(غرفة زهية الطاهر المؤثثة بمبالغة وإسراف. في الغرفة زهية وكريمة زوجتا عبود الغاوي السابقتان). كريمة: هل رأيت الموكب الذي دخل به إلى القرية! زهية: لم أستطع مغادرة البيت. شعرت أني مريضة. كريمة: أكان ذلك بسببه؟ زهية: (بعنف) نعم بسببه، كان قلبي يدق بعنف، وساقاي ترتعشان، كلما تخيلت أني سأراه. كريمة: إننا لا نتحدث كثيرا. أخبريني بماذا تحسين؟ زهية: ولماذا لا تخبرينني أنت؟ كريمة: هذا يعني أنك لا تثقين بي. ربما لا نلتقي كثيرا، لكنك لا تفارقين خيالي. أشعر اننا أختان توأمان، وأن النصيب ربطنا بمصير واحد. أتريدين أن تعرفي ماذا أشعر.. حين لمحته في السيارة، تمنيت أن أركض نحوه، وأن أناديه خذني معك. من الصعب أن أشرح لك كيف تتناوب عليَّ المشاعر. أحيانا أحس أني أريد أن أركع عند قدميه، وأن أغمرهما بالقبلات والبسمات. أن أعبّر له عن امتناني، لأن ما عشته، وما ذقته خلال زواجنا يساوي عمرد من حياة الناس العادية.. ومرات أشعر أن ما يوجد في إهابه هو شيطان لا إنسان، فأشتمه، وألن جحوده. زهية: أما أنا فقد أفعمت روحي تلك الجنة التي أدخلني إليها. لا.. لا أستطيع أن أغضب منه. لا أستطيع أن أكرهه أو ألومه. وحتى لو علمت أنه الشيطان فسأترك ا" ـ أستغفر ا" العظيم ـ وأعبد الشيطان. كريمة: ماذا فعل بنا هذا العبود الغاوي! لو أمر خادمه العجيب أن يقتلنا بيسر، لكان أسدى لنا معروفا. أما الآن فإن حياتنا كالأنقاض، لا نعرف كيف نلملمها أو نعيشها. الغاوي هجرنا. ونحن لم يعد يملأ عيوننا رجل آخر، أو حياة كتلك التي تعيشها نساء الضيعة. زهية: حقد.. كأن مسد أصابنا، أو وشمد دبغ أرواحنا. كريمة: فماذا نفعل إذد؟ زهية: وماذا نستطيع أن نفعل؟ كريمة: ليردنا. ليضمنا إلى خدمه. ليدخلنا في تجارته ومشاريعه. أتعلمين من يستطيع مساعدتنا؟ زهية: أهناك حقا من يستطيع مساعدتنا؟ كريمة: نعم.. إنه ذلك الخادم العجيب. زهية: وهل يجرؤ على الالتقاء بنا، دون إذن سيده؟ كريمة: دعينا نحاول.. (فجأة يظهر الخادم الأحدب، ويتقدم بحركات احتفالية). الخادم: هل دعتني السيدتان؟ زهية: (مشدوهة) أنت! كريمة: لا شك بأنك الشيطان! الخادم: أهذه شتيمة أم أمنية! لا تجيبي.. أعرف أنها أمنية. وعلى كل، القلوب على بعضها. كانت السيدتان تتحدثان عني، وكنت أنا الخادم الذي برَّح به الشوق أبحث عن السيدتين. كريمة: (بسخرية) وها نحن نلتقي، هل تحمل لنا رسالة أو خبرا، أم جئت تسخر منا؟ الخادم: لا أدري ماذا تحتاج العروستان! هل تتأخر النفقة؟ أم أن المبلغ ضاق عن الحاجة؟ زهية: لا.. لا ينقصنا المال، بل صاحب المال. نحتاج قربه، والعيش في كنفه. كريمة: قيل إنه يرتدي مسوح العفة، وإنه لن يتزوج في زيارته هذه. الخادم: سمعت قولاً صحيحد. هذه الألعاب الصغيرة ما عادت تثيرنا، في رأسه مشروع كبير، سيغير الحياة من أصلها. كريمة: هو دائما لديه مشاريع.. وهو دائما حين يسأم، يعرف كيف يدير ظهره، أما نحن فنظل على السرير وسط ملابسنا المبعثرة، لا نعرف كيف ننهض، ولا نعرف كيف نبقى. لا نطيق العودة إلى حياتنا السالفة، وليس حولنا أية إمكانية لتكرار تلك الساعات التي عرفناها، وذقناها. زهية: ونحن لا نريد رجال الضيعة، وهم يتحاشوننا، كأننا غولتان، أو مصابتان بالجذام. الخادم: لا.. تجعلان الدموع تطفر من عينيّ، أنتما أجمل عروسين خدمتهما. لا أتحمل أن تقاسيا هذا الجحود. لا أدري.. أرجو ألا تسيئا فهمي.. لديَّ حل، وإذا قبلتما فستجدان حياة النعيم، التي تليق بكما. زهية: وما هو هذا الحل؟ كريمة: أسرع. ماذا تقترح؟
الخادم: لا أدري.. أخشى أن تزعلا. كريمة: قل وخلصنا. الخادم: أقترح أن تسلما نفسيكما لي.. سأكون معلما، وستكونان أنجب تلميذتين عرفتهما. كريمة: أنت معلم! وماذا ستعلمنا؟ الخادم: لا يغرنّكما شكلي، ولا تستهينا بي. إني أعرف أسرار الشهوة والغواية منذ آدم وحتى يومنا هذا. لديَّ فنون إذا تعلمتها المرأة صارت قدرا لا يقاوم، وملكة يترامى الرجال كالممسوسين تحت قدميها. سأجعل كلاً منكما فتنة يدوخ ويغرق فيها أشد الرجال زهدا وإرادة. كريمة: هل نستعيد عبود؟ الخادم: في البداية ستعملان داخل المملكة التي يبنيها عبود. وستكونان أفضل ما في تجارته وأعماله. زهية: إذن سنعود إلى جنته. الخادم: إذا كنت تسمين قربه جنة، فإني أعدك أن تعودي إليها.. ولكن ما أعرضه عليكما واسع الآفاق، ويمكن أن يبني مملكة غنية ومستقلة بذاتها. زهية: ومع هذا.. أريد أن نظل في حمى عبود. الخادم: لا تخافي.. سنظل في حماه وهو في حمانا. سنظل معا حتى تنقضي الأوطار والآجال. كريمة: دعنا من مجونك. ألديك حقا هذه الخبرة التي تدّعيها! الخادم: بعد الموافقة، ستكتشفان خبراتي ومعارفي. زهية: وافقنا. ألا توافقين يا كريمة؟ كريمة: ليكن.. سأجربه. الخادم: إذن.. لم يبقَ إلا أن نختم الاتفاق. (يمسك رأس كريمة بين كفيه، ثم يطبع قبلة على شفتيها. ينتقل بعدئذ نحو زهية ويقبلها على فمها، ثم ينسل، ويختفي فجأة. كل واحدة تضع يدها على فمها، وفي عينيها نظرة ذاهلة). كريمة: كأنه وضع جمرة على شفتي! زهية: فعلاً، كأنها جمرة! كريمة: ما أشد غرابته! كنت دائما أخمن.. لا.. لا أدري. لكنه رجل يفي بوعوده. زهية: (وهي تحضن كريمة) آه.. أشعر أن البهجة تملأ صدري. (تتلاشى الاضاءة) (ü) لأنها تبصر بعيدا في الزمن، وتتنبأ، لقّبت بالزرقاء تشبيهد لها بزرقاء اليمامة، التي ضرب بها المثل في حدة البصر، وصدق الخبر. (دكان يوسف العلوني، يوسف وزوجته فاطمة الموعي) فاطمة: في حياتي لم أرَ الضيعة مهتاجة إلى هذا الحد. تقول إن موجة عاصفة ضربتها، وزلزلت كيانها. يوسف: عرف ابن الغاوي كيف يهز دواخل الناس، ويوقظ شياطينهم. فاطمة: هذا الصباح، حين ذهبت إلى منهل الماء، شعرت أن الضيعة تغيرت، وأن الناس غرباء. تصور.. كل الذين التقيتهم كانوا زائغي العيون، شاردي الوجوه، يتحركون وكأنهم يسيرون في نومهم. حتى النساء وجدتهن متعبات وصامتات. تملأ الواحدة جرتها، وتمضي مسرعة إلى بيتها. يوسف: ماذا تتوقعين! باغت الناس، وأشعل بينهم فتنة، لا يعرفون كيف يواجهونها. تصوري.. فجأة حضر، وسكب على رؤوسهم ثروات، لا يتصورونها حتى في الأحلام. لقد أذهلتهم المفاجأة. وهم يخافون أن يمدوا أيديهم إلى الثروة، ويخافون أيضا أن يرفضوها. فاطمة: ألا ترى أن ما يحدث لا يبشر بالخير! يوسف: ومن يعرف الآن، إن كان ما يحدث خيرد أو شرد. حتما ستتغير أحوال الناس في هذه الضيعة، وقد تكثر الفلوس في أيديهم. وإذا كثرت الفلوس، ازداد الميل الى التسوق والشراء، وانتعشت التجارة والأعمال. أتعلمين.. لو كان لدينا رأس مال، لوسعت تجارتي منذ الغد. ولكن ما العمل! ليس لدينا إلا هذه البضاعة والسمعة الطيبة. فاطمة: هذا يكفي ويزيد. إني أحمد ا"، وأبوس اليد وجهد وقفا. يوسف: طبعا.. الحمد " كل دقيقة وكل ساعة (يقترب منها ويداعب وجهها) ألا يكفي أن ا" وهبني هذا الكنز، وأعطانا كفايتنا من الحب وأسباب الرزق. (يحاول أن يحضنها ويقبلها) فاطمة: (تتملص منه بخجل) استح يا يوسف.. هل نسيت أننا في الدكان! يوسف: (وهو يلاحقها بنوع من المداعبة العابثة) أريد أن يبصر العالم كله حبي لك. (يدخل خلف الدوري) خلف: معك حق.. وا" لو كنت محلك، لأسمعت باطن الأرض والسماوات السبع أني أحبها. كنت أفضل حظا مني يا يوسف العلوني. أو أنني بليد. نعم.. كنت بليدا. أحببتها منذ كانت مثل فرخ اليمام، وخلال تلك السنوات العديدة، كنت أكتوي بحبي، ولا أدري كيف أعلنه، أو أبوح به. وبقيت كالحمار أتردد، وأنتظر، حتى خطفتها مني يا يوسف. لو خطفت النور من عيني، أو نزحت الدم من فؤادي، لكان ذلك أهون عليَّ. كنت أفضل حظا مني، وما زال الحظ الطيب يختارك ويؤاتيك. يوسف: (دون غضب) ألن تتعب من حكاية هذه السالفة؟ خلف: ستظل هذه اللوعة تكويني حتى مماتي. فاطمة: هذا الحديث عن حبك يسيء إليَّ، ويفضحني يا خلف. خلف: أنا أفضحك، أو أسيء إليك! ما عشت إن علقت بك حبة غبار من طرفي. أنا لا أحب الثرثرة، ولكن حين تطفح اللوعة في صدري.. حين أراكما.. وحين وجدتكما.. وأنتما.. وأنتما.. لم أتمالك نفسي، ووجدتني أبوح بما يعتمل في صدري. يوسف: طيب، ونحن.. ونحن.. ماذا تريد أن نخدمك؟ خلف: قلت لك.. الحظ يحالفك، وما جئت لأشتري، بل لأقدم لك. يوسف: وماذا ستقدم لي؟ خلف: اسمع يا يوسف! درس معلمي أحوال الضيعة، وما ستحتاجه حين تمتلئ جيوب الناس. فوجد أن ما ينقصها هو محل تجاري ضخم، تتوفر فيه كل أنواع البضائع، التي سيحتاجها الناس في الفترة المقبلة. محل ضخم يوجد فيه كل ما يخطر على البال من غذاء ولباس وآلات، يسمونه في البلاد الأجنبية، سورب ماركت. في البداية فكّر أن ينشئ هذا المحل، ويجعله جزءا من مشروعه. ولكن يا ا".. ما أشد خوفه من قطع الأرزاق! عرف أن قيام محل تجاري ضخم سيقضي على دكانك، ويصيبك بالافلاس، فقرر أن يعرض عليك الشراكة، وتوسيع التجارة. يوسف: عبود الغاوي يريد شراكتي!؟ خلف: سنعتبر هذا الدكان بداية صغيرة لها حسابها، وسيمدك بالمال اللازم لتوسيع البناء والتجارة معا. وبهذا الشكل يلبي حاجة الضيعة دون أن يضر أحدا. فما قولك؟ هل يحالف الحظ ابن امرأة كما يحالفك؟ يوسف: (مشدوهد) ما قولي! وهل أعرف ما قولي! فاطمة! من كان يصغي إليَّ حين تحدثت عن توسيع التجارة؟ ا".. أم الشيطان! فاطمة: أعوذ با" من الشيطان الرجيم! هذا علمه في الغيب يا يوسف. خلف: لا.. لن تتردد أمام عرض، لا تحصل عليه إلا إذا استجابت لك ليلة القدر. يوسف: ألم أقل لكِ يا فاطمة، إن ابن الغاوي عرف كيف يهز دواخل الناس، ويوقظ شياطينهم. أحس الفتنة، وأحس المال يتساقط علينا كالمطر الدافئ. ماذا تقولين؟ وما رأيك؟ فاطمة: لا أدري؛ أنت أدرى بأمور تجارتك. خلف: عجيب.. وأنا الذي كنت أتوقع أنك ستزغرد، وتطير من الفرح! يوسف: طبعا.. في داخلي صوت يزغرد، وفي داخلي اهتزاز وشراهة تصيح. طبعا.. لا أستطيع أن أقول لا. وأنا جاهز للشراكة وتوسيع التجارة. خلف: هذا هو القرار الحكيم. لو عاندت حظك لتخلى عنك. سأخبرك متى تأتي لتوقيع الاتفاق، وإجراء الترتيبات. ولا تنس يا يوسف العلوني أنك أحسن حظد مني. (يغادر الدكان.. بعد أن يختفي، تتقدم فاطمة إلى الباب وتغلقه، تستدير وتقترب من زوجها وفي عينيها نظرة متوجسة وخائفة). فاطمة: احضنّي! يوسف: (وهو يحضنها) هذه مكافأة تضاعف ربح اليوم. فاطمة: ضمني بقوة، ولا تتحدث عن الربح. يوسف: ماذا هناك؟ فاطمة: لا شيء.. أشعر بانقباض وخوف. يوسف: ما أشد حساسيتك! فاطمة: ضمني ولا تتكلم. (تتلاشى الاضاءة) مشهد 2 (في البرية، كرم تين، تينة متأججة الخضرة، وترخي غصونها حتى تمس الأرض، ولذا لا يميز المرء الجالس تحتها إلا بصعوبة. فضة تقطف ثمار التين، وتضعها في سلة تحملها. بين الحين والآخر تتلفت حولها. يأتي عبد الرحمن الدرويش بخطوات قلقة متلفتا هو الآخر ذات اليمين وذات الشمال). فضة: هل رآك أحد؟ عبد الرحمن: لا أظن. فضة: إذن أسرع، واختبئ تحت التينة العبية. (يمضي عبد الرحمن نحو التينة، التي ترخي غصونها حتى تلامس التراب. تستمر فضة في قطاف التين وهي تتطلع قلقة حولها. عندما تطمئن أنه لا يوجد أحد في الجوار، تسرع وتنضم إلى عبد الرحمن).
