As Safir Logo
المصدر:

كتاب.حروب الردة:حقيقتها وأسبابها

المؤلف: كيوان مأمون التاريخ: 1996-01-12 رقم العدد:7285

الكتاب: حروب الردة (دراسة نقدية في المصادر) تأليف وتعريب: د. الياس شوفاني. الناشر: دار الكنوز الأدبية، بيروت، الطبعة الأولى 1995، (224) صفحة. في غمرة التصعيد الإعلامي والسياسي الذي تشنه جهات غربية ضد ما يسمى «الخط الأخضر» أو «الإرهاب الأصولي»، وما يكتنف عملية التصعيد تلك من تزييف الواقع وتشويهه، لا بد من كشف النقاب عن جوهر وطبيعة الإسلام السياسي انطلاقد من عملية التمحيص والتدقيق في جذوره وليس فقط في واقع حركات الإسلام السياسي الراهنة. ولهذه العملية أسبابها لكونها تشكل أساسد صالحد لعقد مقاربة بينها وبين طروحات الحركات الاسلامية الراهنة من جهة وبينها وبين ما تطرح الجهات الاعلامية والسياسية والاستشراقية الغربية من حقائق زائفة من جهة ثانية. تتمحور عملية التدقيق والنقد حول تبديد حالة الضبابية والغموض التي اكتنفت الدراسات الحديثة حول مرحلة «فجر الإسلام» وما تخللها من حروب الردة. وهذه هي المهمة التي يتصدى لها د. الياس شوفاني في تعريبه لأطروحة الدكتوراه في التاريخ التي سبق له أن قدمها في جامعة برنستون الأميركية (1968). وكانت قد نُشرت بالإنكليزية (1972) وحملت العنوان التالي: اAl - Riddah and the Muslim Conquest of Arabicب، وصدرت ككتاب عن مطبعة جامعة تورنتو والمعهد العربي للدراسات والنشر. الكتاب حسب مؤلفه دراسة لا تشكل سردد لأحداث الردة «وإنما هي في الجوهر محاولة استقصاء لخلفياتها وتدقيق لوقائعها. وهي (الدراسة) لا تقوم على اكتشاف مصادر جديدة، وإنما على تمحيص دقيق للمعلومات المتوفرة في المصادر التقليدية (...) والمنهج الذي اعتمده (المؤلف) هو المنهج البنائي لاستخلاص أطروحة متماسكة حول القضايا التي عالجها بالاستناد الى الروايات المختلفة». ص 8. يتكوّن هذا الكتاب من تقديم ومقدمة وخمسة فصول إضافة الى ثبت المراجع. ويحدد المؤلف مهمة الفصل الأول المعنون «نفوذ النبي محمد في الجزيرة العربية»، في «تحديد مدى النجاح الذي حققه الرسول في سعيه لنشر الإسلام وسيادته» في الجزيرة العربية. إضافة الى الكشف عن الجوانب المختلفة لإشكالية الردة المتمثلة في اعتبارها «حركة دينية» فقط وعدم الفصل أيضد بين «حروب الردة» وحركة الفتوح التي اتجهت نحو بقاع مختلفة من الجزيرة العربية. لذلك يبيّن المؤلف أولاً تعريف الرواية الإسلامية للردة بأنها حركة هدفت الى «قطع العلاقة التي كانت قائمة بين القبائل والمدينة» ص 14. وعبّرت عن نفسها بـ«الانكفاء عن أداء الزكاة أو اتباع أنبياء آخرين». ص 14. القبائل وبعد ذلك يسرد المؤلف أحداث «حروب الردة» والروايات المختصة حول سيطرة الرسول الكاملة أو عدم سيطرته النسبية على الجزيرة العربية، ومن تلك الروايات، الرواية التالية التي يقدمها «ليون كايتاني» في كتابه «دراسة في التاريخ الشرقي» والتي تستند الى تقسيمه (كايتاني) القبائل العربية الى أربع مجموعات «فالقبائل في ضاحية مكة والمدينة، وهي المجموعة الأولى، خضعت لمحمد واعتنقت الإسلام. والمجموعة الثانية من القبائل خضعت سياسيد لمحمد وحقق الإسلام بعض التقدم فيها، وكانت هذه قبائل هوازن، عامر، طي، سُليّم، وربما خثعم. والمجموعة الثالثة تتألف من القبائل التي عاشت على أطراف دولة المدينة، فقد خضعت سياسيد للإسلام وسميت مسلمة مجازد. والمجموعة الرابعة كانت تتشكل من قبائل حافظت على استقلالها عن المدينة، وفيها قلة صغيرة فقط طلبت مساعدة الرسول ضد خصومها، ومن بينها بنو حنيفة، عبد القيس، أزد عمان، وحضرموت». ص 27. في نهاية هذا الفصل يخلص د. الياس شوفاني من تدقيقه في الروايات المختلفة والمصادر الى ان «جميع الدلائل تشير الى أن مسيلمة، تدعمه الغالبية العظمى من بني حنيفة، أعلن معارضته للرسول قبل وفاته. وليس هناك من أدلة تشير الى ان جزءد من بني حنيفة أدى، أو وافق على أداء الزكاة إلى المدينة. وكذلك لا يرد ذكر لرجل من بني حنيفة شارك في مغازي الرسول، ولم يكن له نفوذ في هذه القبيلة». ص47. ويضيف المؤلف أيضد: «انه في نجد (...) لم يكن نفوذ الرسول قد تكرّس تمامد قبل وفاته. فالقبائل الصغيرة المتشاحنة لم تجد مناصد من الانحياز الى المدينة (...) ولم تكن للمدينة سيطرة مباشرة على تلك القبائل، وظل زعماؤها يديرون شؤونها. وجاءت وفاة الرسول، وما ترتب عليها من خلافات داخل الجماعة الاسلامية حول الخلافة، ليشجعا تلك القبائل على الانكفاء عما توصلت إليه من علاقات مع المدينة» ص 50. كما يعتقد المؤلف أنه «يصعب التأكد بأن المناطق الساحلية (عمان، البحرين، اليمن) كانت تحت نفوذ المدينة في حياة الرسول». ص 53. ولبيان طبيعة حركة «الردة» ومداها يسلط المؤلف الضوء في الفصل الثاني على مرحلة خلافة أبي بكر، ومواقف كل من الأنصار والمهاجرين من الخليفة الأول. ويبيّن بشكل خاص ومميز دور عمر بن الخطاب من أبي بكر ودوره في تكريس خلافته. كما عرض المؤلف النتائج المباشرة لمبايعة أبي بكر خليفةً للرسول على كل من المدينيين (الأنصار) والمكيين من جهة وعلى عموم القبائل في الجزيرة العربية. وبذلك يكون د. الياس شوفاني قد مهّد، بمنهج بنائي، للفصل الثالث الذي يبحث فيه في طبيعة الردة ومداها، فيبيّن أنه «في الروايات التقليدية عن الردة، الافتراض الأساسي بأنها حركة دينية موجهة ضد الإسلام، كانت وفاة الرسول إيذاند بانكفاء القبائل عن دعوته، والتبدل في معتقداتها، وبالتالي تمردها على سلطة المدينة. وبالنسبة الى الرواة كان قادة هذه الحركات ضد المدينة «أنبياء كذبة» بشّروا بديانات لا ترقى بمستواها الى الإسلام وأن «المؤرخين في العصر الحديث طعنوا بهذا الافتراض الذي يعتمده الرواة المسلمون. إلا أن الآراء بين هؤلاء المؤرخين قد تضاربت حول المسألة». ص 102. ويورد (المؤلف) نماذج عن ذلك الأمر من طراز ما ذهب إليه «يوليوس فلهاوزن» في كتابه «تلخيصات ومقدمات» إذ يؤكد فيه ان «الردة كانت انشقاقد عن قيادة المدينة السياسية، وليس انكفاءً عن الاسلام كديانة. ويواصل فلهاوزن القول بأن «الأنبياء» الذين قاموا بالجزيرة، مثلهم مثل الرسول، دعوا الى عبادة «ا"» وليس آلهة أخرى، وغالبية القبائل كانت ترغب في الاستمرار في عبادة «ا"»، ولكن من دون أداء الزكاة. وفوق ذلك، فعداء القبائل كان موجهد ضد عمال المدينة، وليس ضد «إلهها»، أو ديانتها. ولكن فلهاوزن يعترف بأن وفاة الرسول كانت إيذاند ببدء انفصال القبائل عنها. وهو يرى أن المتمردين استمدوا التشجيع من الخلاف في المدينة ذاتها حول خلافة الرسول أولاً، ومن ثم انتهزوا فرصة أن المدينة قد جرّدت من قوتها المقاتلة، التي أرسلت الى سوريا، بقيادة أسامة، فأعلنوا انفصالهم عنها». ص 102. مسألة سياسية وفي المقابل يرى «كايتاني» ان «انكفاء القبائل عن المدينة في خلافة أبي بكر لم يكن «ردة» دينية بقدر ما كان مسألة سياسية». ص 103. بينما يلخص «بيرنارد لويس» مسألة الردة بقوله «كانت المهمة الأولى للنظام الجديد المواجهة العسكرية مع حركة بين القبائل، عرفت تقليديد باسم «الردة». وهذا المصطلح يشكل تحريفد لمغزى الأحداث، قام به مؤرخون لاحقون ممن اصطبغت رؤيتهم بالمنظور الديني. ورفض القبائل الاعتراف بخلافة أبي بكر لم يكن بالواقع ارتداد أناس كانوا قد أسلموا سابقد والعودة الى وثنيتهم القديمة، وإنما الإنهاء الآلي لعقد سياسي لدى موت أحد أطرافه بكل بساطة. والقبائل الأقرب الى المدينة كانت في الواقع قد أسلمت، وأصبحت مصالحها متطابقة مع «الأمة» بحيث لم يسجل لها تاريخ منفصل. أما بالنسبة الى البقية، فإن وفاة الرسول قد قطعت روابطها بالمدينة بشكل آلي، والأطراف استأنفت عملها بحرية. ولم تشعر بشكل من الأشكال أنها ملتزمة بانتخاب أبي بكر، الأمر الذي لم تشارك به، فبادرت فورد الى تعليق المعاهدة، وأداء الزكاة، ومن أجل إعادة تثبيت سيطرة المدينة، كان على أبي بكر أن يعقد معاهدات جديدة. وبينما قبل بعض القبائل الأقرب بذلك، فإن الأبعد رفضت، واضطر أبو بكر لإخضاعها عسكريد، تمهيدد لاعتناقها الإسلام». ص 104، ص 105. في حين يذهب «مونتغمري وات» الى القول إن «المؤرخين المسلمين كانوا على حق عندما اعتبروها (الردة) حركة دينية، والأساتذة الأوروبيون هم الذين أخطأوا عندما نظروا إلى «الدين» بمفهوم أوروبي لا عربي، فالردة كانت حركة ابتعاد عن نظام الإسلام دينيد، اجتماعيد، اقتصاديد، وسياسيد، وعليه فهي ضد الإسلام». ص 105. بعد إيراده وعرضه الآراء الأوروبية المختلفة ومقارنتها، يجيب المؤلف عن السؤالين الآتيين: لماذا سُمّيت هذه الحركة «الردة»؟ وما مدى اتساعها؟ بقوله إن «الحركات المتعددة التي قمعها جيش المسلمين في خلافة أبي بكر، كان مختلفد بعضها عن بعض، وهي لم تكن جبهة موحدة، ويصعب القول إنه كانت بينها علاقة ذاتية ما. وهذه الحركات (...) انطلقت لأسباب مختلفة. وبناءً على الشكل الذي اتخذته، والأسباب لانطلاقها، يمكن تصنيفها في ثلاث فئات: الفئة الأولى: وهي تضم الحركة في نجد حيث الصدقة كانت المسألة الرئيسية. والثانية هي حركة بني حنيفة، حيث المسألة تتمحور حول نبوّة الرسول وسيادة المدينة في الجزيرة، والثالثة هي مجموعة الحركات في المناطق الساحلية، حيث الصراع على السلطة بين الزعماء المحليين هو المسألة الرئيسية. ومن هذه الفئات الثلاث فقط ـ أي الحركة في نجد ـ يمكن أن تسمى وبحق ردّة: ردّة بمعنى أن الاتفاقات التي عقدت مع دولة الاسلام في المدينة قد انتُهكت (...) وبالنسبة الى الفئة الثانية ممثلة ببني حنيفة، فلا مبرر لتسمية حركتهم ردة (...)، ففي اليمامة القضية هي نبوّة مسيلمة ومطالبته الرسول باقتسام السلطة في الجزيرة مع المدينة. وتصميم بنو حنيفة على الدفاع عن موقفهم بهذا الخصوص لا يمكن اعتباره ردة (كونهم لم يؤدوا الزكاة ولم يعلنوا إسلامهم). وكذلك حال الفئة الثالثة». ص 127 ـ 128. حروب الردة وحول طبيعة حروب الردة يرى شوفاني ان هدفها المركزي هو «إخضاع القبائل كاملاً بغض النظر عن علاقتها السابقة بالمدينة، كما كانت حربد واحدة ضد جميع الحركات في الجزيرة آنئذ، لكن مصطلح الردة طغى عليها». ص 135. ويخلص الى ان «الردة كما يبدو كانت محصورة بالأصل في القبائل المقيمة الى الشمال الشرقي من المدينة (غطفان، طيء، وتميم). وهذه القبائل سميت «أهل الردة» لأنها منعت الصدقة التي تعهدت للرسول بأدائها. ومصطلح «الردة» توسع لاحقد ليطال جميع الحركات التي قامت في الجزيرة بعد وفاة الرسول، ثم جرى تطويع هذا المصطلح ليخدم أغراض الفقهاء، في آرائهم وحواراتهم، وبمضمونه هذا، أي كما صاغه الفقهاء وجرى تعميمه على أيدي المؤرخين لاحقد». ص 136. ويحدد المؤلف العلاقة بين الردة والفتوح العربية في الفصل الرابع ليبيّن في الفصل الخامس أوجه نجاح أبي بكر، ويفسر ظاهرة «الأنبياء الكذبة» بقوله «يبدو أن قيادة القبائل التقليدية بأساليبها المألوفة في إدارة شؤون قبائلها، سواء في السلم أو في الحرب، ومن خلال التحالفات على أشكالها، لم تعد كفؤد لقوة المسلمين المتصاعدة، بقيادتها الفاعلة، وعليه سعت القبائل لتقليد النموذج الإسلامي، فبرز في صفوفها عدد من «الأنبياء» في هذه الفترة بالذات». ص 202. ومثال «الأنبياء الكذبة» يذكر حركة مسيلمة التي يعتقد المؤلف انه «يبدو انها ترمي الى تأسيس كيان مستقل في اليمامة، من النمط التقليدي، فحاول مقاومة الذوبان في حركة إسلامية تتجاوز الحدود القبلية، وبالتالي مواجهة التحدي الاسلامي بخليط من النبوّة والعصبية القبلية. لكن محاولة مسيلمة لم تنجح، وفشلها يشهد على قوة الدعوة الاسلامية، واستجابة مضمونها لاحتياجات سكان الجزيرة في حينه». ص 205. لقد تكللت محاولة المؤلف استقصاء خلفيات الردة بالنجاح، إذ استطاع بمنهجه البنائي ان يقدم صورة موضوعية لحروب الردة وعلاقتها بالفتوح الاسلامية. وقد قدم مادة كتابه بوضوح وإيجاز وتجنب الاستطراد. وفي معالجته لمسألة «الردة» قدم معالجة قيّمة من الممكن تعميمها بمنهجها على مسائل إسلامية راهند من حيث جوهر المسألة مجال البحث هذا الجوهر الذي نعتقد أنه يعبر عن مسألة إدارة الدولة سياسيد واجتماعيد واقتصاديد، وهي المسألة ذاتها التي تتعدد وجهات نظر الحركات الاسلامية الراهنة حولها لتصل أحياند الى حد التناقض أو التخبط بين سلفية تقليدية وعصرانية متنورة تجعل من الإسلام إسلامد مدنيد يتجاوز الأصولية الإسلامية السائدة وخطابها الأصولي الذي أنتجت بعض أجنحته وعيد مؤامراتيد يصور العالم كله منخرطد في مؤامرة مخططة ومرسومة ضد الإسلام حسب تعبير محمد جمال باروت في كتابه «يثرب الجديدة الحركات الإسلامية الراهنة». ويمكن القول كذلك إن معالجته وتدقيقه في مصادر البحث تجنب الوقوع في مطب الانحياز الآلي لرواية مجزوءة أو مشوشة أو زائفة تتعلق بمسألة «الردة». ويأتي قيامه بتعريب عمله البحثي بعد عقدين ونيف من الزمن ليشكل إضافة ذات مغزى في المكتبة العربية. لكن نتساءل تساؤلاً بسيطد حول عدم وجود إضافات أو دراسات جديدة صدرت خلال العقدين السابقين لم تدفع بالمؤلف نحو إجراء تعديلات تتعلق بمنهجه أو بمصادر الكتاب؟!. مأمون كيوان (كاتب سوري)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة