كتب المحرر البرلماني طرحت احالة رئيس مجلس النواب نبيه بري اقتراح القانون المعجل المكرر الرامي الى تعليق العمل بالمادة 16 من القانون رقم 382/94 قانون الاعلام المرئي والمسموع على الحكومة ردود فعل متباينة في الاوساط السياسية والنيابية وبعض وسائل الاعلام تركزت في الجانب غير السياسي منها حول التساؤلات الآتية: 1 هل يحق لرئيس المجلس احالة الاقتراح المعجل المكرر على الحكومة؟ 2 هل ان صفة الاستعجال المكرر تلزم بدرس الاقتراح من دون احالته على اللجان وعلى الحكومة بالمطلق؟ 3 هل للحكومة وبالمطلق حق طلب ابداء رأيها بالاقتراح المعجل المكرر او »الاطلاع عليه«؟ ان الاجابة عن هذه التساؤلات التي طرحها »اقتراح التعليق« من دون قصد منه مهمة لارتباطها بآلية العمل التشريعي اولا وبالعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ثانيا. لذلك من المفترض سحبها من »بورصة« التأثيرات السياسية عليها وتناولها بموضوعية على ضوء النصوص القانونية والاعراف التي تحكمها. من الملاحظ اولا ان الدستور اللبناني لم يشر لا من قريب ولا من بعيد لصفة »الاستعجال المكرر« في المبادرات التشريعية. فالنصوص التي تحكم هذه الصفة تقتصر على احكام النظام الداخلي لمجلس النواب. واستحداث صفة »المعجل المكرر« تم للمرة الاولى في النظام الداخلي الذي اقره مجلس النواب في سنة 1930، وشرط الاستعجال المكرر ان يكون الاقتراح من مادة وحيدة المادة 110 نظام داخلي . ان تاريخ استحداث الاقتراح المعجل المكرر وشرط ان يكون من مادة وحيدة هما امران يفترض التوقف عندهما لإدراك الاسباب الموجبة التي بررت وجود اقتراح معجل مكرر وهذا لا بد من ان يساهم في الرد على التساؤلات التي تطرح اليوم حول »اقتراح التعليق«. وفي هذا الاطار يمكن الاشارة الى نقطتين هما: أ ان النص على الاستعجال المكرر جاء بعد حوالى اربع سنوات من صدور الدستور اللبناني وانتظام عمل السلطة التنفيذية بعد ان كانت الحكومة قبل صدور الدستور مناطة بالمفوض السامي الفرنسي الامر الذي لا يمكن القول معه بوجود علاقة فصل بين السلطات. ب ان النص على الاقتراح المعجل المكرر، والاقتراح بما هو معلوم يقتصر على المبادرة النيابية بالتشريع، جاء لتشكيل معادلة مع المادة 85 دستور التي جاء فيها منذ التعديل الدستوري الاول في 17/10/1927 الآتي: »لا يجوز ان يُفتح اعتماد استثنائي الا بقانون خاص. اما اذا دعت ظروف لم تكن بالحسبان لنفقات مستعجلة فيمكن لرئيس الجمهورية ان يتخذ مرسوما بموافقة مجلس الوزراء قاضياً بفتح اعتمادات استثنائية او اضافية وان ينقل اعتمادات في الموازنة على ان لا تتجاوز هذه الاعتمادات ال1500 ليرة بالبند الواحد...«. ومن ثم اصبحت 15000ل. وهي اليوم تحدد سنويا بموجب قانون الموازنة. والمعادلة في استحداث »المعجل المكرر« في الاقتراحات متأتية من حق النواب والحكومة المبادرة للتشريع، فكما ان رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء يمكن ان يريا ان هناك ظروفا لم تكن بالحسبان يفترض معالجتها بسرعة فإن المجلس يمكنه ان يرى ذلك ايضا انما من وجهة نظره. وعلى هذا الاساس يمكن القول ان الاستعجال المكرر جاء ليوازن حالة ما بين السلطتين ولمواجهة وضع »لم يكن بالحسبان« من وجهة النظر النيابية. ووفق هذا المفهوم العام نحاول الاجابة عن التساؤلات التي عكسها اقتراح التعليق المعجل المكرر. استنسابية الطرح اول ما يمكن التوقف عنده في محاولة الرد عن التساؤل الاول هو ان النظام الداخلي يفرق بين طرح الاقتراح المعجل المكرر في الجلسة اذا لم يكن مدرجا على جدول اعمالها وبين الاخذ بصفة الاستعجال المكرر. فالمادة 109 نظام داخلي اعطت لرئيس المجلس الحق بطرح الاقتراح في الجلسة اذا لم يكن واردا على جدول اعمالها وفي عدم طرحه ايضا اذ جاء نصها كالآتي: »للرئيس طرح الاقتراح او المشروع المعجل المكرر على المجلس في اول جلسة يعقدها بعد تقديمه حتى ولو لم يدرج في جدول الاعمال«. فكلمة »للرئيس« لا تعني الالزام بالطرح اذ لو كان الامر كذلك لجاءت صيغة هذه المادة على غرار ما نصت عليه المادة 102 نظام داخلي مثلا وجاء فيها: »على رئيس المجلس ان يحيل...«. اما تقرير صفة الاستعجال المكرر فهي محكومة بالمادة 112 والمادة 113 نظام داخلي التي جاء فيها: »اذا رفض المجلس صفة الاستعجال المكرر احيل المشروع على اللجنة المختصة واتبعت بشأنه الاصول العادية«. ان مسألة استنسابية الطرح التي تعطيها المادة 109 نظام داخلي لرئيس المجلس تسقط شمول المادة 102 نظام داخلي الاقتراحات المعجلة المكررة من تلك »النصوص الخاصة« التي ينص عليها النظام الداخلي والتي تمنع احالة الاقتراحات على اللجان وايداعها الحكومة. فالمادة 102 نصت على الآتي: »على رئيس المجلس ان يحيل اقتراح القانون على اللجنة او اللجان المختصة وايداعه الحكومة للاطلاع الا اذا كان النظام الداخلي ينص على اصول خاصة«. فمن »الاصول الخاصة« هنا استنسابية طرح الاقتراح لرئيس المجلس وليس إلزامية الطرح. وما يلفت هنا الآتي: أ ان المشترع ربط بين الاحالة للجان وبين »ايداع الاقتراح الحكومة« باعتبار ان المادة 102 نصت على الاحالة على اللجنة او اللجان المختصة و»وايداعه« الحكومة ولم تنص على »او« ايداعه الحكومة. ب ان غاية ايداع الاقتراح الحكومة محددة بوضوح وهي »للاطلاع«. لماذا الاطلاع؟ والسؤال الذي يتبادر للاذهان هنا هو: لماذا الاطلاع؟ لماذا احالة الاقتراح اذا لم تكن الاحالة تعطي الحكومة حقا ما؟ يمكن الرد عن هذا التساؤل من قراءة المادة 111 نظام داخلي ونصها الآتي: »للحكومة وحدها حق طلب إرجاء البحث بالموضوع المعجل الى الجلسة القادمة وعلى الرئاسة امهالها دون استشارة المجلس«. ان النص على »الموضوع المعجل« من دون المعجل المكرر هنا لا تسقط شمولية الصفة الاخيرة اي المعجل المكرر في المادة 111 لاعتبارات من اهمها: أ ان الفصل الذي جاءت فيه هذه المادة تضمن اولا المواد المتعلقة بالاستعجال وعلى التوالي ومن ثم تضمن ابتداء من المادة 109 المواد المتعلقة بالاستعجال المكرر فلو كانت المادة 111 تقتصر على صفة الاستعجال لوضعها