سطر واحد فقط ورد مؤخراً في تقرير لجنة العلاقات الخارجية الاميركية حدد لوحده المهمة الرئيسية المطلوبة لهذه المرحلة تحت عنوان «جعل المخابرات اكثر نشاطا وذكاء»: «مستقبل الاستخبارات الاميركية». وجاء في هذا السطر: «يجب على الاقل، النظر مجددا (او القاء نظرة جديدة حديثة) بحدود اللجوء الى «التغطيات» غير الرسمية لاخفاء وحماية المتورطين في نشاطات واعمال سرية». سطر واحد فقط، الا انه لفت الاهتمام الكثير للمراقبين المتمرسين في شؤون وكالة الاستخبارات الاميركية (سي. آي. إي). وحين سألت مدير المشروع، ريتشارد هاس، وهو مستشار سابق لشؤون الأمن القومي في عهد الرئيس جورج بوش، عن مقصده من كلمة «تغطيات غير رسمية» قال ان الوقت على الاقل، هو للنظر والاهتمام برفع او الغاء القيود المفروضة على عملاء سي. آي. إي. من مراسلين ورجال دين». ويبدو السيد هاس غير مدرك للاحداث الماضية او الحكاية الكامنة لهذه القيود. ففي العام 1976، نقلت شاشة سي. بي. اس، خبرا مفاده ان وكالة الاستخبارات الاميركية ورئيس مجلس ادارة سي. بي. اس. (C.B.S) وليام بالاي، تدبرا اتفاقا منحا بموجبه، في الخمسينيات، عميلين للسي. آي. إي. من ستوكهولم والقاهرة، اعتمادات من السي. بي. اس، للابقاء على تغطيتهما يعملان كمراسلين حاليين للشبكة. ولقد كشفت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، برئاسة فرانك شيرش ان نحو خمسين صحافيا اميركيا كانوا لمرة او اخرى، ضمن العملاء المؤقتين للسي. اي. إي، وردت اسماؤهم على جدول رواتبها، الا انه لم يكشف عن اي اسم مما اثار الكثير من الشائعات. غير ان الصحافي سام جيف كشف ان السي. اي. اي، تدبرت مع السي. بي. اس، ارساله الى موسكو لتغطية محاكمة الطيار الاميركي غاري بويرز، قائد طائرة التجسس الاميركية يو ـ2ـ الذي اسقطت طائرته في اراضي الاتحاد السوفياتي في العام 1960. كما كشف جيف ان بحوزته لائحة باسماء صحافيين آخرين لهم علاقة بالسي. اي. اي. من ضمنهم والتر كورنكيت الذي سارع الى انكار هذا الخبر بشدة. كانت عادة بعض مدراء مراكز السي. اي. اي، الاشارة في تقاريرهم الى المراسلين «كمصادر» اخبار لهم، مرتكزين على مجرد احاديث عرضية متقطعة، هي التي ادت الى البلبلة والالتباس. فاسماء المراسلين «هؤلاء» كانت ترد في ملفات الوكالة بسبب هذا الامر. ومع ذلك، اثار خبر الدفع لبعض المراسلين بدل عملهم كعملاء السي. اي. اي، الشكوك بسمعة المهنة ووصمها بالعيب. وقد اصدر مدير الوكالة في عهد الرئيس بوش تعليماته ردا على تقرير لجنة مجلس الشيوخ فاكد «ان السي. اي. اي. لن تدخل في اي علاقة مالية او تعاقدية مع اي مراسل اخبار متفرغ او غير متفرغ يعمل لدى اي مؤسسة اعلامية في الولايات المتحدة، اكان ذلك من صحف او مجلات او اذاعة او تلفزيون». وحين طلب مدير السي. اي. اي. في عهد الرئيس جيمي كارتر، ستانسفيلد تورنر، اصدار بيان علني يحظر استغلال الصحافيين قال: «ان من شأن حظر اي نوع من الاتصال والتعامل بشكل مطلق بين الصحافة والسي. اي. اي. ان يناقض سعينا الى اننا نعمل كلنا لخدمة بلدنا». وبسبب هذه القضية ـ القصة وراء اتهام الصحافيين بالعمل لوكالة السي. اي. اي. ونظرا لاستمرار الالتباس والغموض، وجد السوفيات من السهل جدا اتهام الصحافيين الاميركيين بأنهم جواسيس حالما يكتب هؤلاء الاخيرون عنهم اخبارا ليست لمصحلتهم. وكنت في العام 1957، مراسلا للسي. اي. اس في موسكو، وتم اعتقالي لفترة مؤقتة قصيرة بتهمة انني التقط صور تجسس لان المصور العامل معي التقط صورا لمحل تجاري. وكانت تلك الحادثة نهاية لعملي في موسكو. وكان يمكن ان يسوء الامر اكثر. ففي العام 1986، وحين ارادت الكا. جي.بي. (وكالة الاستخبارات السوفياتية) الامساك باميركي لمبادلته بالجاسوس السوفياتي المعتقل في نيويورك، اتهمت مراسل شبكة «يو ـ اس نيوز آند وارلد ريبورت» نيكولاوس دانيلوف، وسجنته بتهمة التجسس لصالح وكالة السي. اي. اي. وهو امر مضحك لكل من يعرف نيك دانيلوف. الا ان السي. اي. اي، وبسبب ممارساتها السابقة، جعلت من كل مراسل اجنبي اميركي مشتبها به كعميل لها. وها هي اليوم لجنة الشؤون الخارجية واعضاء من مجلس الأمن القومي مثل برنت سكوكروفت ونائب مدير السي. اي. اي. السابق ريتشارد كير، واشخاص من عالم الصحافة مثل المحرر السابق في مجلة «تايم» هنري غرونولد والمحلل السابق في «نيويورك تايمز» لسلي غلب، كل هؤلاء وقعوا على التقرير الذي يتضمن ذلك السطر الوحيد الداعي الى اعادة النظر مجددا بمنح التغطية غير الرسمية لعملاء السي. اي. اي. اي ان النتيجة الحتمية للجيل المقبل من المراسلين الاجانب ورجال الاكليروس، ستكون تعريضهم للشك وجعلهم هدفا هشا لاي حكومة عدائية مقبلة تستغل مبرر «اننا نعلم من الملفات ان السي. اي. اي. تستغل رجال دين وصحافة كتغطية لها ولنشاطاتها الشنيعة. ولا بد ان تكونوا انتم من هؤلاء. (عن الـ«هيرالد تريبون» 13 شباط 1996) (ü) محلل اخباري في اذاعة «ناشيونال بابليك راديو».