As Safir Logo
المصدر:

كتاب."طيور الحذر"للكاتب الفلسطيني ابراهيم نصر الله رواية المعاناة الإنسانية وسط تداعيات الذاكرة الذاتية(صورة)

المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 1996-01-17 رقم العدد:7289

تصعب الكتابة عن رواية الأردني ـ الفلسطيني ابراهيم نصرالله (مواليد عمان 1954 من أبوين فلسطينيين) الأخيرة، «طيور الحذر»، من دون الاشارة الى قرار دائرة المطبوعات والنشر، التابعة لوزارة الاعلام الأردنية، الذي قضى بمنع تداولها. فمع بداية العام الجاري، أعلن الكاتب عبر وكالة «رويتر»، ان سبب هذا القرار يعود الى ما تحتويه الرواية من «مشاهد عن جيش الانقاذ على الجبهة الأردنية عام 1948، ومشاهد اعتقال الأب والافراج عنه عشية هزيمة حزيران 1967، وأجواء الخوف في المخيمات (الفلسطينية)، وبداية الاشتباكات في احداث ايلول 1970». لكن التحركات التي قام بها عدد من المثقفين والكتاب الأردنيين، بالاضافة الى الأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء العرب فخري قعوار، أثمرت تراجعاً وزارياً، تأكيداً على الحريات العامة والديموقراطية. ففي مقال نشره قعوار في صحيفة «الدستور» الأردنية، غداة صدور قرار المنع، تساءل عن «حقنا اليوم» في «أن نتحدث عن حرب حزيران عام 1967، على هوانا، وبحسب قناعاتنا؟ أليس من حق الأدباء أن يدونوا ـ من زاوية النظر التي يعتقدون انها مناسبة ـ الأحداث المؤلمة التي جرت عام 1970؟ وإذا كان مرور ربع قرن أو أكثر لا يشفع لنا بحرية تناول هذه الأحداث، فهل نترك ذلك، مثلما تركنا فلسطين للأجيال القادمة؟». اذاً، مورست ضغوط ثقافية أدت الى التراجع عن قرار رسمي. وبات يمكن للقارئ الأردني، وبالتالي العربي، ان «يتمتع» بنص مشبع بالتصاوير الزخرفية المتنوعة والمتماسكة والمتكاملة مع حضور الواقع والتاريخ، أراد صاحبه (ربما) من خلاله، ان تستعيد المعاناة الفلسطينية مكانتها الاساسية، في اجواء «الهرولة» العربية باتجاه اسرائيل. كأن «طيور الحذر» تحمل أكثر من دلالة: فإلى جانب رغبة الكاتب في سرد ما يشبه سيرة ذاتية لطفل يتفتح وعيه على القلق والألم والتشرد والفقر، هناك اصرار بأن الشعب الفلسطيني عانى الأمرين في رحلة العذاب التي لم تنته، رغم الاتفاقيات السلمية المعقودة. هناك اصرار على الاعتراف بهذه الحقيقة، وأيضاً على عدم النسيان: ثمة جريمة ارتكبت بحق الفلسطينيين، بدأت مع الاحتلال الصهيوني، وتكاد لا تتوقف عند كل هذا الاهتراء الداخلي والانهيارات المتعددة والاحباطات المريرية والصراعات الدموية التي عرفها الفلسطينيون، كشعب وتاريخ وحضارة، في العالم العربي، جراء ممارسات فردية تسلطت على مقدرات هذا الشعب في تشرده العنيف. تداعيات الذاكرة لا يبتعد ابراهيم نصرالله عن ضرورة الادانة. فهو يرى جريمة قاسية ارتكبت ضد الفلسطينيين في حرب 1948 وفي هزيمة 1967، بسبب تضافر العداء الصهيوني مع الارتخاء العربي. وأيضاً في أيلول 1970، ثمة خطأ جسيم دفع ثمنه أبناء المخيمات الفلسطينية في الأردن. يستعيد نصرالله هذه المحطات، عبر عيني طفل (ربما كان هو!)، ليقول ان التاريخ لا تمحوه اتفاقيات السلام، ولا تلغيه هرولة التطبيع. فالصورة التي يقدمها، تقارب الواقع لتتماهى به باتجاه الحقيقة. وهو يدرك في أعماق ذاته ان «سيرة العين تقتضي دائماً أن نلعب دور الشاهد، في حين ان كل ما حولنا من عتمة لا يريد لنا أن نعيش سوى دور الضحية العمياء» (كلام نصرالله جاء على هامش معرضه الخاص لصوره الفوتوغرافية، بعنوان «مشاهد من سيرة عين»، المقام حالياً في صالة دارة الفنون في العاصمة الأردنية). في «طيور الحذر»، تحولت العين الى شاهد عاش المعاناة، أي غرق في مأساة الضحية، قبل أن يشهد لحقيقته ولحقه، وأثمرت المشاهدة نصاً روائياً حافظ على توازن الصورة والسرد المطعم برائحة المعاناة، من دون الغرق في المباشرة المنفرة. فهو يغرف من المأساة الفلسطينية، ليزين عمله الأدبي بمتطلبات السرد الحكائي، الذي لا يبغي عبره مجرد كتابة رواية ما، بل الوصول الى لحظة القول التي مزجت بين سيرة شعب (ومخيم ومجتمع وحكاية)، وبين تداعيات الذاكرة الذاتية. اذ برزت هذه السيرة وتلك التداعيات في شخصية الطفل الذي لم يكن له اسم، لأنه يمتلك كل اسماء الأطفال (والرجال والنساء والعجائز)، محاولاً في حضوره داخل اللعبة الروائية ان يكون هو كل الناس، بعينيه الباحثتين عن معنى لكل شيء، وبذكائه «الخارق» الذي فتح له كل الأبواب المغلقة، وبأحاسيسه، المتألقة في مساحات العبث والواقعية والتفرد في خصوصياته وعوالمه التي تكاد تشبه الآخرين. فمن خلال رصد حياة هذا الطفل، منذ ما قبل ولادته، ولغاية بلوغه الثالثة عشرة، يقدم ابراهيم نصرالله مرآة الواقع الفلسطيني، بمرارته وألمه، في محطات تعتبر من أقسى ما عاشه في السنوات الخمسين الأخيرة (تقريباً!). مزيج لعل، الملاحظة التي يمكن استنتاجها، اثر قراءة هذا النص الروائي المتميز، تكمن في مزيج الشعري بالسردي، حيث تبرز مناخات فانتازية ـ تحديداً في علاقة الطفل بالعصافير الى درجة اللامعقول، مثلاً، أو حين نتابع مع الطفل بدايات الحكاية، وهو لا يزال جنيناً بدا متفتحاً وواعياً ومتكلماً ومصوراً «نجح» في التقاط الاشارات التي تجيئه عرضاً من خارج الرحم ـ مشبعة بدورها بتلك القدرة الفنية على انعكاس هذا الواقع، ابتداء من الاجتماعي ـ الحياتي، وصولاً الى السياسي ـ الوطني، ومروراً بكل التطورات التي يشهدها العقل الطفولي، وهو يسعى حثيثاً الى اكتشاف الحياة بكل تفاصيلها. لكن الانعكاس لا يظهر مباشراً، بل يحافظ السرد على الايغـال بحكايات هذا الطفل اذ تبرز الادانـة في خلفية المشهد، ويظهر النقد المرير في المناخات المحيطة. الجرح الفلسطيني واضح بشدة، وقسوة العيش الأردني لا تقل وطأة عن المعاناة الانسانية في مخيمات تفتقر الى أبسط المقومات الحياتية اليومية، الحب، الجنس، الحلم، الوله بتجسيد الفعل الحقيقي لمعنى الطفولة والمراهقة.. عناوين قدمها ابراهيم نصرالله في «طيور الحذر»، الى جانب محطات تاريخية ساهمت في بناء الهزيمة العربية المتكاملة، عاكساً بذلك ما يمكن اعتباره أبعد من مجرد الصراعات العربية الداخلية، ليصل الى ما يشبه الحقد المستشري في جسد المجتمع العربي؛ الحقد الذي يرافق مجتمع هذا الطفل الفلسطيني، والذي بدا مزروعاً في العلاقات التي أحاطت بهما (المجتمع والطفل) من خارجهما. ربما لا يعالج ابراهيم نصرالله مادة جديدة، وهو يكتب عن بؤس الفلسطينيين في العالم العربي، وان اكتفى باتخاذ عمان ومخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين فيها، مسرحاً لأحداث روايته (مع كل المحيط الآخر، من فلسطين الى الأردن ومختلف الامتدادات العربية، التي ظلت كامنة في خلفية المشهد)، ومستمداً من هذا المخيم بالذات محوراً لرسم التفاصيل المثيرة عن معنى العلاقات العربية. الجديد يكمن في المناخات المرسومة بدقة الباحث والمشاهد والشاهد معاً. اذا كانت الأحداث التاريخية، والمستويات الاجتماعية والاقتصادية وسمت «طيور الحذر»، فان علاقة الطفل بالطيور تبدو الأغرب في رسم المناخات الفانتازية. الغرابة لا تعني غموضاً ضائعاً، بل تنحو في اتجاه «تفتيق» المشهد قبل اعادة صوغه بما يتلاءم مع تداعيات الحدث. فالطفل يقوم باصطياد الطيور وتعليمها الحذر حتى لا تقع في فخاخ الأولاد الآخرين، مشكلاً بذلك «حلف الطفولة والجناح»، في عالم مليء بالموت والقيود واستلاب الحريات. يخاف عليها، بل يحبها الى حدود العشق. يسعى إلى إنقاذها من براثن الآخرين، ويتماهى بها الى أقصى حدود التفاعل الذاتي والعاطفي. لكنه أيضاً يحب قريبته حنّون، ومعها يبني علاقة ظلت طوال الوقت مرتبكة ومبلبلة لأنه جمع بينها وبين عصافيره. اما مع صديقه خليل، وكانا سوية يسبحان في طفولتهما وفي السهول وعوالم الطيور، اكتشف الجسد الأنثوي للمرة الأولى. في مقدمة الطبعة الانكليزية لرواية «براري الحمى»، كتب الناقد جيريمي ريد عن أسلوب ابراهيم نصرالله: «ان كلماته تحرق الورق. انها تصل الى ما هو الأهم في الفن، وهو العملية التحويلية التي يفقد فيها العالمان، الداخلي والخارجي، تمايزهما ويندمجان أحدهما في الآخر». ولعل هذا الوصـف ينطبـق بالتالـي على نـص «طيور الحذر» الروائي، حيث لا يفتـرق الخاص عن العام، بقدر ما يصبحان لحظة انسانية واحدة في سردها كل تلك الحكايات. نديم جرجوره

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة