلك موقف، وبالتالي يحدد موقعه وطريقته في رؤية الأحداث ثم علاقاته وأخيرù احتمالاته. وباعتبار أن »ثروة« المثقف ووسيلته هي المعرفة، وإيصال هذه المعرفة الى الآخرين، فإن ما يراد إيصاله، وطريقة هذا الايصال يصبحان بمرور الأيام مهمته الأساسية، وربما الوحيدة. وهذه المهمة يكتسبها المثقف بالموهبة والمران، وبمقدار إتقان المثقف لمهمته، وارتفاع موقعه في سلم المعرفة تزداد مسؤوليته، لأن الأمر يصبح نوعù من القدرة والتأثير على الآخرين، كما يصبح الآخرون أكثر استعدادù لتقبّل هذا التأثير والتعامل معه، ومن هنا تنشأ علاقة ضمنية بين طرفين، أساسها القناعة والثقة. والمثقف ابن عصره (أو هكذا يُفترض أن يكون)، وحصيلة ما اكتسبه من ثقافة ذلك العصر، وأيضù مساهم في إيصال هذه الثقافة، وما يستطيع أن يضيف إليها، أو يستشرف من خلالها، الى الآخرين. وبمقدار الجدية والنزاهة والجرأة في الفهم والتعامل يتمكن من التأثير في الآخرين وفي العصر. وتبعù لذلك يتحدد دوره وتتحدد أهميته. ولأن المثقف يمتلك إمكانية ووسيلة ليستا متاحتين للآخرين بالمقدار نفسه، فإن المسألة أولاً، وفي النتيجة، تتحدد بكيفية توظيف هذه الامكانية: في خدمة أي غرض؟ وللوصول الى أي هدف؟ فإذا اعتبرت فرضيتنا أن على المثقف أن يكون ابن عصره صحيحة، فهذا يعني أن يكون منغمسù في ذلك العصر، وأن يساهم، من خلال الثقافة، بالدرجة الأولى، باعتبارها وسيلته في التفاعل والتأثير، في أحداث العصر، وأن يكون له موقف، وأن يعطي لذلك العصر، إذا استطاع، نكهة وملامح تجعله أكثر إنسانية واقعù، أو على الأقل أخف عذابù وشقاءً، وتمكنه، أيضù، من فتح أبواب المستقبل. ولأن الكلمة الفكرة ونحن هنا نتحدث عن فترات سابقة كانت خلالها الكلمة وسيلة التعبير لها معان ودلالات، فإن الذي يقول الكلمة الفكرة يعتبر أكثر الناس قربù منها والتصاقù بها، وبالتالي يفترض أن ما يبشر به، وما يدعو الناس إليه، يعنيه فعلاً، ويريده حقيقة، ويقصده إرادة. وتعبيرù عن الفعل والحقيقة والإرادة يجب أن يمتثل هو نفسه، أكثر من الآخرين وقبلهم، لأن هذا »القول« هو حصيلة معاناة، ونتيجة إعمال للفكر، وبالتالي لا بد من التطابق أو التوافق بين الكلمة ومعناها، بين الفكرة ودلالاتها. هذا هو الغرض الأساسي، أي أن الانسان المثقف يعني الكلمات والأفكار التي تصدر عنه، أي هي بمثابة تحديد وتلخيص له كإنسان وكموقف. أما إذا اعتبرنا الكلمات الأفكار، والوصول إليها، مجرد مهارة، وبالتالي توظيف هذه المهارة بطرق شتى، كما يمكن عرضها كأية سلعة، من دون أن تلزم صاحبها، أو لا تعني له إلا بمقدار ما تكرر من ربح، فعندئذٍ تصبح الكلمات الأفكار لعنة، ويصبح الأكثر إتقانù لهذه »الصنعة« هو الأكثر خطرù. وهذا ما جعل عددù كبيرù من أصحاب هذه »الصنعة«، على مدى العصور، يوظفون معارفهم وإمكانياتهم من أجل خدمة السلطة، أي سلطة، مهما كانت صفاتها، وصاحب المال، أيù كانت غاياته. المثقف في هذه الحالة لا يصدر عن قناعة، وإنما عن مصلحة، وليس له رسالة وإنما يمتلك وسيلة وبراعة. ومن أجل المصلحة، وبالبراعة، يعيد ترتيب »الحقيقة«، ويسوّغ ما يريده السلطان أو صاحب المال، موظفù ملكاته ومواهبه، وأيضù ماضيه، في سبيل ذلك. وكلما علا المثقف في المرتبة، من حيث الحذق الفني، تزداد مسؤوليته، وتصبح مساءلته ألزم وأكثر ضرورة، لأن النتائج والآثار التي تترتب على ما يقول أو يفعل أوسع وأشد تأثيرù. وإذا كان الاجتهاد في جميع المجالات هامù وضروريù، ومن شأنه أن يوسع الرؤية، ويعدد الاحتمالات، فهناك أمور متفق عليها، ولا تحتمل التأويل، وهذه الأمور لا تعني مرحلة تاريخية أو منطقة بذاتها، وإنما تعني جميع ال

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة