As Safir Logo
المصدر:

فلسفة.أقاويل بوبر عن العلم والحقيقة:عقلانية ساذجة وضيقة

المؤلف: حرب علي التاريخ: 1996-03-01 رقم العدد:7325

I الدخول النقدي على بوبر كارل بوبر فيلسوف غني عن التعريف، قد حقق بأعماله ومعاركه الفكرية شهرة واسعة أوهمت البعض بأنه أعظم فيلسوف في القرن العشرين. عاش بوبر حياة سعيدة ومديدة في آن. فقد اختتم سيرته الفكرية التي صدرت قبل وفاته بالقول: أنا أسعد الفلاسفة على الإطلاق، وهذا ما لم يقله فيلسوف عن نفسه قط. ومن المعلوم أن بوبر ولد في عام 1902 ومات في خريف عام 1994، بعد أن عاش حياته على امتداد القرن العشرين. إذù مات بوبر بعد ميشال فوكو بعشر سنوات، وبعد هايدغر بعشرين سنة تقريبù، وقد ولد بعد موت نيتشه بعامين اثنين. ومع ذلك فأنا أعتبر أنه ينتمي، بفكره، الى مراحل وحقب سابقة من تاريخ الفلسفة، منها ما يعود الى ما قبل ديكارت على أقل تقدير. فهو كرجل ابستمولوجيا، أي كعالم بأصول العلم، ينتمي الى النصف الأول من هذا القرن، وربما الى ما قبل باشلار وكويري وغانغييم. وهو كمفكر لا شك بأنه يقع قبل فضاء ما بعد الحداثة الذي افتتحه نيتشه كهادم لمؤسسة الحقيقة، عبر النقد الذي وجهه للكوجيطو هذه العلاقة الملتبسة بين الذات والفكر والكائن، الحاجبة دور اللغة ومفاعيل الكلام. وهو كعقلاني نقدي، أي كناقد للعقل، لا شك أيضù في أنه يقع قبل كنط، إذا اعتبرنا النقد بحثù عن شروط الإمكان لا دحضù للقضايا والأحكام. وإذا كان له صلة ما بكنط كما اعتقد هو نفسه، فإني أعده مجرد ترس في الترسانة الكنطية الهائلة. ولا أريد أن أقسو عليه بالقول إنه لم يستوعب النقد الكنطي، على الأقل هو ينوء بالحمل الكنطي. وأما ما تحقق من إنجازات فكرية في ميدان الألسنية أول الأمر، وفي علم الخطاب ونقد النص بعد ذلك، فلا علاقة لبوبر به البتة، أو لنقل إن صلته به هي صلة ضعيفة واهية. وبالطبع فما أجمَلْتُه في هذه المقدمة، يحتاج الى شرح وتفصيل، ستكون مادته بعض القضايا والمواقف المتعلقة بالمتن أو بالهامش من أعمال بوبر وسيرته الفكرية، كمفهومه للعقلانية وتعريفه للحقيقة العلمية، أو مفهومه لليبرالية والمجتمع المفتوح، أو نظرته الى نفسه كفيلسوف، فضلاً عن موقفه من بعض الفلاسفة. II حقيقة الحقيقة وليكن البدء بما حقق لبوبر بداية الشهرة، عنيت المعيار الذي وضعه للفصل بين الحقيقة العلمية وسواها من الحقائق، كما عرض ذلك في كتابه الأول: منطق البحث العلمي. فما الفيصل للتفرقة بين العلم واللاعلم؟ يخالف بوبر الرأي السائد والمتفق عليه، القائل بأن الحقائق العلمية هي التي تثبت وتصدق، أي التي تقبل التحقق. إنه يرى، على العكس، أن خاصية الحقيقة العلمية تكمن في قابليتها للتكذيب أو الدحض. أما الحقائق التي لا تقبل التكذيب فهي من اختصاص الدين أو السحر والتنجيم. ومن مثالات ذلك القضية العلمية الآتية: كل البجع أبيض. يعتبر بوبر أن لا مجال لإثبات هذه القضية، انطلاقù من صدق القضايا المفردة المتمثلة بمشاهدة أكثر من بجعة بيضاء. وإنما الممكن فقط هو نقض هذه القضية الكلية، استنادù الى صدق قضية مفردة متمثلة بمشاهدة بجعة غير بيضاء. وهكذا فالممكن منطقيù ليس الإثبات أو التصديق، بل التكذيب والإبطال للقضايا الكلية والأحكام العامة. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني ان الحقيقة العلمية هي حقيقة ظنية، تخمينية. إذ الظن هو ما يقبل التصديق أو التكذيب. ولكن ما قيمة قول بوبر بمبدأ الدحض؟ وأين تكن جدته؟ قديمù جادل الغزالي الفلاسفة بالمنطق عينه، وبمثل شبيه بالمثل الوارد عند بوبر هو مَثَل التمساح بدلاً من البجعة. وما اعترض عليه الغزالي هو أن الفلاسفة يحكمون استقرائيù على الكلي بما يحكمون به على الجزئي. ولهذا تراهم يقولون: كل الحيوانات تحرك عند المضغ فكها الأسفل، لأنهم شاهدوا كثيرù من أفراد الحيوان تفعل ذلك. ولكنهم قد غفلوا عن التمساح الذي يحرك عند المضغ فكه الأعلى. وهذا يكفي بذاته لإبطال قضيتهم الكلية وإفقادها مصداقيتها. ومن هنا يعتبر الغزالي أن أقوال الفلاسفة، خارج دائرة المنطق والرياضيات، هي استقراءات لا تورث يقينù، أي هي مجرد ظنون وتخمينات. وهكذا يصف الغزالي الاستقراء بالتعابير نفسها التي يستخدمها بوبر، أي »التخمين وانعدام اليقين«. أعود الى بوبر لأستعيد قوله بأن الحقيقة العلمية هي »احتمال دائم للخطأ«، لأقول إن الشافعي كان قد قال قبل الغزالي: أعتقد أن رأيي صواب ولكنه يحتمل الخطأ، وأن رأي غيري خطأ ولكنه يحتمل الصواب. وبالطبع فإن الشافعي لم يقصد بذلك اعتقاداته الدينية التي هي عنده فوق الجدال، وإنما قصد أحكامه العلمية الفقهية، فهي التي تحتمل الصواب والخطأ. أما بوبر فقد تعامل مع رأيه، عنيت قوله بمبدأ التكذيب، بوصفه صوابù لا يحتمل الخطأ، أي تعامل معه على نحو دغمائي تعسفي، كما تُعامل الحقيقة الدينية نفسها. ولهذا كان يهاجم بعنف شديد خصومه من أصحاب المنطق الوضعي، خصوصù زميله وعدوه فتجنشتاين الذي كاد يشتبك معه في إحدى المجادلات الحامية. وهذا ما حرم بوبر من الإفادة من كشوفات الوضعيين، وجعل طريقته لا تصلح لأهل الحوار، فكيف إذا كانوا مثلنا، في لبنان، طلاب حوار دائم! فلا ننخدعنّ إذù بما يعلنه الخطاب، إذ الكلام مخادع مخاتل. إنه يطلب إلينا تصديقه فيما هو يدعونا الى الأخذ بمبدأ التكذيب، كما هو شأن الخطاب عند بوبر، حيث تصبح القابلية للتكذيب هي معيار الحقيقة، أي حقيقة الحقيقة. وحقيقة الحقيقة هي ما يتعالى على الحقائق ويفارق التجارب، نحو منطقة الغيب والماوراء. وهنا يكمن مأزق بوبر، عنيت أنه لم يستطع تعريف الحقيقة العلمية إلا على نحو ماورائي لاهوتي. بالطبع لن أكتفي بالمقارنة بين بوبر والقدامى من مفكري العصر الاسلامي. فقد عاش بوبر هذا العصر، وكان معاصرù لباشلار أحد أعلام الفكر الابستمولوجي. وإذا كان صاحب مبدأ التكذيب يقول ان الحقيقة العلمية هي احتمال دائم للخطأ، فإن غاستون باشلار يقول ان الحقيقة العلمية هي »تصحيح متواصل للخطأ« من قبل الجماعة العلمية. ولا شك في ان قول باشلار هو أبلغ معنى وأوفى مقصدù. أولاً لأنه يعترف بالبعد الاجتماعي للانتاج العلمي، ثانيù لأنه يتحدث عن الاستمرارية والتراكم؛ ثالثù لأنه أكثر إيجابية، بمعنى أنه لا ينفي جانب الصحة والصدق في الحقيقة العلمية. فالعلم هو ما يقبل التصديق والتعميم بانتظار تكذيبه. بهذا المعنى؛ المصداقية هي القاعدة، أما التكذيب فهو الاستثناء. والأهم من ذلك أن باشلار قد حلل لنا العوائق المعرفية للفكر العلمي كما بيّن ذلك في سِفْره الابستمولوجي (تكوين العقل العلمي)، وعلى نحو أسفر عن سبر إمكانيات جديدة للتفكير تبدو أقوال بوبر، قياسù عليها، بمثابة حذلقة منطقية أو فذلكة فلسفية. III عقلانية معادية عقلانية بوبر تُعرَّف بنقيضها، أي بكونها معادية للاعقلانية. وهذا التعريف ينهض على بداهة، مفادها أن العقل هو جوهر خالٍ من شوائب اللامعقول. نحن هنا ازاء عقل أحادي تبسيطي يعمل بمنطق الحصر والاستبعاد. إنه منطق الإحراج الذي يضعنا بين فكي العلم واللاعلم، أو العقل واللاعقل، بوصفهما نقيضين يطرد واحدهما الآخر، أو جوهرين يقوم كل منهما بمعزل عن سواه. غير أن نفي اللامعقول هو تصور مغلق للعقل. إنه تعامل معه بصورة غير معقولة. وآية ذلك أن للامعقول حقيقته وقسطه من الوجود، إنه أصل العقل ومادته التي يتغذى منها ويشتغل عليها. بل هو صنوه الذي لا يفارقه وضده الذي لا يقوم من دونه. من هنا فإن العقل من دون اللاعقل يتأله ويمسي مماهاة خاوية مع الذات، أو يتحول الى عالم حسابي رقمي، اي الى مجرد حاسوب . وهذا شأن المرء الذي يسعى الى استبعاد جوانبه اللامعقولة، إنه يستبعد أرضه المحايثة ويقصي قاعه وسديمه. ولا اخال أحدù منا يرتضي لنفسه أن يكون كذلك، أو أن يقدر على ذلك. فما ليس بعقل هو الألصق بكينونتنا. إنه الأشهى والأجمل والأمتع، بقدر ما هو موصول بالهوية والهوى والهوام، في حين ان العقل هو أقل التصاقù بالكينونة، بقدر ما هو بحث عن الماهية وسعي الى التعالي والمفارقة. ولا عجب: فالماهية تلتئم بإسقاط الوجود من الحسبان. بهذا المعنى، ليس العقلانيون أعقل من غيرهم، وإنما هم يتسترون على هواهم للعقل. وهم بقدر ما يغلّبون هوى العقل المستبعد لحقيقة اللاعقل، يتعاملون مع العقل بصورة غير معقولة. وهذا شأن بوبر مع »عقلانيته النقدية«. لقد تعامل مع هذا الكيان اللفظي المتجسد أصواتù وحروفù كما لو انه ذات محبوبة. وبالإجمال، على هذا النحو يتعامل أهل الفلسفة مع مخلوقاتهم التي هي مفاهيمهم. إنهم يتعلقون بها تعلق العاشق بمعشوقه. وربما قامت عندهم مقام معشوقاتهم. فهل هذا من سعادتهم أم من شقائهم؟ إذù لا مجال للتحرر من الهوى أو لنفي اللامعقول. ومن يفعل ذلك يفاجأ بأهوائه ولامعقولاته تنتظره أمامه لكي تترصده وتنتقم منه. بكلام آخر: من حاول تصفية لامعقولاته، لا يحسن سوى تفجير عقله. وهذا ما جرى للعقلانيات الحديثة المتراكمة منذ ديكارت: فهي عملت من حيث لا تعقل على تلغيم أنظمتها ومؤسساتها، بقدر ما سعت الى نفي أقاليم اللامعقول. من هنا نحن نتجاوز اليوم الثنائية الضدية للمعقول واللامعقول. فالعقل إن هو إلا علاقته بلامعقوله. إنه سوس اللامعقول، أي حسن إدارته والتعاطي معه بصورة فعالة ومثمرة. وأنا أخالف، بذلك ديكارت، فلا أقول إنني أفكر لكي أحسن قيادة عقلي، وإنما أقول اني أفكر لكي أعمل على تدبر ما يخرج عن نطاق عقلي أو ما لا قدرة لي على التحكم به، بمنحه مسوّغه ومشروعيته، بتحويله الى نظام معرفي أو ترتيب عملي أو رابط اجتماعي أو تشريع مؤسساتي أو تأليف نصي أو تشكيل فني.. بكلام آخر: ليس العقل سوى إعطاء شكل لما ليس بعقل، لجعله معقولاً. IV ليبرالية حصرية ما يقال على العقلانية عند بوبر، يمكن سحبه على الديموقراطية الليبرالية، إذ كلاهما وجهان لعملة نقدية واحدة قوامها النفي والاقصاء. والحال فإن الليبرالية تقوم على نفي الهويات والخصوصيات الثقافية والمجتمعية، تمامù كما أن العقلانية النقدية تقوم على نفي اللامعقول ومعاداته. والمحصلة هي واحدة في كلا الوجهين، عنيت التلغيم والتفخيخ، تلغيم العقلانية النقدية وتفخيخ المجتمع الليبرالي المفتوح. لا أنكر أن لبوبر الفضل في ترويج مصطلح »المجتمع المفتوح« واستثماره أو إعادة ابتكاره في مواجهة الأدلوجات الطوباوية والأنظمة الشمولية والمجتمعات المغلقة. وربما لا ينجو أحدنا من تأثير بوبر، وإن بصورة غير مباشرة، عندما يستخدم مصطلح المجتمع المفتوح، أو مفردة الانفتاح بصورة عامة. ولكن لم يعد يكفي، اليوم، الكلام على المجتمع المفتوح لمواجهة أعدائه الطوباويين أو الفاشيين أو الكلانيين، فضلا عن الأصوليين الذين برزوا مجددù على المسرح. فالديموقراطية تتراجع على أيدي الديموقراطيين وعلى أرضها بالذات. والأنظمة المسماة ليبرالية تكاد تتحول الى امبرياليات للسلع والصور والرسائل.. وأيù يكن الأمر، لا يكفي أن يعلن أحدنا انتسابه الى العقلانية أو الى الليبرالية، حتى يكتسب مصداقيته. هناك فجوة بين الاسم والمسمى، وهناك التباس بين المنطوق والمسكوت. فلرب امرئ يمارس علاقته بعقله بصورة خصبة وفعالة، من دون أن يصرح بنسبه العقلاني. وبالعكس، فدعاة العقلانية قلما يكونون عقلانيين، كما هو شأن الدعاة عمومù، وذلك بقدر ما تتحول العقلانية عندهم الى مذهب مغلق، أو الى عقيدة جامدة تتجسد في التعامل مع العقل بطريقة دغمائية لاهوتية أو على نحو سحري أو أسطوري. وهذا شأن العلاقة بالحرية على وجه الخصوص، في لبنان والعالم العربي بوجه أخص. فدعاة الحرية كانوا الأكثر استبدادù ونزوعù الى الفاشية، بقدر ما قدسوا الحرية. ولذا فقد وقعوا ضحية ما قدسوه، أو هم مارسوا ديكتاتوريتهم على الناس الذين أرادوا تحريرهم. مختصر القول في هذا الصدد: إن إعلانات الحرية وبيانات العقلانية قد فقدت مصداقيتها وبانت هشاشتها وظهر عجزها وقصورها. من هنا الحاجة الى نقد الخطابات والمواقف. فاللامعقول والانغلاق والعنصرية هي العوالم السفلية لعقولنا الفردية وذواتنا الجمعية. ويشهد بوبر على نفسه بنفسه في هذا الخصوص. فهو على الرغم من كل بياناته ودفاعاته عن المجتمع المفتوح، قد تعامل مع هذه المقولة بطريقة عنصرية تجسد منزعه المركزي الغربي. إنه لم ير خارج الحضارة اليونانية القديمة والحضارة الغربية الحديثة سوى الدغمائية العقلية والتخلف الاجتماعي والاستبداد السياسي. وهكذا فإن صاحب مقولة المجتمع المفتوح، المنادي بحرية الأفراد والجماعات، والقائل ان التاريخ هو ما يصنعه الأفراد، لا ما يفرض عليهم من عقائد جامدة أو نظريات حتمية أو مشاريع طوباوية، قد وقف موقفù مغلقù من الحضارات الواقعة خارج المساحة الغربية. لقد استبعد ربما، لجهله وغفلته، حضارة ازدهر فيها الوجود وأزهر الفكر أدبù وعلمù وفلسفة، كالحضارة التي شهدها العصر العباسي، حيث كانت بغداد تشكل مدينة مفتوحة قياسù على المدينة اليونانية التي كانت ترمي الى عالم البربرية كل ما هو غير يوناني. V نقد العقلانية إذù لا غنى عن نقد العقلانية نفسها، لتسوية العلاقة باللامعقول المقيم في غياهب العقل، وذلك بالاشتغال على هذا اللامعقول وتحويله من معطى وجودي أو وجداني الى فعل معرفي أو نشاط عقلاني، تمامù كما لا غنى عن نقد الليبرالية، لتسوية العلاقة بقوى المجتمع الأهلي وطوائفه، وذلك بالاشتغال عليها والسعي الى تحويلها من معطى اجتماعي الى فعل سياسي أو نشاط مدني. والنقد لا يقوم على الدحض والنفي بقدر ما هو اجتراح لإمكان أو خرق لحجاب أو كسر لحاجز أو تفكيك لعائق أو فلْق لممتنع.. والنقد بهذا المعنى يصيب جملة مفاهيم وممارسات: 1 نقد النخبة أول ما ينبغي إخضاعه للنقد هو مفهوم النخبة المستنيرة التي تقود البشر نحو قيم العقل والحرية والإخاء وسواها من قيم المجتمع المفتوح، فما دام هناك نخب متميزة وقيادات فكرية، هناك أيضù جماهير وقطعان. والقطيع البشري هو مادة المشاريع الطوباوية المستحيلة والمدمرة، أو آلة المجتمعات المغلقة والأنظمة الكلانية، ولهذا فإن مفاهيم النخبة والصفوة والطليعة تقوّض مهمة التنوير والتحرير من أساسها. 2 نقد المثقف ما هي مهمة المثقف إذù، إذا لم يكن »قائدù للعقول« كما يريد له كارل بوبر أو كارل ماركس؟ انه فاعل اجتماعي يؤثر في محيطه ومجتمعه وفي العالم بما يبتكره من الأفكار والمفاهيم التي تسهم في عقلنة السلطات والقرارات أو المؤسسات والممارسات. بهذا المعنى، المثقف هو عميل فكري لا غنى عنه، بما يصوغه من الاشكاليات الفكرية والعوالم المفهومية التي تقدم إمكانات جديدة للقراءة والتشخيص أو للتفكير والتدبير. انه وسيط ضروري بين المعنى والقوة، أو بين الحرية والسلطة، أو بين المجتمع والدولة. 3 نقد الحرية إن نقد مفهوم النخبة يستدعي نقد مفهوم الحرية. والنقد يبيّن ان المرء لا يهوى الحرية بقدر ما يهوى الفرادة والتمايز، ولا يؤثر المساواة بقدر ما يسعى الى النفوذ والجاه والحظوة. بهذا المعنى لا أحد ينوّر غيره أو يحرر سواه. وإنما كل فرد هو فاعل اجتماعي يصنع حريته بقدر ما يشكل سلطته. لنعترف بهذه الحقيقة إذا أردنا الحد من سلطة بعضنا على بعض، عنيت ان كل واحد يصنع حقيقته وحريته، بقدر ما يكون منتجù في مجاله أو فعالاً في محيطه أو حاضرù على مسرح وجوده. أما الكلام الطوباوي على الحرية والمجتمع المفتوح، كفردوس ليبرالي أو كمجتمع مساواتي خالٍ من الهيمنة والصراع والتفاوت، فإنه، كما شهدت بذلك التجارب، ليس سوى الطريقة المثلى لإعادة إنتاج الاستبداد بأسوأ مما كان. 4 نقد الحقيقة النقد الحقيقي لا يقتصر على نقد الأفكار والمفاهيم، بل يطاول مفهوم الحقيقة بالذات. ونقد الحقيقة ليس مجرد نقد منطقي هدفه الفصل بين الصدق والكذب أو بين الحق والباطل، وإنما هو نقد هدفه تعرية ما يمارسه خطاب الحقيقة، في ما وراء معايير الفصل وألاعيب التصنيف، من آليات الحجب والتزييف أو الكبت والاستبعاد. إنه نقد انطولوجي يتناول العلائق المتشابكة بين الذات واللغة والفكر والكائن. مثل هذا النقد لا يمكن إلا أن يطال مفهوم الحقيقة »الموضوعية« أو »الكامنة« لدى بوبر. فالحقيقة ليست جوهرù مكنونù نبحث عنه، أو سرù دفينù نحاول اكتشافه، أو فردوسù ضائعù نعمل على استعادته، أو هدفù أسمى نسعى الى الاقتراب منه. بكلام أصرح: انها ليست ما نكتشفه أو نبحث عنه أو نقترب منه أو نتماهى معه. إنها بالأحرى ما نمارسه ونختبره، أو ما نصنعه وننجزه، أو ما نحسن أداءه والتعاطي معه. بهذا المعنى ليست الحقيقة وراءنا ولا هي أمامنا، بقدر ما هي إقامتنا في العالم واندراجنا في الحاضر وانخراطنا في صناعة الأحداث. إنها كيفية سوسنا لأنفسنا وطريقتنا في إدارة العالم والأشياء. بهذا المعنى أيضù كل واحد يقيم صلة مع الحقيقة بتجاربه ومغامراته، بأعماله وصنائعه. وهذا ما فعله بوبر. انه أقام علاقة مع الحقيقة لا أكثر. وهي علاقة ملتبسة متعارضة، بدليل أنه كان يحدد لنا معيار الحقيقة، فيما كان يؤكد انه لا أحد يقبض على الحقيقة. وهذا شأن الخطاب، لا ينفك عن تعارضه وتوتره. 5 نقد معلم الحقيقة نقد الحقيقة يحمل على تخلّي المرء عن القيام بدور »معلم الحقيقة«. ان مثل هذا الدور الخادع أفضى الى ممارسة ديكتاتورية الحقيقة وأمبريالية المعنى، من لدن سقراط حتى بوبر مرورù بكل قادة الفكر وحراس الحقيقة. من هنا فإن النقد الفعال يهتم بنقد الممارسات الفكرية بالدرجة الأولى، بمعنى أنه يعمل على تحليل أبنية التفكير وقوالبه وآلياته، لتعرية الأوهام التي تعيق نشاط الفهم وعمل التشخيص. بهذا المعنى، ليس النقد مجرد صراع إيديولوجي بين العقلانيين واللاعقلانيين أو بين الليبراليين وخصومهم. وإنما هو تفكيك للعقلانية، بوجهيها المعرفي والسياسي، وذلك لفضح ما تخفيه الخطابات والممارسات والمؤسسات، من البنى الباطنة والآليات اللامعقولة والممارسات المعتمة واللغونات الصامتة، أو لتعرية ما تستبطنه من التعاملات اللاهوتية أو الأسطورية أو الماورائية أو الدغمائية. فاللامعقول هو قاع العقل وباطنه. والفاشية تسكننا جميعù. VI الأقل فلسفية بقي أمر أخير يختص بعلاقة بوبر بالفلسفة وبعض الفلاسفة. ويعنيني هنا مباهاته بأنه »أسعد الفلاسفة على الإطلاق«، كما كتب في سيرته. وأنا أصدق هذا التصريح الذي يشهد به بوبر على نفسه، أي على أنه أقل فلسفية مما يحسب. فالفيلسوف، وكل مشتغل بالفكر، يقيم في قلقه ويبقى على توتره. إذ الفكر هو توتر دائم وارتحال متواصل بين الحدود القصوى للأشياء. والمتوتر لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال، مما يجعل سعادته مشوبة أو مخرومة. أو هو على الأقل سعيد بخروجه على ذاته، راضٍ بتوتره وفقدانه الأمن المعرفي. ولا أظن أن بوبر اتجه بذهنه الى مثل هذا المعنى. إذ هو كان دغمائيù في ما قرره من الحقائق. والدغمائي الواثق بمبادئه المطمئن الى معارفه، هو وحده السعيد فلسفيù. من جهة أخرى يقول بوبر عن هيغل: معه وُلدت »الفلسفة السيئة«، نظرù لأن فلسفته تتصف بالتعقيد والصعوبة. وأنا أصدق هذا التصريح الذي أدلى به بوبر في مقابلة أجريت معه قبيل وفاته، نظرù لأحادية تفكيره وبساطته. وهذا يعني أن بوبر لم يقرأ الجانب الانطولوجي في فلسفة هيغل وإنما اقتصر على الجانب الايديولوجي الذي استأثر بنقده، مما يشهد على أنه لم يفهم فلسفة هيغل على الأرجح. ومن يرزح تحت أثقال هيغل الفكرية، لا يمكن أن يقوم بأود هوسرل وهايدغر فضلاً عن نيتشه. وكل ذلك يقلّل من شأن بوبر فلسفيù، لأنه لا يعقل أن يظهر فيلسوف كبير بعد هيغل وهوسرل وهايدغر من دون المرور بهم. فالفيلسوف الكبير يخرج على سواه منه بالذات. من هنا تبدو أقاويل بوبر حول العلم والحقيقة والفكر ساذجة إذا قيست مثلاً بتحليلات هايدغر في هذا الخصوص. كذلك تبدو أقواله حول النقد والتنوير ودور اللغة ساذجة بسيطة، قياسù على تحليلات كنط وفوكو وأوستن ودرّيدا. انها سذاجة المناطقة والعلماء عندما يتفلسفون. قد يكون بوبر نجمù ساطعù في مجال الابستمولوجيا، ولكنه لا يشكل سوى مذنّب صغير في فضاء الأنطولوجيا. مراجع: د. أسامة عرابي، كارل بوبر، مدخل الى العقلانية النقدية، منشورات المؤتمر الدائم للحوار اللبناني، بيروت. 1994. مجلة »القاهرة«، عدد أكتوبر، 1994.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة