هذا لا يعني ان دريد لحام بات بعيداً عن الهموم والتطلعات الشعبية، بل هو في قلبها، خصوصاً في حلقاته الكوميدية، التي أعطاها عنوان »أحلام أبو الهنا« وهي من اخراج هشام شربتجي. الكوميديا التي ترسلها قناة »تلفزيون لبنان«، تستلهم الآمال والطموحات والهواجس الشعبية، التي تشكل مادة الهموم السورية في منحاها، والعربية في منحاها الآخر. المفاجأة في »أحلام أبو الهنا« يلعب دريد لحام شخصية جديدة تماماً. انها غير شخصية »الدوغري«، ولا تلمح الى أية شخصية أخرى من شخصياته القديمة. شخصية طازجة ومركبة، بما يعنيه التركيب على المستوى الأدائي غير المفتعل. هي مصهورة، اذا ما جاز التعبير، قائمة على طيبة قلبها، وعلى حبها للآخرين. ولن تخشى هنا، إقامة ثنائية بينها وبين »أم الخير«، زوجته، بهدف إقامة مساحات محاكاة للوقائع الراهنة الضاغطة على المواطنين. يجري ذلك كله، وسط حارات شعبية وفي أجوائها، أجواء لن تحمل سوى الى رفعة مضمونة، خصوصاً لجهة الشخصيات، التي لا تبالغ، قدر مبالغة الأحداث. وذلك في منحى »غروتسكي« ينفخ الأشياء لكي يفضحها. وإذا ما كانت المفاجأة في »أحلام أبو الهنا« قد تمثلت في ذلك الطلاق الممتع بين دريد لحام وشخصياته القديمة. فان ما يسرّ حقاً هو شخصية فارس الحلو، التي تقوم على تركيب واقعي مؤلف من مكنة حضور الشخصية في مجتمع متأزم، ومن انهيارها القليل المتمثل بضحك غرابي. أما الشخصيات الأخرى، فهي مدماك إضافي من تاريخية حضورها، في مسلسلات سورية اخرى، على قدر كبير من الاجادة. واقع كاريكاتيري في واحدة من الحلقات، تحول الموز الى بطل. حين قامت شهية المواطنين عليه، فقد لعدم توفره في الأسواق. لن ترتدع »أم الخير« عن الحرد، ومن ثم السكن لدى أهلها، نتيجة رفض أبي الهنا شراء كيلو موز كانت طلبته. أما رفضه فعائد الى واقعة اقتصادية، لما وصل سعر كيلو الموز الى مئتي ليرة سورية، وهو مبلغ مرتفع. انها زاوية مفارقة، سينسج عليها المؤلف اعتمالاته تجاه ما يطلق عليه موضوع الاقتصاد في السوق. وسوف تتتالى الصور، كاريكاتيرية، ولكنها حقيقية. لما أن الواقع تحول الى واقع كاريكاتيري، مع تراكم الأوضاع بغرائبية، فوق كواهل المواطنين. وهكذا سنجد أنفسنا أمام المسؤول الذي يشيد بفاكهة بلاده، والموز خارجها، قبل أن نجده في مقابلة تلفزيونية مستتبعة، يشيد بفوائد الموز الذي تربى عليه طارق بن زياد، قبل ان يلقي خطبته الشهيرة في الأندلس، لما سمحت الحكومة باستيراد الموز فأغرقت الأسواق به. وهكذا وجدنا الأب المستدعى، يعترف للمدرسة بأنه من أوهم ابنه بأن الجزر موز، وبأن الخيار موز أخضر. بعد مشهد القافلة التي تعبر الحدود البرية، بين سورية ولبنان، حاملة ما يطلبه المواطنون، سوف تنقلب الحال رأساً على عقب، حين تخصص المستشفيات أركاناً وزوايا فيها للمتزحلقين على قشور الموز، التي تغطي أرض الشوارع. وسوف تندلع ابتكارات على مستوى الطبخ، لادخال الموز، في العديد من أصناف الطعام ومواصفاته. واللافت انه وسط هذا الخضم، لم تتحول الحلقة من حلقات »أبو الهنا« الى مجموعة من السكتشات (كتبها حكم البابا، وسيدة من آل الكركوتلي) بل انها سوف تنشدّ دائماً، بواسطة رهافة طالعة من وجع حقيقي، الى صوغ الحالات في لغة واحدة، تعتمد على ضرب هارموني على الجملة الواحدة. حتى اننا نقع في خلال الحلقة الممتدة على زمن طويل، على مقاطع »بارودية« (تضخيم على التضخيم) من دون المساس بالجوهر الرقيق لنقد السياسة الاقتصادية، التي تغرق السوق بصنف واحد. توتر متسلسل جرأة، بدأت تظهر في الفترة الأخيرة، في مجموعة من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية السورية. تقرأ الواقعة من زوايا تنأى عن العدائية السياسية، الى محاولة تقويم الوضع من خلال هجائه. ولن يقوم الأمر على جرأة في طرح الموضوعات، او تجديدها. بل إن فهم دور الدراما التلفزيونية في سوريا، بات أميل ما يكون الى مساوقة قوة حضور الموضوع، بقوة حضور الصورة، وتقطيعها، بفرادة، وعلى ايقاعات داخلية. دريد لحام المحوري، يفسح في المجال الرحب للآخرين خصوصاً، المتألق فارس الحلو. ولكنه في افساحه حيزاً واسعاً لهؤلاء، لن يتخلى عن اجتهاده الكبير، حتى يقيم شخصية أبي الهنا على جدة، بما لا يردها الى مصدر عتيق. انها شخصية جديدة ولو انها نابعة من قوته الكبيرة، وخبرته، كما هو »أحلام أبو الهنا«، متسلسل في توتره، متوتر في تسلسله، ومصوغ في الحالين، بما يتخطى ارضاء الاذن، الى ضرورة اغراق العين بقيم جمالية بعيداً عن التصنع والتصنيع. الدراما السورية تمد وتجزر. ولكنها في الحالين تقترح اشكالاً متقدمة تطبع الجدية بعضها، والهزل الآخر. »نهاية رجل شجاع« له منحاه، وهكذا »الدوغري« وكذلك »الجوارح«. اما »أحلام أبو الهنا« فهو بقوة رجاله، ووفرة حضور السيدات فيه، يقرب الكوميديا، من الأذواق كافة، بأسلوب يبدو منحازاً الى روح الرسوم المتحركة وطرائق دخولها الى قلوب المشاهدين. خطوة ليست في الحسبان، تمهد ربما لحال جديدة في أصناف الكوميديا التلفزيونية. (يعرض في الثامنة والنصف يومياً على شاشة تلفزيون لبنان). عناية جابر