عبد الرحمن: لماذا جلست بعيدا عني؟ فضة: لعن ا" هذا العمر. تعبت من الخوف. تعبت من اللهفة. تعبت من الانتظار. تعبت من الكذب. تعبت من الفقر. تعبت من كل شيء. عبد الرحمن: (يقترب منها، ويضم بذراعه اليمنى كتفيها) ماذا هناك؟ هذه المرارة توجعني، هل تقصدين لومي؟ فضة: لا أعرف من ألوم! أنت، أم أنا، أم هذه الدنيا، أم نحن جميعا! سنوات من الهوى المجنون.. ومع هذا لا نلتقي إلا خلسة، ولا نذوق إلا متعة ينغصها الخوف. لم يبق حجر ولا صخرة، ولا شجرة عبية، ولا خرابة، إلا وشهدت عرينا، وتركت وسخها وعلامتها على جسدينا. عبد الرحمن: (وهو يلحس أذنها مداعبا) ألا تدرين يا روحي، أن هذا الخوف المرتعش، هو الذي يؤجج الحب في قلبينا، ويضاعف اللذة في جسدينا! فضة: ولكني تعبت.. أنت لا تعرف كم أشتهي الاسترخاء بعد المعاشرة! هكذا.. أن أسترخي على سرير واسع، وأنت إلى جواري، وأن نغفو لحظات، وأن نشعر أن العالم بعيد، كأنه رحل ونسينا. عبد الرحمن: يا ا".. ما أجمل ما تقولين! أحس هيجاند لذيذد يسري في جسدي. فضة: نعم.. نبدأ بالهياج، ثم نفعلها ونحن نتلفت خوفد. ثم نسوي ملابسنا، ونمضي، أنت إلى الراحة والعز، وأنا أعود إلى الشقاء والفقر. عبد الرحمن: هذه المرارة التي تتحدثين بها، تضغط على عنقي يا فضة، قولي ماذا هناك؟ فضة: لا شيء.. ياسين يعرف عنا أكثر مما توقعت. وابن الغاوي لم يأت هذه المرة كي يتزوج، وأنا تعبت من الحب فوق الحجارة والتراب، قل لي.. ماذا تنوي أن تفعل بالفلوس التي ستقبضها؟ عبد الرحمن: أية فلوس؟ فضة: فلوس الأراضي التي ستبيعها. عبد الرحمن: وما أدراك أني سأبيع؟ لم أقرر بعد. فضة: ولماذا لم تقرر؟ هذه فرصة لن تتكرر، نعم ستبيع.. وسيكون معك مال كثير. أجل.. مال كثير. هل تحبني فعلاً يا عبد الرحمن؟ عبد الرحمن: إني لا أعرف كيف أجمّع ما تقولين! تريدين أن أبيع! ليكن.. سأبيع. فضة: (تقاطعه بلهفة) أتفعل ذلك من أجلي؟ عبد الرحمن: كنت ميالاً للبيع. وجاء كلامك الآن، فحسم ترددي. فضة: نعم.. ستبيع، وستملأ جيوبك أكداس من المال. عبد الرحمن: لا أفهم إلحاحك على المال. ماذا تخفين؟ فضة: طبعا.. لن تفهم إلحاحي على المال. عشت دائما ميسور الحال. أما أنا فقد عشت حياتي كلها في العوز والحرمان. كنت دائما أحتاج الى المال، وأحلم به. عبد الرحمن: حاولت ألا أقصر، هل قصرت؟ فضة: لا.. أنقذتني مرات من الجوع والبهدلة، ولكن مالك لم يكن وفيرا. عبد الرحمن: لا شك بأني قصرت، كان ينبغي أن أعرف متى تحتاجين، وأن أسعفك وقت حاجتك. فضة: (وهي تعانقه) لا عليك.. ليس هناك ما تلوم نفسك عليه. قل لي.. هل ترغب بي حقا؟ عبد الرحمن: لا أرغب بشيء في الدنيا أكثر منك. فضة: (وهي تندس فيه) إذن.. دعنا نسافر. عبد الرحمن: نسافر! إلى أين؟ فضة: إلى أي مكان بعيد، إلى مدينة بعيدة، لا يعرفنا فيها أحد.. أنا وأنت ومعنا مال كثير. ستشتري لي ثيابا جميلة، وعطورا فاخرة. سنأكل في مطعم، وسننام في فندق. فراش واسع ونظيف. نتلاعب عليه، ونتبغدد طوال الليل. تخيل سنقضي الليل معا، وسأنام على زندك، وتنام على زندي. عبد الرحمن: (وهو يغلغل يده تحت ثيابها) آه.. هذا جميل.. هذا جميل جدد. فضة: (هامسة) سنكون جميلين، وسنمحو العمر الشقي من ذاكرتنا، هل وافقت؟ عبد الرحمن: (وهو يلهث) سأشتري لك ثيابا جميلة، وعطورا فاخرة، وسأحملك بسيارة جديدة الى مدينة بعيدة. فضة: سأطلب الطلاق من ياسين. عبد الرحمن: أطلبيه... أطلبيه. فضة: وأنت.. ماذا ستفعل؟ عبد الرحمن: إني أحلم.. هذا حلم جميل.. جميل. فضة: (فجأة تنهض غاضبة) دعني.. إنك تتكلم كالمسطول. أتظن أني أحلم! لا إني جادة. هل تسمعني؟ أنا جادة وأعني ما قلت. عبد الرحمن: يا ا"..! إهدئي قليلاً. فضة: لن أهدأ.. أعطيتك أجمل سنوات عمري. كنت تفعل بي ما تشاء، وحين تشاء. أجمل سنوات عمري، وأنا أصلي في محرابك. لم يخطر ببالك مرة أن تعطيني شيئا، أن تمنحني أملاً، أن تتخيل لنا مستقبلاً. تعبت من الغمز واللمز، تعبت من الاستلقاء على الحجارة والشوك. ولا يمكن أن نواصل على هذا النحو. لا يا عبد الرحمن، إني جادة، سأنتظرك يوم تقبض ثمن أراضيك، فإذا عزمت، تعال وسأكون جاهزة، وإذا لم تعزم، فلن يكون بيننا لقاء بعد اليوم. (تتركه وتمضي) عبد الرحمن: يا ا"! انتظري قليلاً.. يجب أن نتكلم. فضة: (وهي تبتعد) تكلمت أكثر مما يجب، وليس لديَّ ما أضيفه. عبد الرحمن: (وحيدد) يا ا".. لم أعرف كيف أجمّع كلامها، وأفهم مغزاه. لا شك بأنها جادة.. يقيند انها جادة. (تتلاشى الإضاءة) مشهد 3 (بيت ياسين. ياسين وابنته رباب) ياسين: (يعزف ويدندن) يا أسمر السمر.. آه. رباب: تردد وكأنها تشجعه) آه.. ياسين: يا أسمر السمر ياما عيّروني فيك. رباب: فيك.. ياسين: وكل ما عيّروني فيك زدت رغبة فيك. رباب: فيك.. ياسين: إنت الورد بالسحر وأنا الندى بسقيك. رباب: بسقيك.. ياسين: إنت الثريا وأنا الميزان برعى فيك. رباب: (تصفق) طيّب ا" هذا الصوت. ياسين: ما أحلى وجودك قربي! لولاك لما استطعت البقاء يوما واحدا في هذا البيت. رباب: وولداك! ياسين: إني أحبهما، ويتقطع قلبي حين أتخيل أنهما يكدحان في المدينة، كي يؤمنا مصاريف الدراسة والحياة. ولكن أشعر أن أحدا في هذا البيت لا يفهمني، أو يتعاطف معي سواك.. رباب: لا يا أبي.. الجميع يحبونك، ويحفظون لك حقك من الاحترام. ياسين: أعرف كم تتمنين إصلاح الأمور، وأن تسود المحبة هذا البيت. لكن ماذا أقول لك! هناك فساد قديم لا يمكن إصلاحه يا رباب. رباب: أهي علاقتك بأمي؟ ياسين: عيك من هذا. هناك أمور لا تقال. ولا تظني أني لا أدرك جانبي من المسؤولية، وأدرك أيضا أن لهم الحق في لومي. ماذا أفعل! لم يورثني أبي إلا كرم التين المليء بالصخور، ولم يعلمني إلا ارتجال المواويل والغناء على الربابة. في الأيام الخوالي كانت العائلات تتخاطفني، وكانت القرى تتسابق لدعوتي. وبلغ صيتي قرى نائية لا تخطر على البال. في تلك الأيام كانت الفلوس تجري في يدي، وكنت أنفق على البيت دون حساب. عمري ما احترمت الفلوس، وما تعلمت كيف أخبئ قرشي الأبيض ليومي الأسود. ثم بدأ الزمن يغدر بالشاعر، ويأتي محملاً بهذه الآلات العجيبة. جاء الراديو ثم آلات التسجيل، ثم التلفزيون.. ويوما بعد يوم كان يتوارى ذكر الشاعر، وينساه الناس. قلّت الدعوات، ثم ندرت، ثم لم يعد الشاعر يسافر إلا لأنه يحب السفر، ويغذي أشعاره بالترحال. نعم.. عندما كبرتم، وازدادت حاجاتكم تضاءل عطاء الأكارم، وشح المال في يدي. رباب: (عيناها دامعتان) لا تلم نفسك يا أبي. ياسين: هل تبكين يا رباب؟ كل ما عانيته لا يساوي دمعة واحدة من عينيك. ولديَّ خبر مفرح لم أقله لك بعد.. بدأ الحظ ينقلب، ويفتح أمامي الأبواب. هذا سر بيننا. إن عبود الغاوي مسحور بمواويلي وغنائي. ألم تلاحظي! حين يسهر في القرية، لا يستطيع أن يستغني عن وجودي. بل وطلب مني أن أجهز نفسي، كي أذهب معه الى العاصمة. يريد أن يسجل كل مواويلي على أشرطة وأسطوانات. قال لي إن الجالية في المهجر متعطشة لهذا اللون من الفن الشعبي، وأنهم سيتخاطفون الأشرطة والأسطوانات، وسيكون لي دخل وفير ومستمر. رباب: هل أنت مطمئن له يا أبي؟ ياسين: في البداية، لم أكن أطيق ذكره. وحين فاتحتني أمك، طار الصواب من رأسي.. أنت تعرفين ما جرى بعد ذلك.. والاعتراف بالحق يا ابنتي فضيلة. تبيّن ان الرجل حريص على أهل قريته، وأنه ما جاء إلا لكي يساعدهم، ويوفر لهم البحبوحة والازدهار. خذي حالتي مثلا.. كان يمكن أن أموت، وأن يموت معي كل ما جاءت به قريحتي. لكن الرجل بدا مرهفا وكريما. قدّر فني، وأخذ بيدي. أنا لم أطلب شيئا.. بل هو الذي اقترح أن يسجل مواويلي كي يحفظ ذكري، ويساعدني على رزقي. لا.. إن الرجل شهم، وإني مطمئن الى شهامته. رباب: هناك من يتوجس من مجيئه، والمشروع الذي يبنيه. وفي الضيعة تدور أقاويل وتخمينات كثيرة.
ياسين: هذا ما يبرع به أهل ضيعتنا.. النمائم والقيل والقال. بعض الناس لا يرحمون، ولا يتركون رحمة ا" تصيبهم. اطمئني يا ابنتي، من كثرة ما صاحبت وعاشرت، صار أبوك يعرف كيف يزن الرجال، ويميز سجاياهم (يضع الربابة في كيس مخملي ويتأهب للخروج). سأذهب الآن (يتوقف ويلتفت) أين أمك؟ رباب: ذهبت كي تقطف كرم التين. ياسين: (وهو يخرج) قولي لها إني سهران عند الغاوي. (يخرج) رباب: إذا لم يكن ابن الغاوي جادا، فستقضي الخيبة عليه. يا رب.. لا تخيّب مسعاه، ولا تحبط أمله. (يتغير وجهها) وماذا لو كان ما يفعله ابن الغاوي خطة لاصطيادي! أيمكن أن تمر على أبي هذه الآلاعيب! أف.. منذ جاء لم نعد نعرف الهدوء والسكينة. (يدخل بسام الراضي، فيرى رباب تخفي وجهها بيديها) بسام: رأيت أباك يخرج، فانتهزت الفرصة. رباب: ستأتي أمي عما قليل. بسام: أتطلبين أن أخرج. رباب: لا.. لم أعنِ ذلك.. تفضل واجلس. بسام: جئت لأقول لك.. سأفاتح أهلكِ بالموضوع غدا أو بعد غد. رباب: أفضل أن تؤجل ذلك.. بسام: أخبرت أبي، وسيأتي معي، فلماذا التأجيل؟ رباب: لا أدري.. لست مستعدة الآن. بسام: وماذا يمنعك؟ منذ فترة كنت راضية، أو هذا ما بدا لي. رباب: أجل.. أحببت كلامك عن المساواة بين الرجل والمرأة. والعمل المشترك ضد الأفكار البالية، والتقاليد المتخلفة. أعجبني تقشفك وحديثك عن عش زوجي مفروش بالبسط اليدوية، والطراريح، وموقدة الخطب. ولكن.. لا أدري.. بعد فترة، اكتشفت أن هذا وحده لا يكفي. بسام: ولماذا لا يكفي! قولي بصراحة، أتحبينني أم لا؟ رباب: آه.. الحب! ما زلت صغيرة يا بسام، ومشاعري تموج متغيرة كتقلبات الريح. إن لديَّ أحلاما كثيرة، وأحيانا أحس أن الدنيا أضيق من أن تتسع لطموحي وإمكانياتي. بسام: هذه بداية الداء. البريق يجذب، والثروة تغوي. ولعلك تنتظرين زيارة ابن الغاوي أو أخته. رباب: أهذا رأيك فيَّ؟ بسام: آسف.. أردد الشائعات، لأن ما تقولينه يبدو كالمراوغة أو الهروب. رباب: (بعنف) لست الفتاة التي تقبل أن تباع، وليس هناك ما أهرب منه، ما قلته لك هو الصدق. أحس أن مشاعري تموج، وتتغير، وأحلامي الغامضة والمثقلة بالوعود، ليس للزواج مكان فيها. بسام: (بلهجة واخزة) وبماذا تحلم الآنسة رباب؟ رباب: (تغمض عينيها، وفي لهجتها شيطنة) آه.. مثلاً.. أحلم أن أسافر وأبي. لا نحمل شيئا إلا ربابته وأغانيه. نتوه في الدروب منتقلين من بلد الى بلد، وأينما حللنا ننشر حولنا فرحا وموالاً.. آه.. من الصعب أن تفهم ما أحلم به. (تتنصت بانتباه) أعتقد أن أمي جاءت أرجوك أن تخرج ولا تحرجني معها. بسام: سأخرج.. ولكن أرجوك أن تفكري جيدا، ولا تدعي النزوات تضيع فرصة عمرنا. رباب: (وهي تدفعه) طيب سأفكر.. أعدك أن أفكر. (يخرج.. وتتلاشى الاضاءة)