بعدما كان عام 1991 عام رامبو، جعل الفرنسيون عام 1996 عام صديقه ورفيقه بول فرلين، بمناسبة مرور 100 عام على رحيله. في المناسبة محاولة اقتراب من هذه التجربة الشعرية المتميزة والشفافة. مئة عام على رحيل بول فرلين، شاعر نهايات القرن الماضي، ونهايات أمور واتجاهات وظواهر ومدارس وتهيؤات لأخرى. كأن شاعرنا الكبير، أيضù، يأتي دائمù من نهايات الأشياء، ومن نتف المراحل، والأزمنة، ومن ذبول الفصول، وشحوب المناخات، وكسور الحالات، ومن هشاشة الرماد الحثيث في السماء، وفي رياح الخريف. هكذا، وربما، مستسلمù، أو من طبيعة منساقة، »كورقة ميتة«، »هنا وهناك«، يتأرجح، ولا إرادة، ولا مناعة، وإنما، منجرفù، يلفه الضجر، والكآبة، والحزن، والتبرم، والشكوى: في ضجر السهل الذي لا ينتهي يلمع الثلج المتردد كالرمل حساسية مفرطة، نزوع نحو المطلق، عدم الاستقرار، الحس بالهرب، المزاج الرجراج، المهتز، الى سكن عالم متخيل، مثالي، ولكن مر، ومقهور، ومغلوب. هذا هو الاطار العام الذي يتحرك فيه بول فرلين، والذي تتحرك فيه قصائده في مختلف دواوينه ابتداءً ب»القصائد الزُحَلية« (Poemes Saturniens)، وانتهاءً ب»غابرù وحديثù« و»بموازاة«... وهذا يعني في الأساس، أن فرلين لم يسع الى تقويض أسس، أو إحداث انقلابات، أو بناء موقع ريادي، أو ثوري، (كما فعل رفيقه رامبو)، أو كما حاول أن يفعل فيكتور هيغو أو لوكونت دوليل في مدرسته البرناسية، أو حتى ما أطل به بودلير قبله، فشعره إن حرّك الدواخل، أو التمع كخاتم في يد، أو قطر عليك كالحزن، أو أصابتك إيقاعاته الموسيقية المظللة، فإنه يبقى ذا مناخ »انطباعي« (لا تعبيري، إذا صح استخدام العبارة)، واستقبالي (لا هجومي، أو عدواني على اللغة) والى حد توفيقي بين ميراث يمتد من فيلون Villon الى دوبليه Dubellay، إلى رونسار Ransard، فالى بودلير، وبين البرناسية (في بداياته) والرومانسية، والرمزية، وجد نفسه في نهايات القرن الماضي وكأنه وريث هذه الظواهر »الغاربة«، لكن من دون أن ينحاز إليها، ومن دون أن يكسرها، فهو تأثر بالبرناسية وبرائدها لوكونت دو ليل في »قصائد زحلية« ولكن من دون أن يكون برناسيù، وتأثر برامبو في »أغانٍ بلا كلمات«، ولكنه من دون أن يتجرأ تجرؤاته؛ وتلمس الرمزية ولكن من دون التأقلم في انغلاقيتها من جهة ومن دون أن يتخلى عن الموزون العمودي الى »الشعر الحر« من جهة أخرى. حتى المواضيع التي طرقها كانت أصلاً مطروقة. من الغزل والحب إلى الطبيعة، إلى الدين. لكن لماذا يبقى فرلين، برغم كل ذلك »جديدù« ما دام شعره خليطù من »موروثات« بائدة أو منتهية، وهل جدّد من هذه الموروثات؟ جديد فرلين من نكهته، ونبرته، وأنفاسه الموسيقية. جديده لا يثور كما سبق ان قلنا. بل يمكن القول إن جديده يعود الى شفافية استخدامه الموزون العمودي (وخصوصù المفرد Impair)، أي في إيقاعاته التي بها، وبكيميائية فطرية، وإرهافية »طبيعية«، كما التنفس، والمشي والجلوس، والتسكع، والاستسلام، كوّن ما سمي عالمه الايحائي الذي يلتقي فيه الرمزيين. وإذا كان رامبو أدرج في الرمزية لبنائه مناخاته الايحائية بالصورة (الرؤيا، المتخيل)، فإن رامبو كوّنها بالموسيقى، وهذا ما عبّر عنه فرلين عندما قال »ان الموسيقى هي قبل كل شيء« في الشعر، ولكن الموسيقى المضبوطة، الموزونة، المعروفة. ومن ضمنها تفتح جديده وتنفس هواءً مختلفù، هواءً حميمù، هامسù، ودافئا، مُرù، كئيبù وشجيù، كأنما فرلين يسعى الى القصيدة