As Safir Logo
المصدر:

نحو سيكولوجيا عربية(راجعه عبد الفتاح محمد دويدار)

المؤلف: النابلسي محمد احمد التاريخ: 1996-01-12 رقم العدد:7285

يعلم المؤرخون والباحثون والكتّاب ما كان للعرب من فضل على العلوم والمعارف، وكيف ازدهرت وأينعت على أيديهم حتى بلغت شأود ساميد وحلّت مكاند عاليد ظلت تطل منه على العالم ردحد طويلاً من الزمن. وكم كانت الكتب المدونة بلغة الضاد الباعث الأول على انتشار العلوم والفنون والمرجع لجميع الباحثين والمنقبين الذين كانوا يجدون فيها كل ما ينشدون من أبحاث وآراء في مختلف العلوم النظرية منها والفلسفية والعملية، تنم عن دراسة واسعة وتجارب ناجحة قام بها قوم ذوو عقول راجحة وتفكير سام حق لهم أن يتزعموا العالم ويقودوه ويمتلكوه من جزيرة العرب شرقا الى الأندلس غربا ينشرون فيه حضارتهم ويضفون عليه من تعاليمهم ما كان نواة الحضارة العصرية وما نراه الآن من مدنية، وأن يتولوا قيادة العلوم والمعارف زمند غير قصير كانوا فيه سادة الأمم بعدما تمكنوا من إبراز خصوصيات الذات العربية. ولكن الدهر قُلِب، وشأن الأمم شأن سائر المخلوقات، لها زمن تظهر فيه على مسرح الحياة، ثم تتوارى لتفسح الطريق لغيرها ليأخذ دوره. وهو أيضد شأن قيادة العلوم التي يُتداول زمامها بينهم، ومن بينها علم النفس والطب النفسي والعلوم المتصلة بهما. ولقد نقل الناطقون بالضاد إبان عهدهم وأيام مجدهم، حضارتهم الى الغرب فأخذتها عنهم الأمم الغربية، وأخذ علماؤها في البحث والتنقيب عن أسرارها ومكنوناتها، وتباروا في ترجمة مختلف الكتب العربية الى لغاتهم وتفهم ما جاء بها وما حوته من تجارب وتعاليم. واستمرت هذه الأمم تنسج على هذا المنوال حتى حصلت على الآلاف المؤلفة من الأسفار العربية التي حوت خلاصة البحث والدرس والتحليل والتي كانت نواة ما نراه من آراء وأبحاث لعلماء الغرب الآن. لكنه لما كان قد حان وقت الأمم العربية لتعتزل المسرح وتختفي وراء الستار، فقد وقفت عند هذا الحد ترقب ما يجيء به الزمن، ولعلها ترقب دورة الدهر حتى تحتل مكانها ثانيد، ويوكل إليها القيام بما سبق أن قامت به من قيادة وسيادة، حتى تعود لتقوم بتأدية رسالتها في نشر الحضارة والمدنية، وتستعيد مجدها، فتقود بدلاً من أن تقاد، سواء أرضي غيرها بذلك أم لم يرض. علماء ولقد اختلف العلماء في ما بينهم أيّهم أنفع لأمته أو بالحري أيهم أنفع لأمته وللعالم: أهم علماء الفقه والدين، أم علماء الطب والكيمياء، أم علماء الأدب والفلسفة، أم هؤلاء وهؤلاء؟ إن الباحث بلا تحيز ليجد الجميع متساوين، وأنهم جميعد متعاونون في السير بسفينة الحياة في بحر متسع الأرجاء ترتطم بها فيه أمواج الجهالة وتكاد تعصف بها شدة الأنواء. وإذا كان لا بد لتسيير هذه السفينة آمنة من ربان يقودها ويشق بها الطريق وسط هذا البحر الخضم وهذه اللجج القاصمة، فإن هذا الربان لا شك هو علماء الانسان الذين درسوا عن كثب ماهية الانسان، وكيف يحيا حياة صالحة لنفسه ولمجتمعه وهو كالبنيان يشد بعضه بعضد. أولئك العلماء الذين كرّسوا حياتهم لدراسة القوى الحقيقية المحركة لهذا العمل الدائم الحركة، تلك القوى التي قد يؤدي أي خلل في توزيعها الى عطل أجزاء جسم الانسان بأكمله أو بمعنى آخر انتهاء حياة الانسان. إن حوادث الزمن وما يمر بالبشر من صروف الدهر ومحنه وما يتعرض له من التجارب القاسية والمحن الشديدة خاصة أوقات الحروب والكوارث وما شاكلها، جعل البحث في كنه حياة الانسان ينتحي الناحية النفسية منه ويرى أنها أهم مركباته، بل كاد البحث في هذه الناحية أن يصل بالباحثين والعلماء الى أن يقتنعوا بأن سر حياة الانسان يتركز في نفسيته، وأن النفس هي كل شيء، ولذا انفرد الكثير من كبار العلماء بدراسة النفس، وانفرد علم النفس باهتمام مختلف الشعوب والأفراد. وقد امتازت الكتب العربية بقسط وافر من البحوث والدراسات النفسية، إلا أنه كما قد دخل على كل شيء في حياتنا التجديد، كذلك قد دخل على علم النفس نوع جديد من البحث والاستقصاء قام به قوم من علماء الغرب أفردوا لدراسته مدارس خاصة تشعبت آراؤها ونواحيها، وانتحى كل منها ناحية خاصة من البحث تحت رئاسة جمع من العلماء الذين وضعوا مؤلفات كثيرة حوت آراءهم، وما أسفرت عنه تجاربهم وبحوثهم. ولقد فطن كتّاب العربية لذلك، فقاموا ببحث هذه المؤلفات ودراستها. فمنهم من عمل على نقلها، ومنهم من استخلص لنفسه آراء خاصة أخذ يبحث في هذا العلم في ضوئها. وهم لم ينتهجوا في دراسته نهجد واحدد بل انقسموا جملة أقسام، فمنهم من قنع بالترجمة الحرفية لبعض الكتب الأجنبية فجاءت الترجمة ركيكة مشوهة محشوة بألفاظ تأباها اللغة العربية نفسها ولا يقبلها الذوق السليم، ومنهم من درس علم النفس عن كثب ثم كتب فيه باللغة العربية خلاصة درسه وتحصيله وتجاربه ودراساته وبحوثه الواقعية، فجاءت كتاباته آية في الابداع، إذ قد كتب بعد درس وفحص، ومن أحسن ممن يكتب بعد الدرس والتحصيل والتجارب والتحليل دون تجاهل أو إنكار لواقع بيئته وظروف مجتمعه واختلاف ثقافته. وسط هذه المشاعر المشحونة بالانفالات، قرأت ـ حديثد ـ في ما قرأت من كتب علم النفس باللغة العربية كتابد بعنوان: «نحو سيكولوجيا عربية» صدرت طبعته الأولى في تشرين الثاني (نوفمبر) 1995 عن دار الطليعة للطباعة والنشر في بيروت، لمؤلفه الدكتور محمد أحمد النابلسي أستاذ الطب النفسي ورئيس مركز الدراسات النفسية والنفسية ـ الجسدية في طرابلس/لبنان. وعندي أن الدكتور النابلسي بهذا العمل الممتاز قد قام بالفعل بقفزة نوعية متميزة في التفكر في الظاهرات النفسية في المجتمعات العربية، وهو عمل يستحق عليه الثناء والتقدير والعرفان. ومن ثم فإنني أعتقد مخلصد أن كتاب الدكتور النابلسي «نحو سيكولوجيا عربية» يعد واحدد من الاصدارات العربية الاختصاصية ـ الفكرية التي تمثل ركيزة أساسية للمكتبة النفسية العربية. الخلفيات والواقع أنني شهدت ولادة محتويات هذا الكتاب مقالة مقالة وبحثد بحثد، بل إن موقعي كسكرتير لمركز الدراسات النفسية والنفسية ـ الجسدية في الفترة من (1992 ـ 1995) جعلني أطلع على الخلفيات والملابسات التي كانت وراء كتابة المؤلف لفصول هذا الكتاب. فالدكتور النابلسي هو مؤسس ورئيس مركز الدراسات النفسية الذي طرح ضرورة تقرير الجوانب الانسانية الشمولية للمعايشة الانسانية وحيوية إبراز الفوارق الحضارية ـ العربية لهذه المعايشة، بما يستتبع الدعوة الى سيكولوجيا عربية. هذه الدعوة تستند الى المنطلقات النظرية والعملية الآتية: 1 ـ إن تمييز خصوصيات معايشة الانسان العربي للزمان والمكان يقتضي تسجيل أوجه هذه الخصوصية ومناقشتها بين أكبر عدد ممكن من الاختصاصيين العرب. بل يؤكد المؤلف ان هذا التمييز لا يتم إلا بمشاركة علماء النفس وعلماء الاجتماع والأطباء واللغويين واللسانيين الى جانب الفلاسفة والأطباء النفسيين. وهو قد رسخ هذه القناعة من خلال رئاسته لمؤتمر «نحو علم نفس عربي» (طرابلس/ لبنان، يناير 1992)، إذ شارك فيه اختصاصيون من مختلف هذه الفروع، وقد أكدت هذه التجربة أن لدى هؤلاء كلماتهم الفصل في موضوع السيكولوجيا العربية. ولا أكتمك عزيزي القارئ مقدار دهشتي لهذا الموقف الانفتاحي الصادر عن أستاذ عربي معروف في الطب النفسي، خصوصا في ظل الصراع المحتدم.. والمواقف الجامدة والمنغلقة أحيانا التي عهدناها بين أهل التخصص الواحد، ناهيك عن التخصصات القريبة منه أو تلك المتصلة بالتخصص ذاته. وكانت ثمرة هذا الانفتاح نحو التعاون والتكامل أن رفض الدكتور النابلسي فكرة قيام شخص منفرد بتحليل سيكولوجية أمة كاملة أو شعب بأسره. فنجده يقف في صف معارضة محللي الشخصية والعقل العربيين. وتجسدت معارضته هذه قولاً وكتابة ومواجهة، فنراه في لقائه عالِم النفس المصري الأستاذ الدكتور فرج عبد القادر طه، يبدي معارضته هذه بصورة جلية واضحة وصريحة، وكان جواب الأستاذ الدكتور فرج طه (وهو من أبرز العلماء الذين درسوا سيكولوجية الشخصية العربية): أنا أتفق تماما مع طرح الدكتور النابلسي، ولكن غياب إمكانيات التكامل والتعاون العلمي العربي... لا يجعلني أقف مكتوف اليدين، بل أنا أدلي برأيي في الموضوع وأطرحه للمناقشة. 2 ـ لدى الدكتور النابلسي حساسية بالغة بإزاء مسألة العلاقة بين المنهج والموضوع، لا سيما أنه يدعو الى ضرورة تعديل المنهج. ومن هنا موقفه المتشدد حيال المواقف الداعية الى اعتماد المنهج والموضوع بدون تعديلات. فهو يؤكد، يدعمه في ذلك غالبية الاختصاصيين العرب، على اختلاف أولوياتنا عن الأولويات الأجنبية بما يعكس اختلاف موضوعات بحوثهم ودراساتهم عن نظيرتها التي ينبغي أن نوجه اهتماماتنا نحوها في مجتمعاتنا العربية. 3 ـ ينتقد الدكتور النابلسي المواقف الصراعية بين الاختصاصيين العرب. فهذه الصراعات تغلق أبواب التعاون بينهم. حتى يكتفي معظمهم بإنشاء تيار خاص به وبتلامذته بحيث يعجز عن تخطي هذه الدائرة الضيقة. ويرى النابلسي أن ثمة ميولاً نرجسية تحرك هذه الصراعات، ويستدل على ذلك بأمثلة منها قيام كل تيار أو كل أستاذ بطرح مجموعته الخاصة من المصطلحات من دون أية مراعاة لمعطيات الشيوع والدقة اللغوية والقابلية للاستعمالات اللسانية، بل وبدون أية خطة منهجية تحدد مواصفات المصطلح المقبول. لذلك دعانا الدكتور النابلسي في مركزه الى إنشاء لجنة خاصة لوضع هذه المنهجية. وهو لم يسمح بنشر معجم الثقافة النفسية إلا بعد تحديد هذه المنهجية التي تعرض للمواصفات واجبة التوافر في المصطلح المقبول. وكان بديهيد أن تفجر مجمل هذه المواقف الصراعات في وجه الرجل، حتى أنني تساءلت: كيف يتورط في الصراعات من يكرهها وينتقدها؟. غير أن انتظاري الإجابة لم يدم طويلاً، حيث لمست عن قرب حجم الحملات العنيفة التي تمس شخص الرجل ومركزه ومجلته التي يصدرها بل وحتى المؤتمرات التي يعقدها. ولأن النابلسي ـ كما عرفته ـ يكره الصراع وينتقده، فقد كان يقابل تلك الحملات الشرسة بالتحدي والصمود ومقارعة الحجة بالحجة من دون أن يكون طرفد في الصراع، وما زاده الهجوم إلا إيماند وتثبيتد. وكانت النتيجة انه نجح في كسب تعاون ومشاركة عدد كبير من الاختصاصيين العرب والأجانب الذين آمنوا بصدق دعوته ونزاهة هدفه، فأيدوه وآزروه وناصروه. 4 ـ لقد تساءل الدكتور النابلسي في أكثر من مقال وتعليق ومقابلة عن مدى معقولية إدراكنا لوجوه تمايزنا واختلافنا عن الآخر بمعزل عن هذا الآخر؟. فالذات تتموقع نسبيد باعتمادها على تموقع الآخر. وينبثق عن هذا السؤال سؤال آخر: هل بالإمكان أن نتحدث عن سيكولوجيا عربية بدون مشاركة عربية كافية في الدراسات والتجارب والبحوث عبر الحضارية؟ 5 ـ هل يمكن أن يقتصر التعاون العلمي العربي في الميادين النفسية على استخدام بعض المراجع بحسب توافرها في الأسواق؟ أو ليس اشتراكنا في المعاناة وحاجاتنا لدراسة ذات الموضوعات يعتبر سببد كافيد لإرساء أسس لتعاون أعمق وأكثر فاعلية؟ الآخر

بهذا، أرجو أن أكون قد استطعت أن أنقل بدقة منطلقات المؤلف لكتاب نحو سيكولوجيا عربية. لكن الموضوعية والأمانة العلمية تقتضيان عرض وجهة نظر الآخر... التي نوجزها في ما يلي: 1 ـ لا يجوز الحديث عن علم نفس عربي، وربما جاز الحديث عن علم نفس في العالم العربي. 2 ـ إذا قبلنا تفتيت علم النفس الى عربي وأميركي وانكليزي، فلا مانع من تفتيته لاحقد الى مصري ولبناني وأردني ومغربي... الخ. 3 ـ لا يمكن طرح السيكولوجيا العربية في غياب المساهمات السيكولوجية العربية على الصعيد العالمي. 4 ـ إن طرح السيكولوجيا العربية هو طرح سياسي تمييزي. إن هذه الآراء وكثير غيرها كانت النواة التي قامت عليها الانتقادات الموجهة الى الدكتور محمد أحمد النابلسي ولمشروعه الفكري ودعوته الى تأصيل علم النفس العربي. والكتاب الذي نقدم له «نحو سيكولوجيا عربية» يحتوي الردود القاطعة ـ غير المباشرة ـ على كل ما أثير من انتقادات وآراء. والواقع أن المؤلف كان قد دأب على عرض آرائه ومواقفه وردوده هذه في قنوات متعددة، ونشر دعوته في مجلات ودوريات فكرية وعلمية متنوعة منها: الدفاع الوطني ودراسات عربية والثقافة النفسية وكتابات معاصرة والمعرفة وغيرها. كما قدم لها في العديد من المؤتمرات، منها: نحو علم نفس عربي (1992)، مدخل الى علم نفس عربي (1994)، المؤتمر العالمي الثالث لحل الصراعات (1994)، مؤتمر الكويت للصدمة النفسية (1994)، مؤتمر اتحاد الكتّاب العرب (1993). ولا شك في أن هذه التعددية كانت مصدرد لإثارة وجهات نظر مختلفة من قبل مناقشي المؤلف لدى مساهمته في الندوات الأكاديمية العربية، إذ تحول صعوبة الحصول على هذه المصادر دون اطلاع المناقشين على كامل آراء المؤلف، الأر الذي دعا المؤلف الى جمع هذه الآراء في كتاب يتيح للمهتمين الاطلاع عليها ويجيب عن أسئلتهم. ولقد تعجل الدكتور النابلسي إصدار كتابه: «نحو سيكولوجيا عربية» رغبة منه في مناقشة متعمقة لموضوعات الكتاب ومحتوياته خلال تلبيته لدعوات الزيارة لعدد من الجامعات العربية خلال العام الجاري. إن كتاب «نحو سيكولوجيا عربية» للدكتور محمد أحمد النابلسي، هو مشروع فكري ـ علمي ـ طموح، يعطي الضوء الأخضر لكل المهتمين والمعنيين بإقامة المدرسة العربية المنشودة في ميدان العلوم النفسية، والراغبين في توسيع حلقة النقاش حتى تشمل وجهات النظر المختلفة. فالكتاب يمثل دعوة مخلصة بعيدة عن الجمود الفكري أو التعصب الأعمى أو التمرد النرجسي. «أما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». د. عبد الفتاح محمد دويدار أستاذ علم النفس المساعد جامعة الاسكندرية ـ مصر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة