As Safir Logo
المصدر:

جولة في المغرب..وبين أحزابه ومشكلاته ومدنه(1) قصة»التناوب«الذي يطرحه الملك على المعارضة وموقف»الإنتظاريين«من مسألة اختيار الوقت(صورة)

المؤلف: سمارة مهى التاريخ: 1996-01-06 رقم العدد:7280

الرباط: مهى سمارة بين الانفراج السياسي والتأزم المعيشي والاقتصادي يعيش المغرب فترة انتظار املاً بتحقيق التسوية الكبرى وتتجاوب المعارضة مع دعوة الملك الحسن الثاني للتناوب، اي المشاركة في الحكم، للانطلاق في مرحلة سياسية جديدة تقوم على تحريك الاقتصاد وادخال الاصلاح وتعزيز الديموقراطية. ودعوة الملك للتناوب الموضوعة امام حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي بصورة خاصة تهدف بالدرجة الاولى الى تقويم الوضع الداخلي، الاقتصادي والسياسي، الذي فرضته حالة الجفاف من جهة ورداءة الاداء الحكومي من جهة ثانية. والدعوة الى التناوب تهدف ايضد الى الأخذ بالمتغيرات الدولية التي تفرض اللحاق «بالعولمة» والتجاوب مع نصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للتأقلم، ثم الاندماج باللعبة الاقتصادية العالمية والاوروبية والمتوسطية، المتحكمة بالموقع الجغرافي للمغرب كبوابة رئيسية على الاطلسي والبحر الابيض المتوسط وجسد يصل بين قارتين كبيرتين هما افريقيا وأوروبا. وتجاوبد مع نظرية ان الجغرافيا تصنع السياسة، تبدو القيادة المغربية واعية للمتغيرات الدولية وساعية لاقتناص دور بالانضمام الى التكتلات الاقتصادية الكبيرة التي تتقاطع حدودها مع المغرب بدءد من المغرب العربي الكبير الى الاتحاد الاوروبي والمجموعة المتوسطية وحتى «الشرق الأوسط الجديد» الذي تطرحه اسرائيل، والتوفيق بينها جميعد للاستفادة من سياسة الاسواق المفتوحة وانتقال الرساميل والتكنولوجيا والخبرات البشرية والاهم الاستثمارات الاجنبية والتنمية. ويتهيأ المغرب عبر قيادته السياسية المتنورة ونخبه البشرية المنفتحة للانخراط في «العولمة» استعدادد لاستقبال القرن 21 من دون ان تأخذه المتغيرات على حين غرة، كما يقولون. والشغل الشاغل للحكم والنخب السياسية والاقتصادية في البلاد هو «تهيئة البيت الداخلي» للتحولات الكبيرة وادخال اصلاحات جذرية تتناسب مع مستلزمات «العولمة» وتتناول كلاً من الدستور والاقتصاد والسياسة والتعليم... الجفاف والاوضاع الاقتصادية الصعبة بسبب الجفاف لعبت دور الشرارة للانطلاق بورشة العمل. ذلك ان الجفاف في المغرب قضية حيوية ووطنية نظرد لاعتماد البلاد على الانتاج الزراعي وحركة تصدير المنتجات الزراعية والفواكه الى أوروبا، التي تشكل 60 في المئة من موارد البلاد وتؤمن العمل لأكثر من ثلثي السكان. وترافقت الأزمة المعيشية الخانقة وارتفاع نسبة البطالة مع حكومة ضعيفة متهمة بالتقصير وبعدم كفاءة ونزاهة بعض اعضائها الذين يمثلون احزابد اصطناعية انشأتها الدولة لضمان اغلبية لها في البرلمان من دون ان تستند هذه الاحزاب الى اية قاعدة شعبية او سياسية. وحسب رئيس تحرير جريدة «العلم»، لسان حال حزب الاستقلال المعارض، عبد الكريم غلاب، فان «مشكلة المغرب هي التواصل مع السلطات العليا. الواسطة هي الحكومة. والمؤسف انها مشلولة وغير مؤهلة لتكون الاداة الصالحة بحكم تكوينها الخاطئ وافتقارها الى التأييد الشعبي. لذلك نرى انها لا تحظى بثقة الشعب ولا تستطيع ان تخدم الملك. واول من عبر عن هذه المرارة هو الملك «نفسه». ويشهد زائر المغرب ان البلاد على عتبة تغيير كبير وان الابواب مشرعة لما يوصف