اخترنا الحب موضوعù لقراءة 4 روايات لبنانية مكتوبة باللغة الفرنسية صدرت بين 89 و95 وهي: »الكلام المخلوع« لنظير حمد الصادرة عام 95 عن »دار نوفل« (بيروت)، و»خمسين« لجوسلين عواد الصادرة عام 94 عن »دار البان ميشال« (باريس)، و»ذاكرة الأرز« لجاكلين مسابكي وفرنسوا بوريل الصادرة عام 89 عن دار »روبير لافون« (باريس)، و»رسالة ما بعد الموت« لدومينيك إده الصادرة عام 89 عن »دار غاليمار« (باريس). اخترنا الحب لأنه يكشف أنماط علاقة النساء بالرجال وصلتها بالآليات الاجتماعية والايديولوجية الراهنة: العشائرية، الطائفية، العنف... واخترنا الرواية دون الأنواع الأدبية الأخرى لأنها غالبù ما تتحول الى وثيقة، تكشف فيها خيالات الكاتب وتركيباته الروائية الواقعية عن صيغ للتواصل والمشاركة فتأخذ القائم والمألوف وتتجاوزهما، ولأنها أي الرواية تدخل دقائق النفس البشرية بحميمية أكثر من النص الفكري أو البحثي، أيù ما كان دور المتخيل فيها فهي تعكس أشياء الحياة »الرواية هي الحياة«، يقول رولان بارت. اخترنا نصوصù مكتوبة بالفرنسة لأنها نصوص لبنانية أولاً ليس فقط بأسماء كاتبيها بل بمواضيعها واهتماماتها والتصاقها بالواقع اللبناني ولأن هذه اللغة والمفاهيم والحساسية اSensibilitژب التي تحملها تقدم قراءة مختلفة وخاصة للواقع الواحد. حب وأزمنة وانتقينا هذه النصوص بالذات لأنها تتيح دراسة واقع الحب في أزمنة وبيئات مختلفة، فإذا نقلت روايتا »الكلام المخلوع« و»خمسين« واقع الحب من بيئة فقيرة الأولى سنية وكاثوليكية ريفية، والثانية درزية ريفية وكاثوليكية مدينية، تولت روايتا »ذاكرة الأرز« و»رسالة ما بعد الموت« الحب من بيئة بورجوازية فرانكفونية متأثرة بالغرب Occidentalisژ، والزمن المروي Racontژ يتراوح بين أوائل القرن وسنوات الحرب ما عدا رواية »الكلام المخلوع« التي تروي أحداث 58 وتطل على الستينيات الأخيرة. عن أي حب نتحدث؟ اخترنا الحب بالمعنى المتعارف عليه لا ذاك الذي تتنازعه شطحات المفكرين والفلاسفة: إذ حكم أفلاطون على انه ضرب من الجنون الإلهي ودانتي أنه قوة كونية كبرى تحرك الشمس وباقي الأجرام السماوية، على حين يذهب كاتب مثل بلزاك الى ان »الحب توافق بين الحاجات الحيوية والمشاعر الوجدانية وانه بمثابة »شعر الحواس ومفتاح كل ما هو عظيم في حياة الانسانية«، في حين ان بروست وسارتر أقل تفاؤلاً فراح بروست يقول ان الحب مجرد وهم من الأوهام واننا نطمح عن طريقه الى امتلاك شخص من الأشخاص. وفي الاتجاه نفسه يعتقد سارتر ان الحب ضرب من العبث Obsurditژ لأنه يردنا في النهاية الى عزلتنا الأصيلة، ولأنه رغبة الاستيلاء على حرية الآخر من حيث هي حرية، مضيفù ان معنى ان تكون محبوبù هو أنك تريد أن تضع الغير تحت سيطرة إرادتك الخاصة. فرويد من جهته لم ينف الحب ولكنه جعله تساميù عن الغريزة الجنسية لا مكملاً أو شرطù لها. لا شك في أن الحب صورة من صور الوصال الانساني العميقة والمعقدة، ولقراءتنا سوف نعتمد الجانب الايجابي وهو تبادل شخصي بين الأنا والأنت واعتراف بالقيمة المطلقة للشخصية المحبوبة وخروج عن العزلة والقوقعة الذاتيتين وانتصار على الأنانية، وسوف نعتمد الرأي الذي يقول ان الحب علاقة جسدية نفسية متناغمة. ارتكاز القراءة التيماتية للنصوص المذكورة على موضوعة الحب يتيح للقارئ تسجيل الخلاصات التالية: الجسد الأنثوي مؤسسي Institutionalisژ تملكه الجماعة وتشرّع وظيفته وتحدد أداءه مزودة التعاليم الدينية والأعراف، تحمي بها التركيبة الأبوية القائمة على سلطة الرجل وامتلاكه جسد المرأة، وتقوم سياسة الجماعة المالكة تلك على تحصين عذرية الفتاة حتى تلقى من يخطب ودّها كما تقوم على عدم المس بمؤسسة الزواج حفاظù على النظام الاجتماعي وضبطù للنسل والملكية وللعائلة. الشرف البيولوجي في »الكلام المخلوع« حيث العشائر تتقاتل وتتطاحن، يتكرس مفهوم الجسد المؤسسي والشرف البيولوجي، مريم وإبراهيم متحابان ويتدخل في ترتيب زواجهما الآباء والأعمام والجيران، مريم غير مقبولة ليس فقط لأنها عادية الجمال بل لأن اختها جميلة رحلت مع أحدهم خطيفة بعد أن حملت منه و»لطخت« شرف العائلة الى الأبد. للجسد والحب عند أبو غصوب الأب المستبد والمتسلط والمقاتل الشرس وظيفة ديموغرافية »عقارية«، فهو يحظر على زوجته التي أنجبت له 11 ذكرù لقاء أي مخلوق آخر غير القابلة القانونية؟ (ص 167 168 169). وبمعنىً ما، جسد الرجل هو أيضا مؤسسي، منوط به أمر تأسيس أسرة والتزامها، ولكنه معفي من العذرية. ففي »رسالة ما بعد الموت« يحرض البطل على الزواج والإنجاب، ومراعاة لقوانين ملكية الجسد يجبر إبراهيم على الزواج ممن أخصب، ولحماية مؤسسة الزواج ومراعاة لميول الرجال تطلق أيديهم خارجها وتترك لهم حرية معاشرة المومسات. تشير النصوص الأربعة الى وجودهن بقسوة. وحده فرنسوا يتعاطف معهن ويحاول حمايتهن من القصف. وفي السياق نفسه تحتاج صيانة الجسد المؤسسي الى حملة شرسة في سبيل الطهرانية Puritanisme معززة بمفهومي الخطيئة والعيب وبمبررات جريمة الشرف. وفقù للتشدد »البوريتاني« تقوم سياسات منال السلوكية على عدم اللمس، تصد الراغبين بها ورغبتها بالآخرين بشكل هستيري وبقدرية مطلقة، ترفض المعاينات الطبية التي تعرضها للمسات الطبيب وهي في أشد حالات المرض. تصدّ حسين بصلف وهمجية وتتسبب بانتحاره، وحين أحبت بشغف الصحافي المسيحي داوود باحت بحبها له على شريط تسجيل وما ان سلمته إياه اختفت الى الأبد. عادت الى جبل الدروز. وحكاية الفتاة الدرزية التي قتلها أخوها لأنها رحلت مع بدوي ما زالت حاضرة في ذهنها. إعاقتها الجسدية ليست سوى تعبير رمزي عن أثقال الجسد المؤسسي ومعوقاته. وفي موضع آخر من »خمسين« تندب أم ماري حظها لأنها أنجبت بنات بعد أن أحبت ماري صديقة منال رجلاً غرر بها وتركها. تعزلها وتنفيها كما المجتمع. الجسد/ الاعاقة/ الطهرانية/ الرغبة/ العنف/ الحرب/ مفردات مترادفة. هذه الطهرانية التي تقيد الأنثى وتؤذي الذكر تبرر الهوامات والاختلاسات الايروسية عند الفقراء والعلاقات السرية و/أو العلنية عند البورجوازيين. في »الكلام المخلوع« تعيش الشبيبة الحب بالوكالة، أثناء جلسات السمر المديدة يفاخر إبراهيم أمام أصدقائه بمغامراته العاطفية فيرضي هواماتهم ويثير رغباتهم، هو الوحيد بين أصدقائه الذي عرف جسد امرأة. يروي إحدى مغامراته في مشهد ايروتيكي يحاذي البورتوغرافية (ص 260 261 262). في الطبقات الأخرى، تغدو المواربة أكثر عملانية، وأجدى. في »رسالة ما بعد الموت« يحيا الرواي البطل حياتين متوازيتين: واحدة علنية تربطه بفتيات مثقفات واعيات يطوف بهن مقاهي المثقفين كما بسهام التي تبدو علاقته بها ذهنية بحتة تخلو من أي إشارة ايروتيكية، وأخرى سرية اقتنى لها »غرسونيره« في وسط بيروت التجاري يستقبل فيها المومسات الأجنبيات. في »ذاكرة الأرز« أفرز العنف علاقتين حدثين ولو مستحيلتين: »جان« ابنة فرنسوا الخمسينية المتزوجة من تاجر سلاح لبناني تعيد اكتشاف جسدها ورغباتها خلال الحرب وبفضلها، تكتشف إعجابها بالصحافي الفرنكفوني »سركيس« وتعانقه غداة مقتل شقيقها ألبير. عاشا حبù متنقلاً بين شقته في القنطاري وشقتها الباريسية. جان تستكمل رحلتها الإيروتيكية بعد اغتيال سركيس. تستعيد حبها الأول مع فارس في شقة ريفية، مهملة كل ارتباطاتها العائلية. لم تعد تخشى العلنية. من جهة أخرى، لورين الأميركية الأم تقع في حب الفدائي الفلسطيني مروان وتعيش معه لحظات حب جارف، سوريالي، مغامر وعلني وإن لم يدم طويلاً. الجسد المؤسسي وبما أن علاقات النساء بالرجال مرآة للوضع العام نظرù لتأثير العام في الخاص، تنعكس أحوال الانفصام والتجاذب والعنف والخبث التي يحياها الوطن على علاقات أبنائه العاطفية. ففي رسالة »ما بعد الموت« وانسجامù مع ما أسماه الكاتب »عقدة أوديب الوطنية« Lصoedipe National والذي دفع باللبنانيين الى قتل أبيهم لبنان والتعلق بطوائفهم، يؤدي تعلق الراوي الأوديبي بأمه الى فتور علاقته بأبيه والى اضطراب علاقاته العاطفية. وتاليù وانسجامù مع ازدواجية الموقف والانتماء وعملاً بمقتضى العقدة الأوديبية، يحيا الراوي حياتين؛ الأولى ذهنية والثانية حسية كي يظل مخلصù لأمه المدلهة. في »الكلام المخلوع« حيث العشائر تتقاتل وتتطاحن وحيث يستوي المثقف والأمي بإذكاء نار الحقد والعنف، يتكرس مفهوم الجسد المؤسسي. في »خمسين« الجسد/ الاعاقة/ الطهرانية/ الرغبة/ العنف/ الحرب/ مفردات لحقل سيميائي واحد هو العنف. يمارس العنف ضد الجسد في ساحة المعركة وفي المجتمع. وبشكل موازٍ يتبين لنا ان مقاومة العنف تحتاج الى مزيد من الحب والى العنف العسكري يفضح الخلل العلائقي بين الرجال والنساء ويعطل التفاهم ويهدد الحب. العلاقات العاطفية بمجملها منسوجة على شاكلة الوطن القائم على ازدواجية الانتماء غربù وشرقù والتكاذب الطائفي والتفاوت الطبقي. يتبيّن مما سبق ان الحب مرتهن غالبù باعتبارات خارجة عنه. هو مسخّر لخدمة المؤسسات: الزواج، العائلة، الأولاد، الملكية، الطائفة، الحزب، معززة بالقوانين المذهبية والمدنية، ويتبين ان بعض الشرائح الاجتماعية تخضع للكوابت فيما أخرى تنفلت من الضغوطات المؤسساتية مما يعني ان الاختلاف منوط أيضù وخاصة بالطبقة التي ينتمي إليها الفرد لا الطائفة الدينية فحسب، ويتبين لنا أيضù وفي السياق نفسه ان الحب يعز ويندر في مناخ أبوي ذكوري فقير، فيما تحياه الطبقات العليا بتشنج أقل. وبناءً على ذلك يتضح لنا ان الحب العميق الذي يملأ العقل والوجدان والحواس شبه غائب، ربما لأن الحب يحتاج الى أنا متماسكة والى صورة إيجابية عن الذات Une image de soi positive تسمح للإنسان بتقدير ومحبة ذاته كي يتاح له تقدير الآخرين ومحبتهم. وإذا كانت هذه الصورة مهددة بفعل حصار الجسد والقهر والفقر والحرب صار الحب شبه مستحيل. الروايات موضع البحث: اLa mژmoire des Cڈdresب: Jacquelien Massabicki, Franچois Porel Ed. Robert Laffont - Paris - 9891. اLettre Posthumeب: Dominique Eddژ. Ed. Gallimard - LصAipenteur - Paris - 9891. اRohamsineب: Jocelyne Awad. Ed. Al bin Michel - Paris - 4991. اLa parole destituژeب: Nazir Hamad. Ed. Nofal - Beyrouth - 5991.