As Safir Logo
المصدر:

جمال باشا سفاحا ومسفوحا

المؤلف: الزين جهاد التاريخ: 1996-02-07 رقم العدد:7307

لا بد أن القراء لفتهم التقرير المسلي في عدد الأمس لزميلنا مراسل »السفير« في دمشق، حول المسلسلين الأكثر أهمية حالياً على التلفزيون السوري خلال شهر رمضان، »الناجح« فيهما المتعلق بجمال باشا و»الفاشل« الذي يقوم ببطولته الكوميدي دريد لحام؟ (حسب تقييم التقرير). قد يكون ما هو أكثر جدية في الجو الذي ينقله الزميل المراسل، الجزء المتعلق بصراع شركات الانتاج التلفزيوني على التسويق. وهذا صراع يدفع الى التفاؤل مع بدء ظاهرة انفتاح السوق السورية على حرية التنافس في بعض المجالات ومنها المجالات الفنية. ومبروك سلفاً للشركة التي تضمن نجاحها بمستوى عال من الأداء الفني لا بالاحتكار. لكن ما هو أكثر وأكثر جدية، بل الجدي جداً الذي يطرحه مسلسل »جمال باشا« (او »اخوة التراب« حسب اسمه الرسمي) هو ذلك المتعلق بالثقافة السياسية السائدة في لبنان وسوريا، التي تجعل من عهد جمال باشا في حكم الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، الركيزة الأساسية في الوعي التاريخي المعادي للمرحلة العثمانية التي امتدت اربعة قرون متواصلة. من سمات هذه الثقافة الرائجة: 1 انها لا تتعلق بعهد واحد من العهود في لبنان وسوريا. بل هي متواصلة في كل العهود، لأنها اصبحت جزءاً من الأيديولوجيا الرسمية التكوينية لدولتي لبنان وسوريا منذ انشاء دولة لبنان الكبير والدويلات السورية الأربع العام 1920 على يد الفرنسيين، هذه الدويلات التي تمكنت الحركة الوطنية السورية في الثلاثينيات من توحيدها في دولة واحدة هي المتمثلة بالكيان السوري الحالي. 2 كما أنها لا تتعلق بلون عقائدي محدد في لبنان وسوريا. فهي سمة مشتركة لكل تيارات »اليمين« و»اليسار«، »القومي« و»القطري«، »الليبرالي« و»الشيوعي«. فكل هذه التيارات، سواء كانت في السلطة او خارجها، مجمعة في ثقافتها السياسية المتوارثة على مقولة »الاستبداد التركي« وعلى اعتبار عهد جمال باشا عهد الذروة في القضاء على »احرار« لبنان وسوريا. بل حتى ان هذه الثقافة الرسمية (بالمعنى الواسع) لا تتردد في المساواة التاريخية بين »الاستعمارين« التركي الاسلامي والفرنسي الاوروبي الكاثوليكي! مسلسل »اخوة التراب« من حيث الموضوع ]وهو ما لم »نشاهده« حتى الآن الا عبر سطور الزميل المراسل[ هو استمرار عادي لهذه الثقافة السياسية المتوارثة، التي كانت من وجهة نظر »الأيديولوجيا« التاريخية لدولتي لبنان وسوريا احد مرتكزات تكوين الوعي الوطني الذي نما حول كل من الدولتين. ويا للمفارقة، فعلى كل التناقضات التي زرعتها الجغرافيا السياسية بين لبنان وسوريا في العهود الماضية، وما أحدثته من تباينات في الثقافة التاريخية الرسمية لكل منهما، بقيت مقولة »الاستعمار التركي« ورمزه »جمال باشا« موحّدة، بين »كتاب« تاريخ فؤاد افرام البستاني اللبناني و»كتاب« تاريخ البعثيين والسوريين القوميين والناصريين، وقبلهم كتاب »الكتلويين والشعبيين، وفي محيط كل ذلك.. على امتداد العهود ذلك الانسجام مع الذاكرة الأرمنية والكردية اللتين وضعتا »أيديولوجيتهما« للدولة القومية قبل نشوء »الدولة« (التي قامت علناً في أرمينيا ولكن على أنقاض الاتحاد السوفياتي لا الدولة العثمانية، والتي قامت ضمناً في كردستان ولكن على حساب الكيان العراقي حتى الآن). ... هنا نصل الى ما نظنه جوهر الموضوع: ففي اجواء المراجعة الشاملة والعميقة التي باتت تفرض نفسها على ضوء التحولات العالمية والعربية، ألم يأتِ أوان المراجعة (المفترض ان يبدأها المؤرخون) للمرحلة العثمانية، وخصوصاً لتلك الفترة الهامة في العقد الأخير للعهد العثماني، مع العلم بأن أواخر السبعينيات والثمانينيات بدأت تشهد موجة مراجعة للمفاهيم السائدة حول الدولة العثمانية الاسلامية، بل تشكلت في لبنان ومصر (كما في تونس بريادة الدكتور عبد الجليل التميمي) جمعيات ومراكز أبحاث تهدف الى إعادة قراءة الأرشيف العثماني، والاطلاع على وثائق لم يجرِ الاطلاع عليها سابقاً. في وجهة تميل الى التقييم الايجابي للتعددية العثمانية. وباتت هذه المراجعات تطرح أسئلة جوهرية حول معايير »تخلف« و»ريادية« الفترة العثمانية لجهة تنظيم الدولة وتطوراته القانونية والفقهية والعسكرية والسياسية والموقف من »الأقليات« و»الملل«، أي إعادة النظر بالتجربة التعددية الهامة لتلك الحقبة الطويلة ومراحلها. غير أن كل هذه الأعمال، لم تصل بعد الى حد مراجعة الثقافة السياسية المعاصرة التي تستند الى »المفاهيم« التاريخية السائدة وإعادة درس المفتعل من الفعلي فيها. وهنا يصبح الموضوع مختلفاً، ولو كان الارتكاز على اعمال المؤرخين جزءاَ ضرورياً فيه. فمراجعة »الذاكرة« التاريخية في الثقافة المعاصرة، يمس مباشرة الأسس التي يرتكز عليها الفكر السياسي العربي الحديث، وقلقه الدائم بين البحث عن مرتكزات للثقافة الوطنية التي نشأت حول الدول »الجديدة« بعد الحرب العالمية الأولى وبين الانشداد القيمي والثقافي الى فكرة الوحدة العربية في الخطاب السياسي العربي، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، مع التذكير بأن المراجعة في اسرائيل لمرتكزات التاريخ الرسمي الصهيوني، بدأت في السنوات الأخيرة مع موجة »المؤرخين الجدد« وأبرزهم بني موريس وتوم سيغيف. هؤلاء المؤرخون الذين يطرحون على بساط البحث مسألتين »مقدستين« في الفكر الصهيوني: مدى »انتهازية« القيادة الصهيونية في التعامل مع المحرقة النازية لليهود والاستفادة منها، ومدى التصميم الصهيوني العسكري على الاقتلاع المتعمد للسكان الفلسطينيين عام 1948، وهو ما لا يعترف به التأريخ الرسمي الاسرائيلي. يبقى السؤال الأخير الذي نقترحه بدورنا على لائحة المراجعة: قد يكون جمال باشا »سفّاحاً« بمعايير المقارنات التاريخية وقد لا يكون. ولكن السؤال التاريخي الجاد هو: هل كان بإمكان الدولة العثمانية ان تتسامح سياسياً مع شخصيات متهمة بالاتصال بدول اجنبية كانت هذه الدولة على حرب ضارية معها خلال تلك الفترة هما فرنسا وانكلترا؟ وأين هي هذه الدولة في التاريخ الحديث والقديم التي يتسامح امنها السياسي مع اتصالات مع العدو خلال الحرب؟ وهل الوثائق التي ادعتها المحكمة العرفية العثمانية هي وثائق صحيحة؟ ومن هو »البريء« ومن »المذنب« فعلاً بين هذه الشخصيات النخبة المميزة؟ ولماذا جرى اخلاء سبيل عشرات المتهمين برغم ثبوت ضلوعهم في عضوية »الجمعيات العربية« في تلك الفترة.. وهل كان السبب عدم ثبوت صلاتهم بدول أجنبية في حالة حرب مع الدولة العثمانية في حين اعدم الذين ثبت ضلوعهم »الأجنبي«؟ وأين هو المعيار في سلوك جمال باشا: قساوته الشخصية ام اعتبارات امن الدولة؟ أسئلة للمؤرخين.. لكنها أيضاً أسئلة على الثقافة التبسيطية الرائجة. جهاد الزين

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة