لم يكن شريط »الشيخة« أول عمل سينمائي لليلى عساف، حول مادة لبنانية. ففي العام 1988، بعد اخراجها ما لا يقل عن المئة فيلم وثائقي لحساب التلفزيون السويدي، تناولت مواضيع عالمية متنوعة، حققت عساف »الشهداء« الذي اختارت فيه حكاية المناضلة اللبنانية الشهيدة سناء محيدلي ، انطلاقاً من مجموعة حكايات حول عدد من الشهداء اللبنانيين. في العام التالي، أنجزت »الهروب«، عن صبي سوداني يهرب من حرب بلاده. وعام 1991، حققت »اميليا«، عن ابنة تقع ضحية ثقافتين متناقضتين، بسبب كون أمها سوداء وأبيها أبيض. الى ذلك، فإن ليلى عساف في صدد التحضيرات اللازمة لانجاز سيناريوهين اثنين: الأول بعنوان »جوان المتوحش«، عن صبي في الثانية عشرة من عمره، تدور الأحداث في القرن السادس عشر، حين سافر الصبي في أول باخرة سويدية الى افريقيا، وتبنّته احدى القبائل، فصار يدافع عنها ضد السويديين، (في محاولة من المخرجة اظهار العبودية والعنصرية). وتبلغ ميزانية الانتاج حوالي مليون ونصف مليون دولار. أما الثاني فعنوانه »رحلة الى اليمن السعيدة« عن ستة علماء من أوروبا الشمالية يسافرون الى اليمن حيث المغامرات والحب (يحبون فتيات عربيات)، وحيث اللقاء بين الثقافتين الأوروبية والعربية. وتكاليفه تصل الى الثلاثة ملايين دولار. »الشيخة« تقول ليلى عساف، بداية، أن موضوع الأطفال اللصوص يعتبر خطراً، نظراً الى ما يمكن أن يؤثر في بيئة المجتمع اللبناني، الطالع من سنوات الحرب الطويلة، اذا لم يتم التنبه الى هؤلاء الصغار الذين لا يشبهون المجرمين الكبار الذين اعتدناهم. لكن الذي دفعها الى اختيار »الشيخة« مادة لفيلم سينمائي، يكمن في قدرة فتاة صغيرة على كلام جريء ووقح، خلال مؤتمر صحافي عقدته زعيمة العصابة وبثّته أجهزة التلفزة: »كنت في البيت حين شاهدت وقائع هذا المؤتمر الصحافي في أحد السجون اللبنانية. كانت الشيخة قصيرة وصغيرة وسط تلك القامات الطويلة من حولها، حليقة الرأس بعينين كبيرتين. تساءلت في نفسي: ابنة العشرة أعوام هذه، كيف تستطيع الكلام بمثل هذه الجرأة؟ ثم كيف وصلت إلى هذه الحالة؟ تأثرت كثيراً ورحت أفكر بها. وحين سافرت الى السويد، كتبت رسالة الى معهد السينما هناك (Institut Du Cinema Suedois) أشرح فيها بعض تفاصيل قصة الشيخة، ورغبتي في اجراء بعض التحقيقات حولها. رجعت الى بيروت وفتشت عنها. ذهبت الى السجن، فقيل لي يومها ان ثمة رجلاً يدعى نبيل، ثري كبير، تبناها لينقذها من الحياة السيئة التي تعيشها. بحثت عن الرجل، ثم زرت منزل أهلها، فاكتشفت ان والدها توفي. تحدثت الى أمها وشقيقها ورفاقها في العصابة وبقية اخوتها. وجمعت أكبر عدد ممكن من المعلومات الضرورية. وبعد سنة ونصف، انتهيت من كتابة السيناريو«. تضيف عساف: »أنا لم أتأثر فقط بالفتاة الصغيرة التي شاهدتها على التلفزيون. بل ثمة أمور أخرى، مثل: كيف يسجنون فتاة في العاشرة من عمرها، وشقيقها في التاسعة، في سجن مع عدد من المجرمين الكبار؟ علماً أن هؤلاء الصغار اقترفوا جرائم تكاد لا تُذكر قياساً لهؤلاء الكبار. بالإضافة الى امر آخر: في اوروبا، وبعد انتهاء الحرب، اعتقدوا بأن كل شيء بات على ما يرام . بالنسبة إلي، الأمر معكوس: انتهت الحرب وبدأت المشاكل. هذه الشيخة واحدة من نتائج الحرب. ثم قبل الحرب، لم نكن نشاهد صغاراً يتجوّلون في الشوارع ويشحدون »مثل اليوم«. التخييل الدرامي رداً على سؤال حول الحدود التي تفصل الحقيقة عن الفعل الدرامي في الفيلم، قالت ليلى عساف: »حين تحصل على كمية كبيرة من المعلومات، عليك أن تضغط عليها بقوة، لأنك إذا أنجزت فيلماً لا يروي الا الحقيقة كما هي في الواقع، فإن العمل يصبح مضجراً بعض الشيء. يجب ادخال عنصر التخييل الدرامي، واعتماد خط تصاعدي: بداية ، تقدم الموضوع، ثم تروح تتعمق بالشخصيات، وتسعى جاهدا الى تقديمها بشكل يدفع المشاهدين الى التعاطف معها، أو على الأقل الى حبها. ثم هناك العقدة والديباجة«. وأضافت عساف قائلة: »من الأمور التي لم انقلها كما هي، عنف الأب. طبعاً لم أصوّر أي شيء، كما هو تماماً، بل أضفت اليه بعض الفانتازيا، عاملة على دفع المشاهد الى التفكير بالموضوع، بدلاً من تقديم كل شيء له بسهولة. الفيلم العصري يمعن في تصوير العنف، في حين اني لا أحب هذه الأمور، التي تمنعك عن التفكير. انا أدفع المشاهد الى التفكير. هذا ما أريده. آعود إلى عنف الأب: ففي الواقع، كان الأب عنيفاً جداً في تعاطيه مع أولاده وعائلته. عملت على تخفيف هذه الحدة، من دون تناسي الاشارة الضرورية الى كونه قاسياً. إذا أظهرت عنفاً أكثر من هذا، يصبح الفيلم موجهاً إلى فئة من المشاهدين، من دون الأخرى. أريده أن يؤثر في كل الناس«. من جهة اخرى، كان سؤال حول اظهار الفيلم بأن الفقر والتشرد والعوز، يدفع بالمرء الى ارتكاب جريمة ما (سرقة، قتل وما شابه). تقول عساف: »أعتقد بأن البؤس هو الذي يفعل ذلك. حتى يصبح الواحد منا يائساً، فإنه يتصرف هكذا. ما من أحد يرغب في ارتكاب الجريمة، بل ان أحلامنا تكون حول الغنى والسيارات الفاخرة (مثلاً) والفتيات الجميلات وغير ذلك. لا يمكن ان يدور الحلم حول الفقر والجوع والتشرد. لا أحد يحلم بهذه الأمور. هذه المسائل يصنعها الانسان حين لا يكون أمامه طريقة أخرى للتصرف. ولكن، فيما بعد، حين يعتادها، نراه يضعها في اطار اسلوب عيش، ويروح يتفنن بارتكابها. أما في البداية، فلا أحد يريد ذلك«. كما أشارت عساف الى أن الصبي »حين يولد، لا يكون نجساً. اذا أحببته، يصبح أفضل انسان. كانت الشيخة تسرق من أجل أبيها. الطفل يخاف من أن يتركه الذين حوله. يريدهم أن يهتموا به. فإذا لم يفعلوا ذلك، يتحول الى عقد نفسية قد تدفعه الى أمور غريبة. ابنة الأعوام العشرة كانت تحتاج الى أهلها. لكنهم لم يهتموا بها كما يجب. أنا أؤمن بالانسان، خصوصاً الأطفال. أما اذا كان لديهم أية ميول سلبية، فيجب أن يكون أمامهم أماكن إصلاحية، تعينهم على التفريق بين الخير والشر. في الفيلم، كانت نية نبيل ايجابية جداً وصالحة جداً، حين أراد انقاذ هذه الفتاة من عالمها. لكنه، وان كان غنياً، فهو لم يكن يملك لا الوقت ولا الاهتمام: هؤلاء الناس يحتاجون فعلياً الى الاهتمام«. السينما اللبنانية تدرك ليلى عساف واقع السينما اللبنانية، لجهة المعاناة التي تعيشها بسبب عدم وجود المال الكافي: »أرى أن ثمة أموالاً كثيرة في لبنان، لكنها لا تستخدم في مجال السينما. فإذا لم تكن الحكومة تملك مالاً كافياً، يمكن الاستعانة بمبدأ الكفالات أو الرعايات التي تذهب في غالبيتها الى الرياضة. لماذا لا يتم رعاية عمل سينمائي مثلاً؟ فمن دون المال لا تستطيع أن تفعل شيئاً. ثمة افكار كثيرة وأناس محترفون يمكنهم انجاح اعمال سينمائية. لكنهم بحاجة الى الفرصة المناسبة والمال اللازم. السينما تراث، ولا يمكن التعاطي معها بلا مبالاة. فالسينما طريقة لاظهار وجه لبنان في الخارج«. حاورها: نديم جرجوره