البسيطة، السهلة، لكن التي تقترب من الغناء، الغناء حتى النشيد الداخلي، التمتمة من دون أي تعقيد أو طابع مركب، أو غموض، أو انغلاق، أو شكلانية، أو فذلكة. يتوجه فرلين من القلب إلى القلب... ليثير ويحرك لا ليكسر، ويحطم، أو يدمر. انه شاعر الهشاشة، والضعف، والتردد، لا شاعر »الغضب«،... والرفض. وهذا ما يشكل خصوصيته، أو إرهافيته، أو قصيدته الفرلينية بامتياز. هواجسه هذه القصيدة الفرلينية، برغم تبلورها في دواوينه اللاحقة، والتي تبعت ديوانيه الأولين »قصائد زحلية« و»الأعياد الغزلية«، أي في ثلاثيته »الأغنية الطيبة«، و»أغان بلا كلمات« و»تعقل« ومن ثم في »غابرù وحديثù«... ارتبطت ارتباطù وثيقù، وداخليù بحياته، بتقلباته، بهواجسه، بعلاقاته، من زوجته ماتيلد الى صديقه رامبو والى والدته، والى سجنه، والى تسكعاته في شوارع باريس، ولندن، وبروكسل، وفي مقاهيه وحاناته، ومزاجياته، وضعفه وفساده، وبذاءته وعنفه، وانجرافه... قصيدة حياة قصيدة حياة، قصيدة سيرة، إذا صح التعبير، بل قصيدة »جسد« في نهاية المطاف. وعلى امتداد دواوينه الستة، وبرغم تفاوتاتها، نكتشف »مراحل« القصيدة الفرلينية منذ تكوناتها الأولى الى ارساءاتها الأخيرة، بمجمل تأثراتها المتناقضة، وتبلوراتها، وانطباعاتها. وسنحاول قدر الإمكان الاقتراب من هذه المسيرة الشعرية التي توجته »أميرù لشعراء فرنسا... يمكن، اصطلاحù، تقسيم هذه المسيرة الشعرية الى ثلاث »مراحل«: 1) البدايات، مع ديوانيه الأولين، 2) الثلاثية، 3) ديوانه الأخير. »القصائد الزحلية« (1866)، و»الأعياد الغزلية« (1869). ديوانه الأول »القصائد الزحلية«. هذه المجموعة ذات التأثير البرناسي، والعنوان والمقدمة »البودليريين«، يتأرجح فيها فرلين بين تأثيرات متناقضة، ومتباعدة. وتمثل الأغنية الفرلينية المسكونة بالقلق والكآبة والحزن والمناخات الضبابية. لكن ليس فيها عمومù موسيقيته »الايقاعية« أو ميلوديا متجرئة. انها تندرج في مجملها في »التقليد البرناسي الصافي« ونلمح فيها دمغات لوكونت دو ليل. أي ان شعره هذا أقرب الى »الموضوعية«، و»الذهنية« (الخاصتين بالبرناسية) منه الى »الأحاسيس« و»المشاعر« (الذاتية). الى هذه التأثرات لا تخفى ظلال بودلير صاحب »أزهار الشر«، ولا أستاذه تيودور دو بانفيل. إلا أن هذه الباكورة، على الرغم من كل ذلك، تختزل الى حد كبير، »كل النَفَس الفرليني« خصوصù في بعض القصائد وخصوصù في »أوراق الخريف« المشهورة. إنه يبحث هنا، من ضمن وسائل »متعددة« عن ذاته. بل كأنه يريد أن يقدم نفسه هنا »كفنان« متمكن من أدواته، ومن ثم كشاعر ينقب في ذاته وحواليه عن تفننيته وجماليته الخاصتين«. إنها مفتتح. في ديوانه الثاني »الأعياد الغزلية« يستمر في تكوين مناخاته الكئيبة، الحزينة، الضبابية، لكن بحساسية »تشكيلية« (رسمية)، متأثرù في ذلك بالقرن الثالث عشر وخصوصù بأعمال الفنان واطو. وفي هذا المناخ التكويني استعار ديكورù من الاحتفالات الطبيعية، والرقصات الشعبية والكرنفالات، أو شخصيات مقتبسة من الكوميديا الايطالية: كارلكان وبيارد وكولومبي. في هذا الديوان، الى أجوائه الفرلينية: الكآبة، والحزن، والخفوت، لغة قوية، مشكلة تشكيلاً بصريù وإيحائيù، متماسكù، فنيù وبنائيù، كأنه ما زال يظهر »براعات« المتمكن في قصائد تجمع بين النغمية الموسيقية وبين الصورة البصرية. بل كأنه أراد أن ينقل »احجام« البرناسية من الأشياء والمظاهر المضخمة، المتينة، إلى الطبيعة. »نفسك حقل مختار«... انه المفتتح الثاني أو المفتتح الذي يريد أن ينوّع على باكورته الأولى. الثلاثية ثلاثيته »الأغنية الطيبة« (1870)، و»أغانٍ بلا كلمات« (1874)، و»تعقل« (1881)، لا تشكل بؤرة أعماله وأنضجها فقط، بل وتشكل الخط البياني الممتد من السعادة الزوجية الى تأثراته برامبو وافتراقهما وسجنه الى انهياره شبه الكامل... »الأغنية الطيبة« في 1869 يقابل فرلين فتاة في السادسة عشرة هي ماتيلد موتي، »تضيء بأمل واسع« حياته. تحمل إليه النقاء، والبساطة، والحب. »كائن ضوئي«، لمعت في حياته المتهتكة، وبين »شياطينه«، وتبذلاته. فيعقد خطبته عليها، ومن ثم يتزوجها في عام 1870. وفي هذه الحالة »المتطهرة« و»العاشقة« يكتب لها »الأغنية الطيبة« كهدية خطوبة أو كهدية زواج. انه ديوان بسيط، بوحي، إفشائي، ذاتي، وحتى مناسبي. كأن فرلين تخلى الى حد كبير عن »براعاته« الى نوع من الفطرية والطفولية، بل وكأن هذه القصائد تنفصل في مناخاتها، وهواجسها عن »الأعياد الظرفية«، و»القصائد الزُّحلية«. لها مكان خاص بين دواوينه. إنها كما قال فيها هيغو »زهرة في قنبلة« (كانت الحرب في ذلك العام اندلعت بين بروسيا وفرنسا). »الأغنية الطيبة« يوميات خطيب، بكل ما فيها من سهولة، وتراجع، وتبسيط... وكان من الطبيعي أن تواجه بنقد سلبي باعتبارها دون ما قدم سابقù. »أغانٍ بلا كلمات« (1874)، تزوج فرلين وانتهى شهر العسل وقصائد الخطوبة، والعشق. وبدأت المشاجرات مع زوجته. وما فاقم الأمور ظهور رامبو في حياة فرلين. (أيلول 1871). فيهجر زوجته وينساق مع شاعر »الاشراقات« أو »الشيطان المراهق« ليعيشا حياة تسكع وتشرد وعربدة بين باريس ولندن وبروكسل، لينتهي بهما الأمر إلى إطلاق فرلين رصاصتين على رامبو أصابت إحداهما يده، ويودع فرلين السجن سنتين وتختم بذلك تلك العلاقة »المجنونة«. »أغانٍ بلا كلمات« التي هي حصيلة الحياة الثنائية »المبتذلة« اللاهية، و»المحرمة«، والشعرية كذلك، وانطباعات على هامشها وفي متونها، »تعد رائعة فرلين الأكثر اكتمالاً« (جان بيار ريشار)، حيث رفع فرلين »التبذل هذا الى مستوى الفن« (جان بيار ريشار). إنها، بمعنى من المعاني »الأغنية الطيبة« معكوسة، بل ومنقلبة. من النزوع الى »النقاء« »الشرعي« (الزوجي مع ماتيلد) الى الاستسلام للتشتت و»المحرم«. ولعل هذه الطوابع أثارت في نفس فرلين حالات شعرية مختلفة، دفعته الى تجاوز بعض التحفظات و»الموروثات« التي ارتبط بها. وربما يكون ذلك عائدù الى تأثره برامبو. هذا التأثر يبرز من خلال »تشوش الحواس« في الصورة الشعرية عنده، والى استعادة »الفن الموضوعي« (وجدناه في ديوانه الأول بتأثير البرناسيين)، والى بروز الشاعر »الرؤيوي«، »كشاف المجهول«، و»تغيير العالم بالكلمة«. (رامبو من أسلاف السورياليين الذين تبنوا هذه المقولة)، وكذلك ذوبان الموضوعي الذاتي، والخاص والعام... ضمن هذا المناخ »الكاسر« نسبيù، والشفاف الى حد كبير، تتقدم الموسيقى هنا »بأنفاس غريبة« حزينة، وكأنها »صدى أوجاع سرية« والأجمل فيها قصيدة »البيانو«. مقاطع صغيرة من »فن مكتمل« من إرهاف لغة غير مسموعة، تزدوج دقة نادرة وتفلت واضح. كأنها على حد قول أحد النقاد الفرنسيين »زجاجة شرقية« مفتوحة. ويمكن التوقف عند قصيدة »أحصنة الخشب«، وهي من أهم القصائد لأنها تجمع كذلك بين »الايحائية والفانتازيا« كأنها »حلم مكثف«. كل هذا يجعل من »أغان بلا كلمات« مجموعة يخترقها »نفس حداثي« شفاف... وان بدا مترددù أحيانù كثيرة. فقد استخدم مثلاً عناوين قصائد بالانكليزية اBirds in the Nishtب واDreamب، واSpleenب، واStrectsب... بالطبع بودلير وكريستيان كوربير (1845 1875)، وجول لافورغ (1860 1887) استعملوا مثل هذه العناوين، وهم شعراء »تمتعوا بحساسية حديثة«. »تعقل« (1881) مجموعة فرلين »الدينية« »المتطهرة« »الكاثوليكية«. قصائد النوم، و»الاستغفار« و»التوبة«. انها »أول فعل إيمان علني« بعد صمت أدبي طويل.. قصيدة اعتراف، وحوار مع »الخالق«، وضمير ممزق بين ذكرى الماضي الملعونة وبين التوق الى السلام الداخلي: »قلبنا الذي كان ينزف تحت الكبرياء يلتهب بالحب«. أو »اليدان، العزيزتان اللتان كانتا يديَّ صغيرتان جميلتان بعد كل هذه الحقارات القاتلة وكل هذه الأمور الوثنية« أو »على مَ حزينة يا نفسي حزينة حتى الموت ما دام الجهد يناديك ما دام الجهد الأعظم هنا ويناديك« أو »قل، ماذا فعلت بشبابك«. المجموعة التي تندرج في »الشعر الديني« وتفتح على تجارب شعراء فرنسيين كبار خاضوا هذه التجربة بعده كبول كلوديل، وبيار جان جوف، وشارل بيغي، واندره فرينو...، تتميز بشفافية حادة، وتأملية مشرعة، وبإيقاعية داخلية هي الايقاعية الفرلينية المعروفة، لكنها مجموعة »بلا وحدة«، تخللتها قصائد مناسبية »وطنية« واجتماعية... لكن هذا الصفاء الداخلي الدامي، والمكسور، كم يبدو شهادة على تمزقات شاعر، وهشاشاته وضعفه وشقائه. الأخير »غابرù وحديثù« (1884)... بعد »تعقله« و»عودته الى الرشد«، و»الايمان« وعمله في التدريس، يلتقي تلميذù صبيù اسمه لوسيان يقال انه »عامله« بعاطفة »أبوية« وتعلق به. على ان موت لوسيان يعيد فرلين الى الشرب، والى نزواته، وتسكعه، انها المرحلة الأخيرة من مراحل »التردي« و»الاستسلام«... والتهاوي... وفي هذه المرحلة تكون هذا الديوان المبعثر الذي سحب جزءù من قصائده من أدراجه وجواريره القديمة، وكتب الجزء الآخر منه. انه ديوان متفاوت، كأنه يتضمن كل مراحل الفرلينية. يبقى سؤال أساسي: هل ترك فرلين بصمات له في الحركة الشعرية الفرنسية، أي هل لفرلين أحفاد، كما لرامبو، ولمالرمه، ولبودلير؟ تأثيراته صحيح ان فرلين بقي محافظù، عمومù، في لغته الشعرية، ولم يكن له أن يتجرأ كثيرù، كما فعل شاعر »فصل في الجحيم«. ولكن مناخات فرلين وإيقاعاته الموسيقية، التي وإن بقيت داخل »الموزون«، ولم تخرج لا الى »الشعر الحر« ولا الى »قصيدة النثر«، إلا أنها تفتحت على جدة في هذه الكيميائية الفطرية، وعلى غرابة في هذه الصور المرسومة بالموسيقى الايحائية، التي تشكل مناخاتها من خلال الأحاسيس التي يكونها »سحر« اللغة. وقد أدرج من خلال ذلك في »الرمزية«، وإن لم ينخرط فيها، أي الرمزية الأخرى المختلفة عن رامبو. فعند الأخير الرؤيا الايحائية عمادها الصورة. وعند شاعرنا الموسيقى. كما أن الأجواء الضبابية، المنخسفة، والكآبات، والانكسارات، والافشائية، يمكن أن نلمسها عند شعراء كأبولينير مثلاً، وألويار وعند مغنين كبار كليو فيري... ومن الطبيعي أن نجد آثارù لفرلين عند بعض شعرائنا اللبنانيين والعرب خصوصù سعيد عقل في رندلى، حيث الكيميائية الموسيقية الموحية وإن برانية تذكر بفرلين: »مرخىً كل الشعر شال لرندلى هلا به بها بالجمال«... وشعراء كصلاح لبكي، تأثر بشفافيات فرلين تأثره برمزية البير سامان الرومانسية. أو كعلي محمود طه، الذي وإن غلبت على تأثيراته التجارب اللامرتينية إلا أن لفرلين حصته... وحيّزه.