As Safir Logo
المصدر:

مقاربة.الجنسانية في عجائب التراث العربي(صورة)

المؤلف: الربيعو تركي علي التاريخ: 1996-01-05 رقم العدد:7279

ما أقصده بالجنسانية La Sexualité هو الصياغة العلموية للجنس وما يكتنفها من جاهزية المعرفة والسلطة، على حد تعبير فوكو Fougault، بينما تحتفظ كلمة جنس بمعناها الطبيعي(1). في دراستنا لموقع الجنس داخل حقل عجائب التراث العربي، فإننا سنغادر حقل الجنس باتجاه الجنسانية، لنقل باتجاه جنسانية أكثر قمعد، خاصة أن القمع هو صيغة العلاقة الأساسية بين السلطة والمعرفة والجنس. سبق لنا أن تعرضنا في دراسة سابقة للتعريف بما هو عجائبي وذلك اعتمادد على القزويني وقواميس اللغة، لذلك سوف نضرب صفحد عن ذلك ونتجه مباشرة الى حكايتين عجائبيتين اخترتهما من بين مجموعة من الحكايات التي تضمها كتب التراث العربي، وأشير هنا وبالأخص الى المؤلف الهام وأقصد «ألف ليلة وليلة» وكتاب «ذخيرة العجائب العربية» الذي يضم عجائب من سيرة الملك العادل سيف بن ذي زين. في الحكايتين حضور كبير للجنسانية في مستواها الذكوري السلطوي وللجنس في مستواه المنحرف، حيث تضاجع إناث البشر ذكور الحيوانات في إطار بحث عن اللذة عجيب تضخمه الجنسانية الذكورية وتستفيد منه لغايات أخرى، تتعرف عليها في إطار ثقافةالأسئلة، وعلى حد تعبير الدكتور الغنامي والتي يطرحها النص على القارئ. ونبدأ أولاً بالحكاية الأولى من ألف ليلة وليلة على أن نتبعها بالثانية من سيرة الملك العادل. الحكاية الأولى: وتحمل الرقم 345 ـ 346 من ألف ليلة وليلة، طبعة بيروت، دار مكتبة الحياة. تحكي شهرزاد ما يلي: حكي أيضا ـ بعد أن تورد حكاية فتاة مولعة بنكاح الدب ـ أنه كان لبعض السلاطين ابنة، وقد تعلق قلبها بحب عبد أسود، فافتض بكارتها وأولعت بالنكاح، فكانت لا تصبر عنه ساعة واحدة. فكشفت أمرها إلى بعض القهرمانات فأخبرتها أنه لا شيء ينكح أكثر من القرد. فاتفق أن رجلاً مرَّ تحت طاقتها بقرد كبير فأسفرت عن وجهها ونظرت الى القرد وغمزته بعيونها، فقطع القرد وثاقه وسلاسله وطلع إليها، فخبأته في مكان عندها، وصار ليلاً ونهارد على أكل وشرب ونكاح. ففطن أبوها الى ذلك وأراد قتلها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. في الليلة 346. قالت: بلغني أيها الملك السيد أن السلطان لما فطن الى أمر ابنته وأراد قتلها فشعرت بذلك، فتزيت بزي المماليك وركبت فرسد وأخذت لها بغلاً وحملته من الذهب والمعادن والقماش ما لا يوصف، وحملت القرد معها وسارت حتى وصلت به مصر، فنزلت في بعض بيوت الصحراء. وصارت كل يوم تشتري لحمد من شاب جزار ولكنها لا تأتيه إلا بعد الظهر، وهي مصفرة اللون متغيرة الوجه. فقال الشاب في نفسه: لا بد لهذا المملوك من سبب عجيب. فلما جاءت على العادة وأخذت اللحم تبعها من حيث لا تراه. قال: ولم أزل خلفها من حيث لا تراني من محل الى محل، حتى وصلت الى مكانها الذي بالصحراء ودخلت هناك، فنظرت إليها من بعض جهاتها، فرأيتها استقرت بمكانها، وأوقدت النار وطبخت اللحم، وأكلت كفايتها، وقدمت باقيه الى القرد الذي معها، فأكل كفايته، ثم أنها نزعت ما عليها من الثياب ولبست أفخر ما عندها من ملابس النساء. فعلمت أنها أنثى. ثم أنها أحضرت خمرد وشربت منه وسقت القرد. ثم واقعها القرد نحو عشر مرات حتى غشي عليها. وبعد ذلك نشر القرد عليها ملاءة من حرير وراح الى محله، فنزلت الى وسط المكان فأحس بي القرد وأراد افتراسي، فبادرته بسكين كانت معي ففريت بها كرشه، فانتبهت الصبية فزعة مرعوبة. فرأت القرد على هذه الحالة فصرخت صرخة عظيمة حتى كادت أن تزهق روحها، ثم وقعت مغشيد عليها، فلما أفاقت من غشيتها قالت لي: ما الذي حملك على ذلك؟ لكن با" عليك أن تلحقني به. فما زلت ألاطفها وأضمن لها أني أقوم بما قام القرد من كثرة النكاح إلى أن سكن روعها وتزوجت بها، فعجزت عن ذلك ولم أصبر عليه، فشكوت حالي الى بعض العجائز وذكرت لها ما كان من أمرها، فالتزمت لي تدبير الحال، وقالت لي: لا بد أن تأتيني بقدر وتملأه من الخل البكر، وتأتيني بقدر رطل من العود القرح، فأتيت لها بما طلبته، فوضعته في القدر ووضعت القدر على النار وغلته غلياند قويد. ثم أمرتني بنكاح الصبية فنكحتها الى أن غشي عليها. فحملتها العجوز وهي لا تشعر وألقت فرجها على فم القدر، فصعد دخانه حتى دخل فرجها، فنزل منه شيء فتأملته، فإذا هو دودتان إحداهما سوداء والأخرى صفراء. فقالت العجوز: الأولى تربت من نكاح العبد، والثانية من نكاح القرد. فلما أفاقت استمرت معي مدة وهي لا تطلب النكاح، وقد صرف ا" عنها تلك الحالة، وتعجبت من ذلك. فأخبرتها بالقصة». في الليلة ذات الرقم 344 الحكاية العجائبية نفسها مع بعض التحوير الذي يقتضيه سياق هذا النوع من القصص. فالقصاب وردان يتبع الفتاة الى داخل بساتين الوزير. وهناك يرى العجب حيث يعاشر الدب ـ دب عظيم الخلقة ـ الفتاة «ولم يزل كذلك حتى فعل فيها عشر مرات. ثم وقع كل منهما مغشيد عليه، وصارا لا يتحركان، فقلت في نفسي ـ القول لوردان الذي يفصح عن جنسانية متمفصلة بالسلطة المعرفة ـ هذا وقت انتهاز الفرصة. فنزلت ومعي سكين تبري العظم قبل اللحم، فلما صرت عندهما وجدتهما لا يتحرك فيهما عرق، لما حصل لهما من المشقة، فجعلت السكين في منحر الدب واتكأت عليه حتى خلصته وانعزل رأسه عن بدنه، فصار له شخير مثل قصف الرعد، فانتبهت المرأة مرعوبة، فلما رأت الدب مذبوحد وأنا واقف والسكين في يدي زعقت زعقة عظيمة، حتى ظننت أن روحها قد خرجت، وقالت لي: يا وردان أيكون هذا جزاء الإحسان؟ فقلت لها: يا عدوة نفسها هل عدمت الرجال حتى تفعلي هذا الفعل الذميم، فأطرقت برأسها الى الأرض ولم ترد جوابد، وتأملت الدب وقد نزعت رأسه عن جثته، ثم قالت: يا وردان اذبحني كما ذبحت هذا الدب وخذ من هذا الكنز حاجتك وتوجه الى سبيل حالك، فقلت لها: ارجعي الى ا" تعالي وتوبي وأتزوج بك... لكنها ترفض فيجذبها وردان من شعرها ويذبحها. الحكاية الثانية: في سيرة سيف بن ذي يزن، وعندما فتح الملك سيف البستان المطلسم ومدينة الرياض ويستقر له الحال، يأتيه تجار يصرخون ويستغيثون من تسلط أهل الجزيرة الكلبيين عليهم، وعندما يسألهم الملك سيف عن أصلهم يخبرونه بأنهم أناس: البعض منهم كلاب والبعض الآخر من بني آدم. تقول الحكاية العجائبية عن أصلهم: كانت للقوم في هذه الوادي أغنام كثيرة، وكانوا يخافون عليها من الوحوش، فاتخذوا الكلاب تسرح مع الأغنام لأجل منع الذئاب عنهم، فاتفق أن بعض النساء اتخذت لها كلبد، وكان ذلك الكلب فاجرد فصار عزيزد عندها، حتى أنها من كثرة محبتها له علّمته جماع النساء، فجامعها، فحصل لها منه لذة أكثر من زوجها، وهذا الأجل النافذ في قضاء ا" تعالى، ثم انها علمت بعض النساء ما فعلت بكلبها، فصار كل من لها كلب، تفعل به ذلك الفعل، ولما زاد بهن الحال صارت كل امرأة تحتال على زوجها وتقتله وهو نائم، حتى أفنين جميع الرجال، واستغنين بالكلاب. وصرن يحملن من الكلاب وعند الوضع، إذا كانت المولودة أنثى آدمية يتركنها، وإن جاءت على صورة الكلاب يقتلنها، إذا وضعت المرأة ذكرد، فإن جاء على صورة بني آدم قتلنه، وإذا كان على صورة الكلب أبقين عليه، حتى صار هذا العمل عندهن سنّة لا يخالفنها، وصارت النساء من بني آدم، وصار الذكور كلابد حتى امتلأ بهم الوادي. ثم بعد ذلك تركن القتل. وصار كل من وُلد يُربَّى على أية صورة كان حتى صاروا على صور شتى، منهم من هو صورة بني آدم وله ذنب مثل الكلب، ومنهم من له وجه كوجه الكلب، وهو مثل الآدمي، ومنهم من هو مثل الآدمي وله شعر على جلده(2). في كتابنا الموسوم بـ«العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية» تساءلنا عن هذا الترابط المدهش الذي تعثر عليه في النصوص الأسطورية بين المرأة والحيوان، بين عشتار والثور الوحشي، بين «قيامة» والثور كينجو Kungo، بين حواء والحية، وعزونا ذلك الى تحول تاريخي لمصلحة ألوهة ذكورية، وإلى تحول من نوع آخر، تحولت فيه الأسطورة من أداة خلق جماعية إلى أداة استرجاعية لها وظيفة استرجاعية وتكرارية وتخدم تحولات فئة في الحكم والسلطة والقمع. وفي رأينا أن الحكاية العجائبية تزخر بهذا التحول. فاللذة هي الأخرى طرأت عليها تبدلات وتغيرات خاصة إذا ما تذكرنا أن تاريخ الحضارة البشرية هو تاريخ قمع متنام. القمع حوَّل اللذة الى مجال الجنسانية، وهذه ارتبطت بالسلطة المعرفة بصورة أدق بسلطة ذكورية تصور المرأة دائمد على أنها أقرب الى الطبيعة، الى الحالة الحيوانية. ومن هنا ضرورة تأديبها ويشمل (تزويجها) وإعادتها إلى حالتها الانسانية. إن الحكايات العجائبية السابقة تظهر الانحراف على أنه يمثل بنية في المرأة الى درجة أنها لا تريد العودة إلى طبيعتها الإنسانية. تطلب الفتاة من وردان أن يذبحها حزند على الدب الذي يضاجعها أفضل من الذكور، وتساعد القهرمانة العجوز الشاب على إخراج دودتين من فرج الفتاة، الأولى سوداء من نكاح العبد والثانية صفراء من نكاح القرد. العبد هو الآخر أقرب إلى الطبيعة منه الى الثقافة إذا أخذنا بتعاريف خبراء الإناسة. وفي معظم حكايا ألف ليلة وليلة يجسد العبد اللذة والرغبة. ولذلك ليس غريبد أن تحفل الليالي بنكاحات مستمرة بين العبيد والنساء. إنه الأسود والمبهم والغامض والملعون والفحل والحيوان حيث يصور في بعض الحكايات على أنه بسبعة رؤوس كما هي حكاية (فرطوس العبوس). والأسود في الحكايا يوظف كأداة للانفتاح على المحظور، حيث يتحد الجسدان المقموعان (المرأة والعبد). بهذا يستعيد الوجود توحده والإنسان طبيعته والرغبة جزيرتها المبعدة(3). هذه الرغبة توصف بالبهمية في خطاب سلطوي/ معرفي/ ديني يربط الشهوة بالبهمية، ويتموضع الجسد فيه في أدنى الدرجات. وذلك في ظلال ثقافة قمعية لا تزال تكرر أمامنا صورها اليومية وتقمعه. من هنا قد يكون الانفتاح على المحظور والمنحرف من قبل الحكاية، يمثل وعدد بالتحرر، فقد شبه ماركيوز المنحرف جنسيد بالفيلسوف النقدي الذي يتجرأ على الوصول الى مسافات لا يصلها النقد الفلسفي الرسمي. ومن هنا يحمل إمكاند وبشرى.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة