As Safir Logo
المصدر:

نص.تجربتي في مسرحية"الخادمتان"(صورة)

المؤلف: الاسدي جواد التاريخ: 1996-01-26 رقم العدد:7297

لست أود بأي حال من الأحوال دفع التمثيل نحو ثبات الرؤيا، بقدر ما أحاول دائما خلخلة كيان الممثل، لا أمنحه مرآة واضحة تبيّن صورته أو احتمالات صوره، إنني ممن يبثون في عقل الممثل ووجدانه وجسده إرسالات ومناخات وإشارات غير نهائية، ليست قصدية، لا ماضي لها ولا حاضر، بتعبير آخر أحث التمثيل على التغذي من المعنى الراهن، المعنى الآني، المجبول بذاكرة جهنمية، نيرانه، بتعبير ثان أن يغرف من الأرصفة والشارع والبيت وتفتح ذاكرته على أقصى ذروات الخراب، كان لا بد من أن أدفع الممثلات للإحساس بغبار أرواحهن، بحالة أرديتهن وبالامتهان الجسدي والروحي في أيامهن منذ الأيام الأولى، منذ الخوف الأول، حاولنا أن نغذي بروفاتنا بمراقبة صارمة لمنهج وطريقة عملنا، كم كنت خائفù من احتمالات انهيار العمل المسرحي فينا، أنا لا أجرجر الممثل على ميزانسينات مفهومة، لا أضع أي اعتبار للحركة، في بادئ الأمر أركز على تحضير روح الممثل، دائما كنت وما زلت أحث الممثلين على السفر داخل أرواحهم، في عربة قطار أو مع حصان حوذي أو ركضù حد الجنون. التفكيك أو فتح ثغرة في كيان الممثل أمر حاسم بالنسبة لي، وتلقف أو تبادل المواقع حول هذا الإبحار ومعه يشكل بالنسبة لي أولوية صارخة، لست أحبذ الممثل التنبل، أو الممثل البطيء، أو الممثل الذي يضيع زمنه بجدل فارغ، على الممثل أن يقرأ النص بوعيه الحالم، بعقله الفذ، أيضù عليه أن يفهم معنى حرق المراحل ومعنى الكثافة، معنى عمله مع نفسه خارج البروفة ومستلزمات أو ضرورات قطف الأزهار النضرة لتقديمها في البروفة، زمن الممثل ما قبل البروفة وبعده هو زمن النص والإخراج ثم العرض! ليس هناك أي فصل جذري بين زمن الممثل خارج البروفة وزمنه داخل البروفة، لا يمكن الانشغال عن النبش الحقيقي لتطعيم البروفة بلحظات بزوغ فعلية، ذاكرة الممثل الدراماتيكية الغنية ذات الأرشيف الغزير، وجع ذاكرة الممثل، انتماؤه الى عصره، رفضه لزيف عصره، طهرانيته، أحلامه المستحيلة، إحساسه بالحب، بالعالم، بجسده، إنه أمر حاسم في تشكل وعي التمثيل، التمثيل هو وعي الوعي، هو ضرورة الضرورة لكشف ما لا يمكن كشفه، إزاحة الأقنعة عن القناع الأصلي، ابتكار الوجه الانساني لصورة الانسان من داخله وخارجه، من جسده وروحه! لا يمكن في أي حال التمادي في لعبة الخدمة والخدم، التسيّد، السادة، الانتهاك. ومسرحيتنا التي ستنقذف في جوف الممثل كنص لا بد من أن تثير مفهوم الاستعمال الذي أصبح العلاقة الفارقة في مجتمعنا! ثمة من يستعمل أرواحنا، الغني يستعمل الفقير، المدير يستخدم موظفه، الأب يستخدم أبناءه، الدولة تستعمل الناس، الاستعمال السلعي صار أمرا مفروغا منه، وعندما يفرغ العصر من المثل الروحية ويطغى رأسمال العقارات، يصبح مفهوم الاستعمال أكثر بداهة وحركة وحرية، بالتدريج يصبح الإنسان مدمنا على فكرة الاستعمال دونما أي رفض. نحن لا نرفض أوامر أسيادنا ولا مطالب من يدفعون لنا كي يمنحونا الخبز، الخبز معجون بذلّنا، الذل عنوان خبزنا، سقوط مريع، وفراغ موحش، وحشة فارغة. هكذا هو عالم »الخادمتان«، فارغ، أجوف، معدني، صلصالي. وبقدر ما هو فارغ ومفرغ فإنه غزير، الغضب يتكدس، ينام، يعشش، تمامù مثل البصاق، أو مثل غبار الكتب العفنة. على الممثل أن يعرف هذا العفن، أن يستمرقه، أن ينظر إليه مثلما ينظر مصوّر مخبول إلى العالم من خلال كاميرته التي هي روحه. استغربت ممثلاتي في بداية البروفات من طريقة عملي، كن ينتظرن بعد القراءات الأولى أن أوعز لهن بالحركة، أو بالتشكل الحركي، بينما كنت أود أولاً معرفتهن، معرفة رهافتهن، مدى استقبالهن للملاحظة، ثم بأي معنى سنحول الملاحظات إلى كيان. والمسألة ليست نبشù في ملاحظات أدبية، بل إشعال النار في الهشيم، إشعال الفتنة المخبوءة في الممثل، إدارة رأسه نحو نزعاته الفردية والجماعية. كنت في بداية بروفاتي أقوم بتشكيل الغبار، أو الهزيمة، أو إعطاء مساحة زمنية لإثارة فتوة الوجه المتكدس، إعادة النظر بالنظرة، اللمسة، الميل الجسدي، التكوين التشريحي، إعادة تأسيس العلاقة مع وظيفة أعضاء الجسد، ماذا يمكن أن تفعل اليد في الفراغ أو مع الجسد، إلى أي حد يمكن تفعيل دور اليد وإخراجها من وظيفتها البديهية أو الميكانيكية أو النتورالية. الأمر أيضا له علاقة بفهم الممثل لجسده! ثمار جسده، أغصان جسده، عواطف الجسد، هدأة الجسد، موسيقى الجسد، ثم التلاحم مع روح الجسد. هنا توقفنا كثيرù في بروفات الأيام الأولى للتأكد من فهمنا المتبادل حول هذه الوظيفة أو الوظائف. بعد عدد من التمارين أصبح جليا أننا دخلنا مرحلة ثانية تبدد فيها القلق، توارى، بقي جزء منه، لكن احتمالات النضوج وفهم طريقة العمل أصبحت وشيكة. تطور الفهم المتبادل وانتهينا من احتمالات القطيعة، التناقض، أو الانفصال، العكس صحيح، قلق الممثلين، توترهم، خوفهم، والرغبة الفعلية في منح البروفة طعما ثانيا والدخول في تجديدات مفهوم الأداء والنيات في العزف على الألوان الأخرى بعيدا عن كليشيهات التمثيل، وعن التمترس في الأداء المتعارف عليه، كان علينا أن نكنس كل ما هو عتيق، وإضاءة بيان تجديد روح الممثل ذي العنوة، قوي الشكيمة، صاحي الجسد والروح، ذلك المتوثب، المستفز، الراغب في الصعود الى نهاية السلم، العازف على طبول التطرف، لست أحب الأداء الحيادي ولا الخيارات الأحادية، لا البصرية ولا الأدبية ولا العاطفية، بالعكس دائما أنشد التطرف! إلى أقصى احتمالاته في أداء جواني مركب، يمنح الإنسان والممثل في الإنسان أو الانسان في الممثل إلى الارتقاء بجسده وروحه إلى أعلى محطات الاحتمال الجديد. هكذا كان لا بد من أن نمشي بخطوات سريعة، مكثفة، متوترة تأخذ طابع الضربات أو النقر على الإيقاع بعنف، وبعنف شكسبيري مع خواص أدائية ليّنة تؤدي الى مزج متقطع وسكوت أو فجوات سكوت! بدا الأمر مع رندة وجوليا سهلاً برغم مرارة الصعوبات الأولى، لماعا برغم عتمة البروفات الأولية، تداخلت البروفات مع مؤانسات مؤنسة على صعيد العلاقة الشخصية بيني وبين الممثلات، أزهرت فكرة المعايشة الملاينة، المسامحة، المودة، والحب الفعلي المبني على ابتكار أكثر الطرق طراوة مع البروفات. كأنما بعد شهر من البروفات صرت أعرف الممثلين، كأنني عشت معهم قبلاً، أو أحسست بهم مثلما كنت أحس مع فايز قزق وغسان مسعود، أو دلع الرحبي، أو أمل عمران، يبدو طابع البروفة امتدادù لبروفات »الاغتصاب« و»تقاسيم«. خارج البروفة كان مهمù من حيث مناشدة الحوار والجدل وقراءة الاحتمالات الفنية وبناء الشخصيات، هدمها ثم إعادة تكوينها وفق رسومات ونقوش قلقة تؤدي الى مسار متصاعد، ضاغط، غير مستسلم! رينيه ديك وافقت على اغتيال كل ما من شأنه عرقلة البروفة!؟ عاشت بروفاتي بمحبة لا مثيل لها، انتمائي إليها صار كليù برغم إحساسي بكونها تهدد مسرحيتي، ذات نهار بعد ليال من التمارين المضنية التي لم تؤدِّ الى نتائج قررت أن أهددها! اعتذرت منها عن عدم إمكانيتي على مواصلة البروفات إلا إذا أعادت ترتيب إحساسها بالزمن، بالإيقاع، بمخارج الحروف، بالوهن الجسدي والروحي، إذا أردت أن تكوني حية وأن تنفضي غبار الخراب الروحي عنك فهذه فرصتك في إعادة التكوين! هكذا قلت لها. كنت أريد أن أستفزها، أن أدفعها الى إعادة تمثل نفسها، وأن تكشف ميلها وانتماءها الى المسرح والبروفة! أمامك 24 ساعة فقط! ارتعبت، بكت، جن جنونها، خرجت، دخلت، ارتفع صوتها، ماتت، عادت إلى الحياة من جديد، وافقت على التحدي! لكي تواصل بروفاتها معنا كان لا بد من أن تقرأها بطريقة مختلفة، تماما ضد طريقة فهمي الجوهري الذي كان ينوي تكريس معالجة أخرى، مع الواقع الجديد ومع معطيات ومفردات رينيه ديك عالجت نصها وجسدها، هكذا اعتقدت، رينيه ديك الخارجة من دهليز موتها لن تقدر مطلقù على احتمال النص، لن تقدر على التساوق مع الايقاع الذي أحبذه، إذù كان لا بد من التفتيش عن إيقاعها كي يطلع منها، حاولت أن أتخلى عن وجهة نظري الأولى في تحليل الشخصية، صوت رينيه، شكل رينيه، جسد رينيه، ثقافة رينيه، بعد بروفات طويلة إن صار أن أغير طريقة معالجتي لشخصية السيدة، لا بد من أن أحرف في عنوان وأصول هذه الشخصية، زمن أصلع، سيدة صلعاء، زمن كابوسي، سيدة كابوسية، عقم، عقيمان، أبواب مسدودة، خزانات أشبه بالمقابر، تؤدي الى أقبية معدنية، هل تحلقين شعرك يا رينيه؟! أحلق شعري أجابت! أفعل كل ما تريد! تعجبت من أن تكون سيدة بهذا العمر وهذا العذاب مثالية في أخلاقها المسرحية الى هذه الدرجة! عندما قالت لي نعم أحلق شعري ازداد حبي لها وقررت المضي معها حتى الرمق الأخير، دخلت مع الممثلين مرحلة جديدة من إعادة النقد للبنية لمشهدية المسرحية في محاولة لترسيخ المفهوم النحتي داخل بنيان العرض، دائما كنت وما زلت مفتونا بالنحت، الرسم بالفراغ، لذتي الشخصية، الضوء المسلط على روح الشخصية يشكل بالنسبة لي معرفة جديدة، رسمù جديدù، تكونù ثانيù. منذ المشهد الأول كان على الممثلين أن يرتبوا عناوين أجسادهم على النحو الذي يخرجهم من الأدب الى النحت، من النحت الى الشعر، الدخول الى المسرحية أو مع المسرحية، مع الضوء الأخضر الخافت المسلط على رؤوس الممثلين الذين سيجوا أجسادهم بقماش أسود عتيق، الرؤوس مرتفعة نحو سقف المسرح وصوت القطار يشق المسرح وأرواح الممثلين ثم روح كلير وسولانج! من أين يأتي هذا القطار المحمل بالنصوص والخيول والذكريات! من أي محطة أتى؟ والى أي محطة ينوي الإبحار!! ماذا يحمل القطار لنا من فاكهة! غبار أم مسك أم توابيت؟ ذكريات أم دفوف! أغانٍ أم نواح! لست أدري، كل ما أعرفه أن ثمة وحشù كاسرù اسمه العربات يمر على أرواحنا فيهدمها، بعد مرور القطار في المرايا المعلقة في سقف المسرح وفي أجساد الممثلين تستيقظ الممثلات على اللعب الممسرح، كلير تلعب السيدة وتتلاعب بها، سولانج تبتلع كلير في جوفها كي تعيد تشخيصها من جديد، المشهد الممسرح يقوم على مفهوم نبش المكبوت، المؤجل المسكون، الممدود، في كل ليلة وبوحشية مريبة تعيد الخادمتان قداس عويلها، سولانج أحيانا تلعب السيدة وأحيانù أخرى تلعبها كلير، إعادة حرث، إعادة كره، إعادة صلب، تمادٍ، يدا سولانج، تمتدان نحو وجع كلير، واليد صورة للنبش الجواني، كلير مشرعة لسولانج والأخرى أيضا تشرع صورتها وجسدها لأختها، في تقابل نحتي، فيزيائي، تعوم الوجوه، العيون تأكل العيون بنظرات شرسة! تتوضح سلطة كلير في تشخيصها لدور السيدة، تنكشف صورة سولانج في ضعفها ووجهها الشاحب، قوة مفتعلة مستعارة أمام ضعف مميت غير مستعار، سولانج عندما تلعب كلير فإنها تستطيع ان تقدم أختها بصدق قوي لأنها عمليù تلعب حياتها من خلال اختها، أما كلير فإنها ستعاني كثيرا في تشخيص السيدة، لسبب واضح له علاقة بفارق الانتماء، سولانج تنتمي لآلام كلير لهذا فإنها ستكون على حافة الخطورة في تشخيصها، كلير لا تنتمي للسيدة، إذù لا بد من تبعيد بين روح كلير المعبأة ضد السيدة وبين التبعيد بين السيدة وكلير. عوالم قائمة على التباس سحري، مغرب، يدرب الممثل من خلالها نفسه على نفي النفس في الخراب أو تخريب النفي في نفي لاحق، مع مشهدية تعتمد نسيجù مركبù وتناقضيù!! في مناخ من هلع التشخيص والحفر والنبش والشتائم والكلمات البذيئة والدونية التي تقصد كهربة النفوس، تتسارع المشاهد في سياق إيقاعي متواتر، متواثب، خلسوي، تطاحني، مزاجي، يؤدي الى التعامل في مرايا البوح: (مقطع من النص): كلير: قلت لك دائما أن تتركي القفازات في المطبخ، أم أنك تريدين إغواء الحلاب بها!! سولانج: الحلاب! كلير: لا تكذبي! سولانج: أكذب! كلير: نعم لا تكذبي، لا فائدة من أن تكذبي، خذي القفازات الى المطبخ، متى تفهمين أن هذه الغرفة يجب ألا تدنس، كل ما يأتي في المطبخ بصاق، أخرجي واحملي معك بصاقك. * * * عندما تنفرط منحوتات المشهد الأول المركب في المسرح داخل المسرح وبفعل منبه عنيف ينبه وجوههن ويدق نواقيسهن تنفرط اللعبة، وبهلع لا مثيل له ترتب الخادمات أعضاءهن من جديد، يفرشن قلقهن على الطاولة، الزهور الذابلة تعود الى سابق عهدها، المنبه إلى زاوية والمرايا الى قناديلها، أما كأس الشمبانيا فتبقى تنتظر اللحظة الحاسمة! الخادمتان تصبحان خادمتين من جديد، تنزع كلير صورة السيدة وسولانج صورة كلير، حث قلق باتجاه إعادة الغبار الى عهده والنفوس الى سكونها الأول، الاتهامات هذه المرة بين الأختين، كل واحدة منهما تتهم الأخرى بالخوف والجبن وتأجيل اتخاذ القرار في ما يخص القتل في اللحظة الحاسمة! شتائم متبادلة، كره متبادل، حب متبادل، ونية القتل الفعلية التي تشد الأختين الى حطام قدرهما الخفي، كأنما ثمة قوة جبرية تتدخل دائما لتخريب لحظة القتل، كأنما ثمة تواطؤ بين ا" نفسه وبين السلطة لتدمير خادماته، الخادمتان ضحايا السلطة وا" في آن واحد، إلا إذا قرر الرب حمايتهما من سعيرهما، وواضح ان القرار الحاسم لم يتخذ بعد بشأن التمترس مع القوى السفلية للخلاص من القوى العلوية، ا" العلوي يمنح البركة للسلطة العلوية للتنكيل بالحضيضيين، التواقين الى ا" في دق ناقوس الحرية، لكل خادمة ثمة ا" تستنجد به ساعة الزمهرير. لم يعد أي مجال للتمسرح، هنا يتوضح عذاب الانتهاك على حقيقته! النميمة والأقاويل والشبق