المشترع مع المواد التي سبقت المادة 109 اذ لا يمكن لمشترع ان يقدم على مثل هذا الخلط بين المواد وهو غير مبرر في كل الاحوال. ب ان المادة 111 نصت على »الموضوع المعجل« ولم تنص على المشروع المعجل وجاءت بعد مادتين تنصان على المشروع والاقتراح المعجل المكرر الامر الذي يعني ان استعجال عبارة »موضوع« جاءت لتشمل الاقتراح والمشروع معا اذ لو كان هدف المشترع من استعمال كلمة »موضوع« هو المشروع المعجل فقط باعتبار ان لا اقتراحات معجلة فلماذا لم يستعمل كلمة »مشروع« بدلا عن »موضوع«؟. ج ان المادة 110 نظام داخلي اعطت الحكومة حق طلب مناقشة اي اقتراح »بصورة الاستعجال المكرر« اثناء طرحه في الجلسة ووفق القاعدة القانونية لا يمكن لمن يمتلك حق الاصل ان لا يمتلك حق الفرع فالحكومة التي لها حق طلب صفة الاستعجال المكرر في الجلسة لا بد من ان يكون لها حق طلب تأجيل استعمال مثل هذا الحق ايضا. من هذه الاسباب يتضح ان الحكومة لها حق طلب تأجيل درس الاقتراح المعجل المكرر عند طرحه في الجلسة و»على الرئاسة رئاسة المجلس« امهالها دون استشارة المجلس« وذلك الى »الجلسة القادمة« المادة 111 نظام داخلي. وعلى هذا الاساس تصبح احالة الاقتراح المعجل المكرر المتعلق بتعليق المادة 16 الى الحكومة في ظل عدم تقديمه في جلسة عامة قانونا وقبل حوالى اسبوعين من تاريخ انعقاد الجلسة باعتبار ان طرحه في جلسة درس الموازنة متعذر دستوريا قبل اقرار مشروع الموازنة، تصبح هذه الاحالة ليست من حق رئاسة المجلس بل من ضمن مسؤوليته في الدفاع، لا نقول عن مضمون الاقتراح، انما عن المبادرة النيابية بالتشريع ومن حيث المبدأ. فالاحالة في الوقت الذي تمت فيه وفي ظل المسافة الزمنية الفاصلة عن الجلسة التي يمكن طرح الاقتراح فيها ليست الا اسقاطا لحق الحكومة في طلب تأجيل البحث »باقتراح التعليق« المعجل المكرر من الجلسة التي سيطرح فيها الى الجلسة التي تليها. فإحالة الاقتراح اليها لا بد من ان يؤدي الى »اخذها العلم بالاقتراح« الذي تبني على اساسه طلب تأجيل بحث الاقتراح لاحقا. ان محاولة الرد عن السؤال الاول تناولت معظم جوانب الرد عن التساؤلين الآخرين انما يبقى القول اخيرا انه ليس للحكومة »الحق الشرعي« في الاطلاع المسبق على الاقتراحات المعجلة المكرر كما في الاقتراحات العادية اذ كيف يمكن لها ان تتطلع والاقتراح المعجل المكرر يمكن تقديمه اثناء انعقاد الجلسة العامة ليدرس فيها انما من المؤكد ان الحكومة في حالة عدم احالة الاقتراح المعجل المكرر اليها كما حصل بالنسبة لاقتراح التعليق يمكن ان »تصادر هذا الحق« بطلب تأجيل درس الاقتراح للجلسة المقبلة وفق ما تمت الاشارة اليه. امام هذه المعطيات والتساؤلات التي تطرح حول اقتراح تعليق العمل بالمادة 16 من قانون الاعلام المرئي والمسموع يمكن القول ان قضية الاعلام قد اغنت الحياة النيابية والعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بشروحات جديدة يمكن ان تعوض عن خسارة »موضوع القضية« ولو بجزء منها اذا ما حصل ذلك لا سمح ا".