بأنه «ترتيب البيت المغربي» عبر صفقة سياسية بين القصر والمعارضة، املتها عوامل داخلية وظروف دولية لمواجهة الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية الملحة. والحديث في المغرب لا يقتصر على وجوب ادخال التناوب بمعناه السياسي بل يدعو الى تناوب الاجيال وتناوب الفعاليات ايضد، وهذا هو بيت القصيد. واكثر المتحمسين للتناوب والتغيير، هو جيل الشباب، الذي يشكل الاكثرية في المغرب، لأن 60 في المئة من الشعب (28 مليون نسمة) هم دون العشرين. والسمة الغالبة للشباب المغربي هي عزوفهم عن الدخول في الاحزاب السياسية، التقليدية والجديدة، وعدم الاهتمام بالسياسة والانصراف الى الهموم المعيشية أو الى اللهو. ويرى جيل الشباب ان الاحزاب التقليدية العريقة مثل حزب الاستقلال (عمره اكثر من 70 سنة) والاتحاد الاشتراكي (40 سنة) مدعوة للتخلي عن المعارضة والانخراط في العمل الحكومي تجاوبد مع نداء الواجب لانقاذ البلاد من الانهيار المادي، مقابل استعداد الملك للتخفيف من «مخزنة السلطة» التعبير المغربي للانفراد بالرأي والاستئثار بالحكم. عودة البصري وقد تكون اللحظة التاريخية متوفرة الان، لعودة الشخصية المعارضة البارزة محمد البصري الى البلاد، بعد 29 سنة قضاها في المنفى وعودة وكيل عام الاتحاد الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي الى مقره في الدار البيضاء. اذ ان عودة القطبين المعارضين حركت الحياة السياسية التي تشكو من الرتابة، وعرفت جيل الشباب على وجهة نظر أخرى غير تلك الصادرة عن اجهزة الدولة. ويشهد بيت البصري في الدار البيضاء يوميد مئات من رفاق المقاومة والناس العاديين والحزبيين القدامى من جميع الاعمار والمناطق والمهن مصطحبين اولادهم واحفادهم للتعرف على الشخصية التاريخية التي كتبت صفحات ذهبية في «الذاكرة الشعبية» عن مقاومة الاستعمار والدفاع عن قضايا الديموقراطية وحقوق الانسان. ويقوم البصري بزيارة الاقاليم والجهات للتعرف على احوال البلاد والاستماع الى آراء العباد. وخلال الفترة التي قضيتها في المغرب كان البصري مسافرد في الخارج. انما علمت من صديقه ورفيق نضاله عبد الرحمن اليوسفي «انه لا يزال يستطلع الاوضاع ولم يكشف عن برنامجه السياسي بعد». الملك متقدم واللعبة السياسية في المغرب هي بالطبع بيد الملك الذي يديرها بحنكة ومهارة ضمن موازين قوى لصالحه، والملك سياسي محترف في اللعبة الداخلية الا انه يتحلى بأفق استراتيجي واسع يضعه في موقع متقدم مع غيره. وفي رأي الدكتور عبدالله واسف، استاذ العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس في الرباط فان «الملك بات مقتنعد بالديموقراطية. ذلك ان هناك استحقاقات اجتماعية واقتصادية. وبها تنتهي مرحلة المناورة والميكافيلية، ويبرز استعداد للنقلة الديموقراطية ومواجهة المستقبل. ورغم اهتمام الملك بالتكتيك السياسي ومهارته المعترف بها، يبدو ان قادة الاحزاب هم سجناء التكتيك الآن». قصة التناوب ويروي الوكيل العام للاتحاد الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي قصة الاختلاف بين الملك والمعارضة في مسألة التناوب، فيقول: «منذ اوائل التسعينات تقدم الاتحاد الاشتراكي عبر نوابه في البرلمان «بملتمس الرقابة» اي طرح الثقة في الحكومة ومناقشة ضعف ادائها في الوضعين الاقتصادي والتعليمي ـ الملك استدعى المعارضة واقر بضعف الحكومة وطلب مذكرة بالاصلاحات التي تقترحها على المستويات الدستورية والسياسية والاقتصادية. «اهم النقاط في البرنامج الاصلاحي المقترح تضمنت اختيار رئيس الوزراء من اغلبية المجلس، الانتخاب المباشر لكل اعضاء البرلمان بدلاً من انتخاب ثلثي الاعضاء وتعيين الملك الثلث الآخر من الهيئات والنقابات والجمعيات وغير ذلك. لبى الملك بعض المطالب لكنه رفض الأهم بل بيت القصيد وهو اختيار جميع اعضاء المجلس النيابي بالانتخاب المباشر. في انتخابات 1993 رفضت الاحزاب المعارضة الاشتراك في ما يسمى بـ «الانتخاب غير المباشر» والذي تم بطريقة اعطت الاحزاب الادارية التي انشأتها الحكومة اغلبية الثلثين في البرلمان. استقال اليوسفي من الاتحاد الاشتراكي وغادر الى فرنسا تاركد وراءه عاصفة سياسية كانت لها ردود فعل قوية على جميع المستويات. وعلى اثر ذلك ارسل الملك موفدد الى فرنسا طالبد من اليوسفي العودة الى البلاد الا انه اعتذر. بعدها، استدعى الملك المعارضة وطلب منها الاشتراك في الحكومة باستثناء رئاسة الوزراء وحقائب الداخلية والخارجية والعدل. رفضت المعارضة. ولدى افتتاح البرلمان في اوكتوبر 1994 قام الملك بمبادرة جديدة وعرض تعيين الوزير الاول (أي رئيس الوزراء) من المعارضة على ان يشكل حكومة ائتلافية. قبلت المعارضة المبدأ ولدى الشروع في التنفيذ ظهرت عقبتان: { صعوبة التعامل مع احزاب مصطنعة وغير ممثلة للرأي العام. { اصرار الملك على ابقاء ادريس البصري، رجل النظام القوي وزيرد للداخلية. وتعتبر وزارة الداخلية في المغرب «أم الوزارات» نظرد لتدخلها في عمل الوزارات الأخرى من خلال «الانضباط الامني». عندها اقتنعت المعارضة بأن الارادة لتحقيق تناوب في السلطة لم تكتمل بعد. وبهذا الاقتناع انتهت المحاولة وعينت حكومة عبد اللطيف الفيلالي الحالية من الاحزاب الأخرى والتكنوقراط. ومن وقتها دخل المغرب مرحلة الانتظار... وما يزال حتى الآن. تياران والاحزاب السياسية في المغرب، بمختلف تنظيماتها وتنوع تياراتها الموزعة بين التقليدي والحديث والليبرالي والمحافظ واليمين واليسار والعلماني والديني تنقسم عمليد الى تيارين متصارعين: ـ تيار واقعي موجود في كل الاحزاب، وهو يريد التعاون مع الملك والتفاعل مع الدولة والانخراط في المؤسسات بأمل احداث تغيير من الداخل، واخذ الظروف الاقتصادية والتحولات الخارجية في الاعتبار، وهذا التيار يمثل الاكثرية. وتيار راديكالي يتريث في التعاون مع الملك بانتظار ظروف أخرى... بما فيها تطورات الوضع الجزائري. ويقف هذا التيار مع المتطرفين على يسار اليسار ومع الاسلاميين المتشددين المراهنين على المزيد من تدهور الاوضاع الاقتصادية والمعيشية. وهذا التيار يمثل اقلية. «الانتظاريون» وبين الفئتين، يقول المطلعون يقف من يطلق عليهم اسم «الانتظاريون»، قيادة الاحزاب التقليدية والرئيسية الممثلة بحزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، اللذين يتفاوضان مع الدولة بشأن التناوب ويطالبان بحصة في الحكم وبحقهم الشرعي في المشاركة في تسيير الشؤون العامة. والنقطةالاساسية التي تصر عليها قيادة المعارضة هي قبول الملك اعطاء احزاب المعارضة دورد فعليد لا تجميليد في الحياة الديموقراطية، ويشير قادة المعارضة الى الخزان البشري، الكفوء والنزيه، في كادرات حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والذي يستطيع المساهمة في الانتقال الى «العولمة» وتفعيل الادارة وانقاذها من الفساد والرشوة والمحسوبية. وتدعي هذه الاحزاب انها تستطيع فعلاً لا قولاً فقط ان تكون صمام الامان الذي يمنع الانفجار ويقطع الطريق على التطرف، الديني واليساري، على مستوى الشارع والجيش. وحسب محلل حيادي مغربي فان مستقبل الساحة السياسية المغربية مرهون بمواقف وسلوك «الانتظاريين» هؤلاء. فاذا التحقوا بالدولة وقبلوا بالتناوب تعززت المسيرة الديموقراطية وتهمش في المقابل دور الراديكاليين والمتطرفين. اما اذا التحق «الانتظاريون» بالقيادات الراديكالية فستكون لذلك تأثيرات واضحة على الخريطة السياسية الجديدة. الديموقراطية الفوقية رغم ان اللعبة السياسية في المغرب تجري عادة وراء الكواليس، الا أنها تخرج في بعض الحالات الى العلن. اذ يعمد الملك كلما تأزمت الامور واشتد الضغط الشعبي الى طرح مبادرات يطلقها امام الرأي العام وينتظر ردود الفعل عليها... قبل ان يتوصل الى قراره النهائي. وهذه الديموقراطية الفوقية التي يمارسها الملك تخضع كل تغيير او اصلاح الى استفتاء شعبي. في الصيف اقر تطابق الموازنة مع التوقعات الحقيقية للزراعة في استفتاء اشتركت فيه المعارضة ووافقت فيه على ما طلبه الملك. ويتردد الحديث حاليد عن استفتاء اخر منتظر قريبد حول الاصلاحات الدستورية المقترحة لانشاء مجلسين: مجلس نواب منتخب من الشعب بكامل اعضائه ومجلس شيوخ او اعيان (ربما على الطريقة الأردنية) لم يتفق بعد على تسميته يمنح المناطق او الجهات والنقابات تمثيلاً متساويد. والاشياء في المغرب، يقولون، بدأت تأخذ فعلاً حجمها الحقيقي وتبدو نوايا الملك لمواجهة المشاكل جدية، وذلك لاسباب داخلية وخارجية. لكن المسألة بنظر اهل النخبة، تبقى ما هي نوعية الحوار وما هي الآليات المستعملة؟؟؟ المعوقات لكن المعوقات في المغرب ليست سياسية فقط. ذلك ان الاستفتاءات الشعبية مثلاً تطرح موضوع التواصل مع القاعدة الشعبية العريضة بينما نصف السكان أميون. ويقول الدكتور مهدي المنجدة، احد ابرز المثقفين المغاربة واستاذ التنمية والعلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس في الرباط «ان المعوقات ليست سياسية فقط، بل ابرزها الافتقاد الى الكفاءة والمهنية» مشيرد الى مهمة الاعلام المغربي الذي ليس، على حد قوله، على مستوى المهمة للقيام بالدور المطلوب نظرد لافتقار المغرب الى «تقليد صحافي» مثل لبنان ومصر، يجعل منه منبرد للحوار السياسي والفكري. والصحافة المغربية، العربية والفرنسية، رغم كثرتها محلية الطابع تمامد وتفتقر الى الأفقين العربي والدولي. التأثير الاكبر لوسائل الاعلام المغربية هو للصحافة المكتوبة لكنه يبقى محدودد بسبب الأمية. التلفزيون المغربي محدود التأثير ايضد لان المغربي يستطيع التقاط اكثر من 50 قناة تلفزيونية اوروبية واميركية وعربية. وبسبب محدودية الاعلام المكتوب والمرئي نشأت بدائل اتصال اخرى، مثل الفيديو والكاسيت حيث توزع وتباع في الاسواق اشرطة لندوات ومحاضرات ولقاءات حزبية وسياسية. والمعوقات البنيوية والآلية ليست بسيطة كما يتصور البعض ولا يستطيع الحكم تخــطيها بفـترة زمنية محدودة على طريقة حرق المراحل ـ محو الأمية ونشر العلم وتعديل البرامج التعليمية وتبني منظور شمولي للتنمية المتوازنة بين المدن والأرياف واصلاح المؤسسات والقوانين تأخذ اجيالاً وتتطلب ميزانيات كبيرة. لذلك يعتبر الدكتور منجدة ان الاستقرار في المغرب يشجع التغيير والتناوب خاصة مع توفر «الوعي بضرورة التغيير المدروس الذي يسبق الاحداث عوضد من أن يأتي تحت ضغوط غير متوقعة ومحسوبة».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة