الكتاب: حدود حرية التعبير المؤلف: د. مارينا ستاغ ترجمة: طلعت الشايب الناشر: دار شرقيات هذا كتاب هام، وهو رسالة لنيل الدكتوراه أعدتها الباحثة السويدية »مارينا ستاغ«، وتقدمت بها لجامعة ستوكهولم في 1993. وقبل صدور الترجمة العربية للكتاب، أثار لغطù محدودù بين من قدّر لهم أن يعرفوه في طبعته الانكليزية، خاصة أن صاحبته ترددت على القاهرة أكثر من مرة . وأجرت مقابلات مع أكثر من أربعين قاصù وروائيù من الكتّاب الذين حققوا شهرة عريضة مثل نجيب محفوظ ويوسف ادريس، الى كتاب لا يكاد يعرفهم أحد إضافة الى عشرين من الكتاب الآخرين. يجري بحثها على ثلاثة مستويات رئيسية: النظام صناعة النشر الكتّاب. المستوى الأول يركز على: (أ) التشريعات والوسائل الأخرى المقيِّدة لحرية التعبير، (ب) القمع الموجه الى خصوم النظام ومعارضيه، (ج) السياسة الثقافية للدولة. وبالنسبة للنشر فهي معنية بنفوذ الدولة المتنامي وسيطرتها على هذا القطاع. أما على مستوى الكتاب فإن اهتمامها الأول ينصب على مظاهر القمع الواضحة والرقابة وغيرها من الحقبات التي تعوّق النشر، وقد اقتصرت على الكتّاب الذين لهم على الأقل رواية أو مجموعة قصصية واحدة منشورة في كتاب في الفترة بين 52 و74. المنهج ثم تحدد منهجها: »من الناحية المنهجية أتتبع مسارات مختلفة حسب المادة، حيث يبدأ العمل بوصف تاريخي لحالة حرية الكلمة في مصر خلال ثلاثين عامù، من الحكم العسكري، وفي الفصل الذي يليه أطبق الطرق الكمية على المصادر البيبلوغرافية لدراسة آثار عملية احتكار الدولة للنشر. الفصل الرابع يركز على قمع الكتّاب، ويتمحور حول قائمة بأسماء الذين قُبض عليهم أو اعتُقلوا أو سجنوا. الفصل الخامس يقدم تحليلاً لظاهرة أدب المنفى (تعني الأعمال المنشورة خارج القاهرة) في سياق اجتماعي أدبي، يعتمد على بعض المقاييس الكمية ويتقصى الحالات الفردية. الفصل الأخير هو الأكبر حجمù، يركز على الرقابة وغيرها من آليات القمع، كما تم تقصي مشكلة الرقابة بأشكالها المختلفة في 31 دراسة حالة. أما الطريقة المتبعة في كل حالة، فقد حددها الى درجة كبيرة نوع التحدي الذي يقدمه كل مثال.. وقد استخدمت النصوص الأدبية في بعض الأحيان كمادة من التحليل الوصفي للمناخ الثقافي.. أما قضية الرقابة الذاتية فقد اقتصرت على بعض الحالات الواضحة، حيث تم التخفيف من وطأة بعض النصوص، أو حذف بعض الأمور الحساسة منها..«. ولا شك عندي في أن الباحثة قد بذلت جهدù كبيرù في جمع مادتها وحسن تناولها خاصة في »دراسات الحالة« التي قدمتها، وبلغت فيها مستوى طيبù من البحث والتحليل، وانها وصلت الى نتائج صحيحة في معظمها على وجه العموم، من تلك النتائج على سبيل المثال إدراكها الاختلاف القائم بين مسلك كل من عبد الناصر والسادات تجاه قضايا الثقافة والمثقفين، برغم اشتراك نظاميهما في التوجه العام: »يبدو ثأر السادات من بعض منتقديه ومعارضيه معقولاً إذا ما قورن بالإرهاب الذي أطلقه عبد الناصر، ولكن إذا كان القمع في عهد عبد الناصر قد استهدف المعارضة السياسية المنظمة والحركة الشيوعية السرية والاخوان المسلمين، فإنه في عهد السادات كان موجهù ضد النخبة والثقافة والاعلام، كان السادات لا يثق بالمثقفين ويعتبرهم أعداءه ويشير إليهم »بالأفنديات« بالمعنى الازدرائي للكلمة، وبدلاً من اكتسابهم الى صفه، كان يحاول التقليل من شأنهم..«، وبعد أن تتابع مختلف الاجراءات التي اتخذها نظام السادات تجاه الكتّاب والمثقفين بدءù مما عرف »ببيان توفيق الحكيم« في أول 73، ومرورù بقوانين »حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي« و»حماية القيم من العيب«، تصل الى ما حدث في 6 سبتمبر 81: ألقي القبض على الآلاف برغم الفتنة الطائفية.. كان بين المعتقلين 250 من أبرز الشخصيات العامة: قيادات نقابة المحامين ونقابة الصحافيين وأحزاب المعارضة وجميع أعضاء البرلمان المستقلين الى جانب عدد من قادة الرأي. »وما فعله معظم هؤلاء المثقفين العلمانيين، بالتأكيد، لم يكن إثارة الخلافات الدينية، وإنما كان نقدù لاتفاقيات كامب ديفيد ولسياسة السادات الاقتصادية وللفساد. وعندما اغتيل السادات في 6 أكتوبر 81 كان هناك أكثر من ثلاثة آلاف من معارضيه في المعتقلات.. وكان أسوأ جانب في حكم السادات بالنسبة لحرية التعبير هو ذلك النزف الثقافي الذي حدث، فقد تم تطهير الصحافة ودور النشر من معظم العناصر اليسارية والليبرالية، وعزل المثقفين القياديين من الحياة، وتفكيك أجزاء كثيرة من الصرح الثقافي الذي شيّده عبد الناصر..«. رواية »الأرض« من تلك النتائج الهامة والصحيحة أيضù ما تصل اليه الباحثة، أن أحدù من الروائييين والقاصين الذين سُجنوا أو اعتُقلوا، لم يكن ذلك نتيجة ما كتب. بعبارة أكثر تفصيلاً: تضم بيبلوغرافيا الباحثة أربعين كاتبù من كتّاب القصة والرواية تم اعتقالهم أو سجنهم بين 52 و81، ومن البيبلوغرافيا يمكن أن نرى أن عمليات سجن الكتّاب كانت تتم على فترات، وتتبع نمطù معينù من القمع: من 52 الى 56 (16 حالة)، من 59 الى 64 (17 حالة)، من 65 الى 70 (9 حالات)، من 71 الى 77 (9 حالات أيضù على فترات متقطعة)، وفي 81 (3 حالات). وتقوم الباحثة بتحليل مادتها حسب التسلسل الزمني السابق، لتخلص الى الاستنتاج التالي: »إن كتّاب القصة والرواية، برغم تجربتهم الواسعة في السجون والمعتقلات المصرية كانوا نادرù ما يُسجنون بسبب رواية أو قصة (...) بعض الكتاب كان يقبض عليهم لأسباب سياسية فقط مثل عضوية تنظيم يعتبره النظام غير شرعي، ولكن الغالبية كان يُقبض عليهم بصفتهم صحافيين أو كتّاب أصحاب رأي سياسي..«. والباحثة تستثني عبد الرحمن الشرقاوي من هذا الحكم العام، فتذكر أنه اعتقل مدة شهرين في 54، نتيجة نشر روايته »الأرض«، وتعود لتؤكد هذه »المعلومة« في ما تكتبه عنه. ولست أظن هذا صحيحù، فكثيرون ممن يعرفون الشرقاوي حق المعرفة ينكرها، بل ان الباحثة ذاتها تشكك فيها، فتكتب في أحد هوامشها: »عندما أجريت مقابلة مع عبد الرحمن الشرقاوي في سبتمبر 83. لم يكن واضحù في كلامه عن السبب: »لم يكن مسموحù بأي كتابة ضد سياسة عبد الناصر، وكان يمكن أن يؤدي ذلك الى الاعتقال..«، أما يوسف إدريس فيرجع في الوقت نفسه الى حكاية »الهجانة« في رواية الأرض ويقول إن الرئيس محمد نجيب نفسه، وهو من أصول سودانية، غضب غضبù شديدù لأنه اعتقد أن الشرقاوي كان يهاجم السودانيين (وهم جنود الهجانة). ولكن هذا التفسير ليس معقولاً حيث أن قائد الهجانة، وهو الشاويش عبد ا"، يندم على استخدام السوط فيصبح بطلاً للقرية كلها..« (ص 75)، وتعود مرة ثانية الى هذا التشكيك في هامشين آخرين (ص 301). يوسف إدريس والحقيقة انه ليس بين يديها ما يؤكد هذا الزعم سوى رواية يوسف ادريس المشكوك في صحتها، والحقيقة أيضù كما يعرف كل من اقترب من يوسف، وأصحاب الدراسات الجادة عنه كذلك أنه كان يخلط خلطù شديدù في مقابلاته وأحاديثه، وأنه يمزج الحقائق بالأوهام، وما حدث بما كان يتمنى أن يحدث (يصدق هذا الفهم بطبيعة الحال على مذكرة يوسف عن نفسه، فهي تنقل عنه انه »اعتقل لمدة شهرين في 49« ولمدة ثلاثة شهور في أوائل 52، وفُصل من الجامعة لمدة عام بعد أن طبع ووزّع دورية سياسية بعنوان »مجلة للجميع« في 50«، ويؤكد كثيرون من زملائه في الجامعة آنذاك أن هذا كله ليس صحيحù، وأن يوسف لم يُفصل من الجامعة، ولم يعرف السجن أو المعتقل قبل 54، والمؤكد عند الجميع انه اعتقل ثلاثة عشر شهرù (من أغسطس 54 الى سبتمبر 55)، وأنه ذكر لأصدقائه وعارفيه انه اتخذ قراره بألا يعود الى السجن مرة أخرى، مهما كان الثمن الذي يتوجب عليه أن يدفعه، وقد وضع قراره موضع التنفيذ بحزم وصرامة، وزاد نجمه سطوعù في ظل النظام الجديد. من ذلك أيضا تلك الحكاية »الطريفة« التي تنقلها الباحثة عن يوسف، وتبدأ بها الفصل الثاني من كتابها: »في يوم الثالث والعشرين من يوليو عام 52، كان الطبيب الشاب يوسف ادريس يجري أول عملية جراحية.. عندما همس في أذنه طبيب التخدير بأن الجيش قد استولى على السلطة وخلع الملك. فترك العملية لأحد زملائه وهو يكاد يطير من الفرح واندفع خارجù من المستشفى!« أرأيت الى أين يصل خيال القاص الموهوب؟ الى جانب صعوبة أن يترك جرّاح العملية لزميله، فقد فات يوسف ان استيلاء الجيش على السلطة وخلع الملك لم يحدثا في يوم واحد، بل انقضت أربعة أيام كاملة بين الحدثين! شبيه بهذا ما تذكره الباحثة عن بعض القاصين والروائيين من الجيل التالي، وموقف الرقابة من أعمالهم (بوجه خاص ما يرويه يوسف القعيد وإبراهيم عبد المجيد وجمال الغيطاني)، فما نعرفه جميعù ان أيù من هؤلاء لم تتخذ الرقابة بأي شكل من أشكالها موقفù من أعماله ولم ترفض لأيّهم شيئù، هم دائما آمنون وفي خدمة النظام القائم، مهما تغيرت توجهات ذلك النظام. وأود أن أضيف ملاحظة هنا حول »الاعتقال« الذي تعرض له الغيطاني في 66 وسط حفنة كبيرة من الكتاب والمثقفين. لم يكن ذلك الاعتقال إلا نتيجة صراع بين جناحين من أجنحة النظام ذاته، وأين؟ داخل مؤسساته السرية والعلنية: »التنظيم الطليعي« من ناحية، و»منظمة الشباب« من الناحية الأخرى. بعبارة أخرى: لم يكن اعتقالهم لأنهم معادون للنظام بقدر ما كان لأنهم مسرفون في الولاء لأحد اجنحته دون الآخر، من هنا تختلف طبيعة القمع عن تلك التي تعرض لها آخرون. الموقف ذاته ينطبق على أعمالهم التي نشرت خارج القاهرة، فلم يكن الدافع الى نشرها في بيروت أو بغداد أو دمشق هو صعوبة نشرها في القاهرة، بقدر ما كان طموحù الى الحصول على مكافأة مجزية من جانب، وضمان توزيع أوسع في العالم العربي، نتيجة القيود المفروضة على تصدير الكتاب المصري من الجانب الآخر، لكنهم عادوا جميعù، وبلا الاستثناء، يعيدون نشر تلك الأعمال في القاهرة (نشر الغيطاني على سبيل المثال روايته »الزيني بركات« في دمشق، 74، وفي العام التالي مباشرة نشرها في القاهرة، فما الذي كان قد تغير في عام واحد؟ كذلك الأمر بالنسبة للقعيد: نشر »أيام الجفاف« في بيروت والقاهرة معù في العام ذاته، ونشر »حكايات الزمن الجريح« في بغداد أولاً في 80، ثم في القاهرة في 82، وهكذا!). ولأن دراسة الباحثة تقع في مجال »علم اجتماع الأدب«، لا »النقد الأدبي«، فهي لا تتعرض لفنية العمل أو مستواه أو درجة تميزه، وهي من ثم لا تضع في اعتبارها صعوبة نشر الأعمال لرداءتها وقيمتها المحدودة قبل أي شيء آخر. وكتّاب مثل الذين سبقت أسماؤهم برغم انقضاء أكثر من ربع قرن على نشر أعمالهم الأولى ما يزالون يحيطون أنفسهم بقدر هائل من الدعاية والاعلان يستخدمون فيه كل الأسلحة والأدوات يتجاوز كثيرù جدارة هذه الأعمال أو تميزها. لكننا لا نستطيع أن نلوم الباحثة لاستسلامها لتلك »الأكاذيب«، هي قد وثقت بما يقوله لها أولئك الكتاب، من دون أن تحسب وما كان لها أن تفعل أن بعضهم يكذب، وبعضهم يدّعي، وبعضهم ينتفش ويتغنج! ويبقى الكتاب كله باتساع رؤيته وجِدَّة موضوعه ومجمل النتائج التي توصل إليها جديرù بالقراءة والاهتمام.