والاشتهاء، تنسج كومة من الخرز التي ستشكل تلك المسبحة اللازوردية اللماعة التي ستنفرط على جيد السيدة، في مشهد عودة سولانج وكلير إلى نفسيهما، تصل الممثلتان الى تفائهما وتمعدنهما... سولانج: نحن خراف أبدية لسادة أبديين. ماء. ماء. ماء. (هذه هي خلاصة المشهد، خلاصة التوثب الطالع من خلاصة الانهيار). كلير: سأقتلها وا" العظيم سأقتلها. ستكون ذراع الحلاب سندù لي، سأقتلها!!! لحظة سطوع وإثارة قناديل الحرية المعلقة خارج الخلسة، خارج المراقبة، انتفاضة حاطة، انتفاضة واهمة عنف على الطاولة، حرية فريدة على سطح الطاولة، انهيار على الطاولة، ارتعاشات سطوح ملساء ونوم أبدي ينام على صوت قطار يحمل الخادمتين ولو بالضوء أو بالوهم إلى محطة محتملة، مقترحة ولو بالحلم حيث يصبح القطار خلاصا، أو قبة خلاص. * * * السيدة في عشقها السيد: القتل احتفالا أو الاحتفال قتلاً، هكذا عبأنا طاقة »الخادمتان« بعد رحلة المحطات وصراخ الترين المريب، صرخت كلير أضيئي، فأضيء المكان، افتحوا الأبواب، أشعلوا الشموع، وفي لعبة التمادي في مناخ من اللعب حضرت كأس الشمبانيا بسرانية، مع إضاءة غامضة يطغى عليها اللون الناري المطفأ، آخر اللحظات في ترتيب المؤامرة التي تشبه الى حد كبير مؤامرة الليدي ماكبث وماكبث أو خيانات ريتشارد الثالث أو مقصلة روبسبير، هنا القصاص سيكون أكثر إشراقا من أي قصاص آخر، كأننا نحضّر لثورة العبيد المقهورين أمام قاهرينا، يأخذ الترتيب الذي تطلقه كلير شكل القداس أو صورة الندب وتمجيد لآخر لحظات الفعل، كلير وسولانج وكأس الشمبانيا واقتراب قصدي من بروجكتور أرض يشع بوجههما، يعطي الكأسَ انعكاسù قويù أشبه بانعكاس لمعة الخنجر في لحظة رعد أو عاصفة عاتية، وفعلاً تفعل العاصفة فعلها، تطلق عنان الأرواح المضللة، ترتيب سريع للخلاص وقطرات في كأس الشمبانيا من أجل غرز الخنجر حتى نهايته! الأبواب مغلقة بعدما شرعوها على اللعب الذي يعطي فرصة للوصول الى الاغتيال، إن اغتيال السيدة هو بمثابة نزع الأقنعة، نزع صورة الذل، نزع ثوب الموت، أو دق آخر على بوابات الريح المشرعة نحو حياة هانئة هناك، على إحدى المصطبات في حديقة النور تتمنى الخادمتان أن تجلسا وحيدتين، تغزلان بين أيديهما تلاوين الصوف لقميص منسي على الرف أو جاكيت للطمأنينة التائهة بين الأروقة! تفتح الباب على مصراعيها على صلعة جرداء وضوء أزرق يعطي للصلعة برودù أشبه ببرود الزهور الذابلة على المرايا، تدخل متكئة على عصاها، تجلس على كرسي يعكس كيانها في المرايا المعلقة، بودرة بيضاء تصبغ وجهها ورأسها وأحمر شفاه يذكرنا بالقحاب من الدرجة العاشرة ممن يتنزهن في أروقة باريس بعد إغلاق الحانات، منذ دخول السيدة فإنها تفرض حضورها الطغياني، التسلطي، الأفعواني، الذي يحيل المشهد المسرحي إلى ثعبانية قصدية، تنعى السيدة عشيقها لأنه يعيش على البلاط الخشن، توبخ الخادمتين بقسوة لأنهما لا تدركان مدى معاناتها الشخصية ازاء سيدها وعشيقها، هنا يتحول السيد الى شخصية فاعلة، غائبة لكنها حاضرة، وفي محاولة للانطلاق من مقولة جان جنيه الذي يتعامل مع نصوصه باعتبارها هيكلاً مفتوحù للقراءات المختلفة فإن إعطاء السيد الغائب حضورù دلاليù أكبر من حجمه في نص جنيه شكل لديَّ ضرورة قصوى، لا لشيء إلا للانتقام من السادة الرأسماليين، أولئك الهاجعين علينا والذين حولونا الى خراف أبدية! السيد والسيدة مرآتان لرأس المال الذي يحول فكرة الوجود الى حالة استعمالية، إننا أمام سلطات نفت عن مجتمعاتها أي نزوع نحو الحرية الفردية أو ممارسة الاستقلالية، أو أنسنة الحياة، إن نص جان جنيه بيان ضد السادة، أما محاولتي للربط بين سادة النص وسادتنا فكان شغلي الذي ألح عليه، لهذا بدت السيدة من معدن هش، رخو وصلب، شريرة وطيبة، كافكوية المنحنى، كابوسية الخواص، غرائبية الجسد والرأس والالتفاتات!! كأن رينيه ديك (السيدة) تطلع من مرجل دموي بارد، لزج، ممتع، وكريه في آن واحد. إن السيدة في إطلالتها الجديدة من خلال كوة عذابها القديم، إنسانù وممثلاً، منحت العمل دفقة روحية معاكسة، ضدية، بالمعنى الذي يوشي بكل ما يحيط بنا!! لعل ألذ ما في رينيه ديك هو وعي حضورها في مناخ لعبها، إنها تدرك وهنه، ووهنها يدرك دورها، ثمة تبادل مواقع بين سيدة فعلية تعيش شيزوفيرينا الشبق وشهوة الماس وسيدة حقيقية (رينيه ديك) تعيش الفقدان بكل جبروته، كم كنت أتمنى لو أن رينيه ديك حملت معها الى المسرح قططها السبعة، ذكورا وإناثا، كي تعطي لمساحة دورها خلطù بين جحيمها الشخصي/ وجحيم سيدتها المزيف، ثمة أقنعة تتحرك بين أروقة النص الحقيقي وعلى متنه! أقنعة يستمرقها الممثل فيرتديها للدرجة التي تمنعه من الخروج منها طلبù في التمادي الى أسفل أعماق التقمص! تغادرنا السيدة بعدما سكبت الشمبانيا على الأرض معطية الإيحاء الحقيقي بمعرفتها لخبايا الأمور والمؤامرة التي يحيكها الخدم، لكنها في الوقت نفسه تضيع علينا احتمال هذا المعنى! ثمة معانٍ عديدة لالتباسات السيدة في اكتشافاتها الآنية الساطعة! إنها تعرف كل شيء ولا تعرف أي شيء، قاتلة وباردة في قتلها، طيبة بخبث، خبيثة بتصنع، مدمنة على الأسرة والفحش، كأنها راهبة داست صليبها على حين غفلة ثم قررت الولاء المطلق للدنس، قبل خروجها تضرب كلير بالمفتاح على ظهرها وتلكزها بالعصا ثم تضحك عليهما. ينهار كل شيء، تنهار الخادمتان على الأرض. ثم في مناخ من اللعب القصدي التأويلي، تخلعان الأقنعة، تقفان، كلير تضرب على الكأس ضربات يائسة، تجاوبها سولانج بمط قفازها، عزف ثنائي وفردي، آخر لحظات التوهج وأولى بدايات الحطام، شتائم واتهامات متبادلة وإعلان صارخ من طرف سولانج بالرغبة في الرحيل، تصرخ كلير (الى أين) تجيبها سولانج (الى جهنم الحمراء) تجمع من الخزانات ملابسها المغبرة ثم تقرر الخروج، تمنعها كلير بعنف، تركلها، ترميها على الأرض، كلير تنوح، سولانج تتوقف، تضرب حقيبتها بالأرض! ثم يقظة محمومة من طرف كلير وفرح ببقاء سولانج وعدم رحيلها! إذù لا بد من أن تمضي اللعبة حتى النهاية، لقد قررت كلير وانتهى الأمر. كلير تطلب من سولانج أن تعطيها كأس الشمبانيا المسموم، سولانج تفعل ذلك، كلير تنوي الخلاص، وفي إطار رغبة محمومة للخلاص من العالم قررتا التواطؤ للمضي بالتشخيص الحقيقي حتى النهاية! كلير تسكب السم في جوفها ثم تنام الى الأبد في الفراغ... كلير وسولانج على الخشبة وفي المرآة، القطار يعود على الخشبة وفي روحيهما وأرواحنا! اهتزاز إشراق مدهش في روح كلير التي قتلت السيدة فيها! في داخلها لتكون مضيئة، حرة، لكن في الموت نفسه!!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة