كتب علي جمالو: ليست هذه قصة حب رومانسية لكاتب مستجد اراد نسج رواية تشبه رواية الكاتب العربي الكبير/ نجيب محفوظ/ ثرثرة فوق النيل. لكنها قصة الشك المزمن في العلاقة بين عواصم تتشابه في المآذن وتختلف حول كل الباقي. والفرات على اهميته ليس وحده السبب في الخلاف الذي تصر عليه أنقرة مع كل من دمشق وبغداد، لان النخب السياسية التركية سواء في قمة المؤسسة العسكرية او في قمم بعض الاحزاب الرئيسية لديها وجهات نظر متشابهة في كيفية ادارة العلاقات مع سوريا والعراق لانها مستمدة اساسù من النظرة القديمة نحو »هؤلاء العرب الأوباش الذين تحالفوا مع الاعداء... وباعوا السلطنة« على حد تعبير معلق صحافي مرموق رافق احد المسؤولين الاتراك في زيارة الى دمشق قبل سنوات. صحيح ان تركيا العلمانية، خرجت من جلد العثمانيين وانكرتهم وعلقت قادتهم في الساحات العامة لكنها ورثت عنهم تلك (الطريقة النموذجية) في التعامل مع سوريا والعراق او بلاد الهلال الخصيب بحسب المصطلح القديم. واذا كانت السلطنة العثمانية قد افتتحت القرن العشرين في الهلال الخصيب بالمجاعات البشعة فان الورثة العلمانيين يختتمونه في البلاد نفسها بالعطش المر.. مرة بحجة ان الفرات تركي كما بئر نفط الاحمدي كويتي.. ومرة اخرى بحجة ان سوريا تدعم الارهاب والانفصاليين الاكراد. وتؤكد الطريقة التي تدير فيها أنقرة ملف المياه مع كل من دمشق وبغداد هذه الذهنية التي دمرت في الماضي »القريب« كل محاولات التقارب والتفاهم على أرضية المصالح المشتركة والحقوق المؤسسة على الشرعة الدولية. وفي حين يعتقد عدد من الخبراء المهتمين بالشؤون التركية ان لدى دمشق وبغداد وانقرة اسبابù ونقاطù (عديدة) تفيد في ازالة الريبة وتؤسس لعلاقات متينة وتحول الفرات من سبب للخلاف الى قاعدة للتعاون.. يذهب بعض المراقبين الى ان انقرة تسعى الى تعزيز نفوذها الاقليمي بواسطة تحويل المياه من اداة للتنمية والتطوير الى اداة للابتزاز.. على خلفية التبدلات اللافتة في مواقف المسؤولين الاتراك من موضوع الفرات في السنوات الماضية وبشكل خاص منذ عام 1990 وحتى اليوم.. الامر الذي يعطي الانطباع بأن انقرة لها مصلحة ببقاء العلاقات مع دمشق مكبلة بالتردد والشكوك. على كل حال وبعيدù عن الخلفية الثقافية/ التراثية للمواقف التركية ومرتسماتها السياسية تجاه سوريا فان المياه تبقى الحلقة الاهم والاخطر في العلاقات ما بين دمشق وانقرة. وهذه الحلقة لها انعكاسات في المنطقة من جهة وانعكاسات اخرى ذات بعد دولي من جهة ثانية. في موضوع المياه /تحديدù/ استمر السجال سنين طويلة بين البلدين مفسحù في المجال لظهور توتر في العلاقات بين البلدين وصل في وقت سابق الى حد الازمة المستفحلة. وبصرف النظر عن التفاصيل التقنية وقد انتجت منها لجان الخبراء الكثير فان القلق السوري الذي بدأ منذ وضع الحجر الاساس لبناء سد /كيبان/ في تركيا اخذ يزداد يومù بعد يوم ليصل الى ذروته في كانون الثاني عام 1990 عندما اوقفت تركيا تدفق مياه الفرات الى سوريا لمدة شهر كامل بحجة ملء سد اتاتورك، واعتبرت سوريا ان الاشراف التام على الفرات قد اصبح كليù بيد تركيا الامر الذي يهدد أمنها الاقتصادي والغذائي.. والسياسي ايضù. لأن انتاج الطاقة والري مرتبطان في سوريا بمياه نهر الفرات فضلاً عن مياه الشرب التي تسقي الملايين من سكان الجزيرة السورية وحلب والرقة. في ضوء ذلك طالبت سوريا مستندة الى ملف وثائقي قانوني بوقف هذا الاجراء التعسفي وفي الوقت ذاته وضعت مع انقرة صيف عام 1987 بروتوكولاً مؤقتù تلتزم بموجبه تركيا بمد سوريا بأكثر من 500 متر مكعب في الثانية عندما يدخل الفرات نقطة الحدود التركية السورية وهذا البروتوكول مؤقت ريثما يمتلئ سد اتاتورك ويتم التوصل الى اتفاق نهائي تعتقد دمشق ان لها الحق ب 700 متر مكعب في الثانية. وعلى الرغم من العلاقات المجمدة كليù، شرع السوريون والعراقيون بدراسة هذا البروتوكول وبدأت مشاورات عبر قنوات دبلوماسية عربية للتوصل الى صيغة لاقتسام المياه التي تأتي من تركيا. في البداية رفضت بغداد المقترح السوري الذي ينص على توزيع حصة البلدين على النحو الآتي: (42$ لسوريا 58$ للعراق) من الكمية التي تدخل الاراضي السورية عند نقطة الحدود مع تركيا مع الاخذ بالاعتبار نسب الضياع الارضي والتبخر. لكنها عادت ووافقت أواخر عام 1989 ليجري التوقيع على الاتفاق فعليù عام 1990، وانبثقت عن هذا الاتفاق لجنة فنية مهمتها الاشراف على آلية تنفيذه وبالعودة الى انقرة التي دفعت الامور نحو المزيد من التعقيد »بالاجراء النادر« قطع الفرات.... حركت دمشق ماكنتها الدبلوماسية الهادئة والفعالة فقررت احالة المياه الى الجامعة العربية ومنها الى المحافل الدولية على خلفية ورقتين اساسيتين: الاولى: بروتوكول 1987 والمادة السادسة منه التي تنص على امداد سوريا ب 500 متر مكعب في الثانية من مياه الفرات الى ان يمتلئ سد اتاتورك، حيث كان من المفترض ان يتم التوصل الى حل نهائي. والورقة الثانية: وضع آلية جديدة للتفاوض في موضوع المياه على مستوى وزراء الخارجية.. بحيث تبقى مشكلة المياه على جدول أعمال كل لقاء بين وزيري خارجية البلدين... في الوقت ذاته سحب السوريون البساط من تحت اقدام الاتراك في موضوع الارهاب بنفي التعامل مع عناصر حزب العمل الكردستاني في محاولة لعزل الموضوع الامني عن موضوع المياه وخلق مناخ تفاهم حول هذا الموضوع بين البلدين. لذلك لم تتردد دمشق في ان توقع مع أنقرة في 20 /تشرين الثاني/ 1993 وثيقة تعاون في مجال الامن والموضوع الكردي اساسها واكد يومها مسؤول تركي »تبني موقف مشترك« مع سوريا ضد »ارهاب« حزب العمال الكردستاني في الوقت الذي اكدت فيه سوريا انها لن تكون ملجأً او ممرù لعناصر تهدد أمن واستقرار تركيا. وعاد وزير الداخلية السوري الدكتور محمد حربا منتصف الشهر الرابع من عام /1994/ فأكد، ان الامن والاستقرار في تركيا شيء تحرص عليه سوريا.... ولاح في الافق ما يشير الى توافق ما.. لكن هذا لم يكن سوى السراب فقد عاد الاتراك الى »الاسطوانة« ذاتها وعاد الفرات الى طاولة المساومة والابتزاز... الفرات والقانون في الوجهة القانونية للمسألة قدمت الدبلوماسية السورية رؤيتها، وتفيد وثيقة قدمتها الخارجية السورية الى ندوة مركز البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية بالآتي: يبلغ طول نهر الفرات /2726/ كيلومترا يجري منها /900/ كيلومتر داخل الاراضي التركية وألف كيلومتر ويزيد داخل الاراضي السورية و/800/ كيلومتر في الاراضي العراقية. اما مساحة حوضه فتزيد على /000،64/ كيلومتر مربع وتصريفه يقارب /32/ مليار متر مكعب. وقد اقامت تركيا سدودا قلصت تصريفه الى /32/ مليار متر مكعب. ولا تزال تركيا ماضية في اقامة مشاريع جديدة تستنفد المياه وكذلك تقوم بتحويل المياه من روافد الفرات وتبلغ مساحة حوض التغذية للفرات /444/ ألف كيلو متر مربع في تركيا وسوريا والعراق. ان سوريا اعتمادا على العرف الدولي الثابت القائم على التوزيع العادل لمياه الانهار الدولية ما بين الدول المتشاطئة، تطالب بأن تعين الحصص بميزان من حاجات كل بلد للماء تقدر على يد لجان فنية مشتركة تضع جدولا لحاجات كل من الدول المتشاطئة الثلاث... وان كان صبيب الفرات البالغ /32/ مليار متر مكعب لن يكفي لسد كل هذه الحاجات، فان على كل بلد ان يضحي بقسم من حصته المثلى من اجل الوصول الى معادلة تنصف الجميع تقوم على التعاون وحسن الجوار ومبدأ التعاقد المشترك. لقد اعترفت تركيا سابقا بحقوق البلدين المتشاطئين، وعقدت بروتوكولا مع سوريا. الا ان هذا الموقف تغير في ما بعد وأصبح الفرات يوصف لدى القادة الاتراك بالنهر »العابر للحدود« لا بالنهر »الدولي« وهذا يعني ان مياه الفرات تقع حصرا ضمن السيادة التركية الى ان تصل الى حدود سوريا وبموجب هذا الرأي تعتبر تركيا ان النهر الدولي هو النهر الذي يرسم حدودا بين دولتين متشاطئتين بموجب هذا الاعتبار فان الفرات يعتبر نهرا دوليا فقط عندما ينضم الى دجلة في الاراضي العراقية ليشكل شط العرب الذي يحدد الحدود العراقية الايرانية وبهذا تنقل النظرية التركية قضية اقتسام المياه من حقوق الدول المتشاطئة الى امكانية نظر دولة المنبع بمنح حصة من المياه يعود تقديرها اليها هي في ضوء ما ترى من مصلحة لها دون اعتبار لمصالح الدول المتشاطئة الاخرى. وفي هذا الصدد ونتيجة للتفسير التركي فان دمشق عرفت النتيجة التي اقرتها لجنة القانون الدولي التابعة للامم المتحدة بعد دراسة عدة سنوات. فقد تبنت هذه اللجنة في ايلول العام 1991 مشاريع عدد من المواد في قانون المسارات المائية الدولية واستعمالاتها غير الملاحية فعرفت المسار المائي الدولي بأنه مسار الماء الذي تقع أجزاء منه في دول مختلفة، ولا ترى اللجنة فارقا بين وصف المسار بالمسار الدولي او العابر للحدود، وينطبق تعريفها هذا على الفرات ودجلة وكان توقيع البروتوكول سنة 1987 بمثابة اقرار بدولية الفرات وبوجود نوع من السيادة المشتركة على مياهه، لكن تركيا عادت لتصف هذا الاتفاق بأنه اتفاق مؤقت وليس اتفاقا ملزما. ان مؤسسة القانون الدولي في دورتها المنعقدة في سالزبورغ العام 1991 قد فندت القواعد الدولية التي تحكم التصرف بالانهار الدولية، وذلك على شكل توصيات فأقرت ان لكل دولة الحق باستخدام مياه الانهار الدولية التي تجري في اراضيها ضمن القيود التي يفرضها القانون الدولي فلا يحق لاي دولة ان تقيم منشآت هندسية او تستثمر مياه المجرى المائي والحوض المائي بحيث تحدث تأثيرا ضارا على استعمال المياه نفسها في دول الحوض، الا بناء على اتفاق سابق او تعويض عادل، كذلك لا يحق لأي دولة اقامة منشآت على النهر او استخدام مياهه دون ابلاغ مسبق لدول الحوض، هكذا قننت مؤسسة القانون الدولي القواعد التي تحكم التصرف بالانهار الدولية. اما الاكثر تفصيلا ما كان قد وصفه مؤتمر هلسنكي المنبثق عن مؤتمر جمعية القانون الدولي وكان ذلك العام 1966 عندما وضع القواعد التالية: 1 لكل دولة تشترك في حوض مائي دولي الحق في الحصول على حصة عادلة ومعقولة من المياه. 2 يتم تحديد الحصة المائية وفق ضوابط معينة هي: أ جغرافية الحوض ومساحته. ب الاستخدام السابق للمياه في الحوض. ج الحاجات الاقتصادية لكل دولة. د عدد السكان الذين يعتمدون مياه الحوض. ه وجود موارد مائية بديلة. و الهدر الذي ليس له مبرر. ز امكانيات التعويض. ح تأمين حاجيات دول الحوض دون المساس بحقوق الدول الاخرى. ط مقارنة تكاليف المشاريع البديلة التي تعنى بالحاجات الاقتصادية لكل دولة. كذلك حددت الامم المتحدة الشروط العامة لتقسيم مياه النهر الدولي في مؤتمر للمياه عقد العام 1977 وهي: 1 مساحة الحوض المغذي للنهر في كل دولة. 2 مساحة الحوض المائي على مدى النهر. 3 نوعية استخدامات المياه وحاجة كل دولة للمياه. 4 عدد سكان الحوض المائي للنهر الدولي. 5 التعويض المادي للاطراف المتضررة. واذا عدنا الى معاهدة لوزان التي عقدت العام 1923 نجد نصا يعتبر مرجعا هاما يؤكد على ضرورة تشكيل لجنة مشتركة من تركيا وسوريا والعراق مهمتها معالجة المشاكل الخاصة بمياه نهري دجلة والفرات، لا سيما اذا أريد بناء منشآت هندسية في أعالي هذين النهرين تؤثر تأثيرا كبيرا على كمية وتوزيع تصريف هذين النهرين في منطقة ما بين النهرين. لقد أكدت سوريا على ضرورة اقتسام المياه الدولية اقتساما عادلا يستبعد العقبات التي تعترض حسن الجوار المنشود بين تركيا وسوريا، فسوريا عضو في اللجنة التركية الايرانية المشتركة التي تعارض تجزئة الوحدة الاقليمية للعراق، وهي اعلنت بالقول والفعل حرصها على الا ينطلق من اراضيها اي عمل مخل بأمن تركيا، كذلك هناك آلية مشتركة للاشراف على طول الحدود للمعالجة الفورية لما قد يقع من حوادث متفرقة عبر جبتهي الحدود كل هذا يعد تعبيرا عن العلاقات الطبيعية القائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار. وعليه لا علاقة للعوامل السياسية في القانون أو في الواقع بقضية المياه ولعله في معرض الحجج التركية في بعض الاحيان يرد ان التقاسم يقتضي الا يكون هناك تفريط او اهدار في المياه من اي جانب، وان الاهدار يأتي من انخفاض المستوى التكنولوجي للاستغلال والواقع ان سوريا قطعت شوطا كبيرا في تحسين تكنولوجيا الاستغلال واذا سجلت التكنولوجيا التركية بعض التقدم فان من المفروض في علاقات تحكمها الصداقة وحسن الجوار ان يتم التعاون في سبيل المصلحة المشتركة برفع المستوى التكنولوجي في البلد الآخر، لا ان يتخذ التفاوت النسبي ذريعة لقطع المياه. فعندما قررت تركيا ايقاف تدفق مياه الفرات بين 13/1/1990 و12/2/1992 وذلك لملء الخزانات التي بنتها خلف سد اتاتورك في مرحلته الاولى، فقد كانت آثار الضرر البالغ الذي لحق بسوريا والعراق اكبر من ان توصف في المجالات الزراعية، والبشرية، وتربية الحيوان، وعلى مستوى الطاقة، فقد تعطلت سبعة توربينات من اصل ثمانية عن العمل في السد لدى الجانب السوري، وانخفض منسوب المياه من الف متر مكعب في الثانية على الحدود السورية التركية الى 200 متر مكعب في الثانية فقط، وعليه عجز المزارعون عن توفير الكميات الدنيا من اعلاف لمواشيهم وماتت الاشجار وهددت الثروة السمكية وانقطعت المياه عن التجمعات السكنية. امام هذه الحاجة الماسة للماء لا يمكن التذرع بعدم استخدام احدث الطرق التكنولوجية في استعمال المياه وذلك للاقدام على قطع الماء او خفض منسوبه دون رعاية لمصالح الدول الاخرى الحيوية، لكن المعقول في هذا الاتجاه ان تتعاون الدول المتشاطئة لرفع المستوى التكنولوجي. مستجدات الفرات ودخل ملف الفرات اواخر العام الماضي طورù جديدù بعدما اقدمت السلطات التركية على خطوتين اعتبرتهما دمشق ضارتين، الاولى بدء التحضيرات لإقامة سد (بيرجيك) بتمويل دولي والثانية رفع نسبة التلوث في احد روافد الفرات (البليخ) الى نسبة تجاوزت الحد المسموح به دوليù ب/125/ في المئة. حيث برهنت التحاليل المخبرية ان نسبة التلوث في البليخ قد وصلت الى »1800« ملغرام في اللتر والحد المسموح به دوليù هو (800) ملغرام في اللتر. وعلى ذلك اعدت الخارجية السورية مذكرة احتجاج سلمتها للسفير التركي المعتمد لدى سوريا /أوغور زيال/ وارسلت نسخù عنها الى الامين العام للامم المتحدة د. بطرس غالي والامين العام للجامعة العربية د. عصمت عبد المجيد وسفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن وسفراء الدول العربية والدول الممولة لمشروع السد وهي /المانيا فرنسا بلجيكا والنمسا/. واعترضت دمشق على الموافقة على تمويل مشروع على نهر دولي دون تنسيق مع الدول المتشاطئة. وابدت سوريا في المذكرة »التي نشرتها السفير حرفيù في عددها الصادر بتاريخ الاول من كانون الثاني من العام الحالي« الاعتراض على بناء سد جديد يضر بمصالح سوريا والعراق. وأرسلت الخارجية العراقية مذكرة مشابهة وردت انقرة على كل من دمشق وبغداد بأجوبة وصفها مصدر دبلوماسي سوري بأنها »مائعة« ولا تتعرض لصلب الموضوع. ولا يغيب التنسيق الاسرائيلي التركي عن بال المسؤولين في دمشق وبغداد. خصوصù في موضوع المياه. ومشروع (انابيب السلام) التركي الذي تدعمه تل ابيب هو بالنتيجة عمل تراه دمشق وبغداد غير مشروع لأنه يقوم على حساب حصتيهما من المياه في نهري دجلة والفرات. وثمة سيناريو آخر يجري بحثه في كواليس الشرق الاوسط يقوم على ربط مياه الفرات ودجلة بمياه الجولان على خلفية لهاث (تل ابيب) وراء الحصول على اكبر كمية من مياه الجولان على حساب سوريا التي قد تعوض من مياه النهرين المتنازع عليهما. وتستفيد تركيا من هذه الصفقة بدعم اسرائيلي في المجالات العسكرية والامنية. وكشفت المداولات الفنية السورية العراقية بشأن مياه الفرات التي شهدتها دمشق طوال الاسبوع الماضي عن عمق الفجوة بين دمشق وبغداد من جهة وانقرة من جهة مقابلة. فقد كسر الاعلام السوري تقليده في تجاهل الاتصالات السورية غير السياسية مع حكومة بغداد ليعلن للمرة الاولى عن هذه الاجتماعات ويتحدث عن (وجهات نظر متطابقة في هذا الموضوع)... وشرع مدير الادارة القانونية في وزارة الخارجية السورية عضو الوفد السوري الى المحادثات السورية العراقية والسورية العراقية التركية حول مياه الفرات السفير منيب الرفاعي ابوابه للصحافة في اجراء غير مسبوق ليُسمع انقرة وجهة نظر سوريا. يقول الرفاعي: نحن والاخوة العراقيون متفقون في موضوع مياه دجلة والفرات ولا توجد موضوعات أو تفسيرات في هذا الموضوع نختلف عليها. لقد كانت مناقشاتنا منصبة على كيفية التوصل الى الصيغة لقسمة عادلة لمياه الفرات بين الدول الثلاث... يضيف: ان هذا امر يحتاج الى قرار سياسي... واللجان الفنية وحدها لا تكفي. نحن في سوريا واخوتنا في العراق نطالب بحقوقنا وعلى الحكومة التركية ان تأخذ قرارها. اننا ومنذ ربع قرن ندرس النواحي الفنية واصبح لدينا معلومات وافية كافية. والحل ليس هنا او في بغداد... انما في انقرة التي تتجاهل حقوقنا... ويقول أيضù: لقد وضعنا المنظمات الدولية الاقليمية بصورة الامر، كما وضعنا الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن والدول التي وافقت على تقديم مساعدات الى تركيا على شكل قروض لإنجاز مشروعات على دجلة والفرات بصورة الامر... وابلغنا الجميع ان هذا ينعكس سلبù على حقوقنا. وانه لا يحق لتركيا اقامة مشروعات على دجلة والفرات دون موافقة سوريا والعراق لان ذلك يسبب اضرارù بالغة لنا. ولم يُخف الرفاعي موافقة دمشق على لقاء وزيري خارجية سوريا والعراق في القاهرة على هامش اجتماعات مجلس الجامعة العربية منتصف آذار المقبل ويعكس هذا اللقاء المحتمل دلالات واضحة لجهة اصرار دمشق على الذهاب ابعد (مما تظن انقرة) في سبيل حقوقها من المياه. ويضيف الرفاعي (ان امام مجلس الجامعة العربية بندين بشأن المياه يتعلق اولهما بإحداث مركز مائي في دمشق ويتعلق الثاني بنهري الفرات ودجلة ومستجداتهما). وترغب دمشق ومعها بغداد بإعطاء الازمة بعدù اقليميù كمرحلة اولى للضغط على تركيا التي لها علاقات اقتصادية مع عدد من البلدان العربية. على ذلك يمكن تلخيص موقف دمشق على النحو التالي: اولا ان الفرات موضوع لا تسمح سوريا بالمساس به ولا تقبل بالتنازل عن حقوقها فيه. ثانيù ان حق سوريا بالمياه قائم وثابت ومستند الى اتفاقات وتشريعات دولية وبعضها مسجل لدى الامم المتحدة. ثالثù ان سوريا ترى ان موضوع المياه هو موضوع قانوني ولا يمكن ان يكون ورقة سياسية. رابعù ان الطرف الوحيد المستفيد من توتير الاجواء العربية التركية عمومù والسورية التركية خصوصù هو اسرائيل التي تسعى لاستثمار اي حالة توتر في المنطقة في سبيل اهدافها ومخططاتها الامنية والمائية والاقتصادية. خامسù ان الاقدام على تحويل السدود التركية من قبل دول اوروبية يلحق اضرارù فادحة بالجانبين السوري والعراقي على قاعدة تجاهل موقف الدول المتشاطئة في النهر الدولي. سادسù ان دمشق تريد التفاهم فعلا وفق القوانين والاعراف الدولية والمصالح المستقلة. ... حتى الساعة تعتبر الآمال حول التوصل الى اتفاق نهائي حول المياه بين تركيا وسوريا والعراق معلق والشك هو حصاد السنوات الماضية الى اين من هنا..؟ هذا هو السؤال. (الاثنين: كتاب الخارجية العراقية الى انقرة والرد التركي عليها).