As Safir Logo
المصدر:

المسيحية والمسيحيون العرب وأصول الموارنة(راجعه صقر أبو فحر)

المؤلف: ديب فرج الله صالح التاريخ: 1996-01-24 رقم العدد:7295

كتاب الأستاذ فرج الله صالح ديب هذا وكتابه السابق »التوراة العربية وأورشليم اليمنية« هما من الكتب النادرة التي تثير الجدل والسجال في هذه البيداء القاحلة حيث لا من يساجل ولا من يجادل. ان الفكرة الرئيسية التي يحاول الكاتب ان يبرهن عليها في هذا الكتاب هي ان الموارنة هم عشائر عربية نشأت في وادي سروم في منطقة صعدة بشمال صنعاء، ثم اتجهت شمالاً في هجرات دائمة ودائبة فاستقرت بطونها وأفخاذها في أماكن متفرقة من فلسطين ولبنان وسورية، وأعطت أسماءها الأماكن التي استوطنتها. وهذا ما يفسر بحسب الكاتب وجود اسم واحد لمواقع كثيرة في بلاد الشام أو اليمن. ولإثبات هذه الفكرة يستخدم المؤلف طريقة المقابلة اللغوية بين اسم احدى العائلات المارونية واسم احد المواقع اليمنية، او العكس، فيستنتج من المطابقة الصوتية ان ثمة جذراً مؤكداً لهذه العائلة في اليمن وفي أماكن أخرى. الأصول والفصول ان هذه الطريقة، على أهميتها وإمتاعها، غير كافية وحدها للوصول الى استنتاجات علمية يقينية ومقنعة. وأكاد أتهيب أمام قبول هذه النتائج، مع قبولي التام بأن أصول المسيحيين اللبنانيين جميعهم، تقريباً، هي عربية خالصة، في حين أن الكثير الكثير من العائلات الاسلامية هي من أصول غير عربية: عجمية وشركسية وشيشانية وأرناؤوطية وتركية وحبشية وداغستانية؛ فآل المعلوف وآل أبو خاطر الزحليون، على سبيل المثال، وكذلك آل طراد البيروتيون هم من حوران في سورية، وآل دموس (ومنهم حليم دموس وشبل دموس) من الكرك في الأردن، وأسرة اليازجي من حمص، وآل الدحداح من دمشق (إن واحدة من أكبر مقابر دمشق وتقع في شارع بغداد، تدعى مقبرة الدحداح حتى اليوم)، وآل باخوس آثوريون من العراق، حتى أن البطريرك الياس الحويك المشهور جداً في تاريخ لبنان الحديث يرجع، في أصوله، الى بلدة سرغايا السورية. ومثله شارل حلو وأحمد فارس الشدياق فهما من بلدة عين حليا السورية (والعناحلة لهم تاريخ مشهود في لبنان)، وآل تقلا (ومنهم فيليب تقلا) هم من بلدة عمار الحصن في سورية وهي، في الوقت ذاته، بلدة يوسف الخال، وفيليب دي طرازي من الموصل في العراق، وغيرهم كثيرون جداً. المطابقة الصوتية يقول الكاتب إن آل البقاعي في لبنان يتحدرون من عائلة »البقيعي« اليمنية. ربما كان ذلك صحيحاً. ولكن ما الشاهد؟ ان التشابه الصوتي وحده لا يكفي للوصول الى هذه النتيجة. وشاهد ذلك أن آل الزعتري في صيدا وآل زعيتر في نابلس وبعلبك ودمشق ليسوا، بالضرورة، من أصل واحد، فهذه كنية ربما أطلقت على شخص ما في زمن ما لعلاقة له بالزعتر مثلاً، لا بسبب تحدره من آل الزعتري اليمنيين. وليس بعيداً عن هذا عائلة »كنفاني« الموجودة في فلسطين ولبنان وسورية، فهم ليسوا من جذر واحد بل يشتركون باسم المهنة فقط. ومثلهم آل الحريري في صيدا (أصلهم من خربة غزالة في حوران) فليسوا، بالضرورة، أقارب لآل الحريري في النبطية ودمشق والقاهرة وغيرها، انما هي صفة تطلق على العاملين في الحرير. ويقول الكاتب إن آل الصدي في زحلة يتحدرون من آل السدي في اليمن. أنا أعلم أن آل الصدي، ومنهم المطرب فرج الصدي، هم من بلدة صدد في وسط سورية. وهكذا فنحن أمام معضلة جديدة وهي إقامة الصلة بين السدي في اليمن وصدد في سورية لكي نصل بالفرضيات إلى غاياتها، علماً أن من غير المستبعد أن يكون هؤلاء من جذور يمانية. غير ان ما لفتني هو ان الكاتب يعتبر آل عميرات اليمنيين أجداد آل عميرة في الأشرفية. والسؤال هو: هل هم أجداد آل عميرات الأكراد في بيروت أيضاً؟ وكذلك فهو يعتقد أن آل العجمي وعجيمي في لبنان هم من بني العجمي في اليمن. لماذا، اذن، لا يكون هؤلاء وأولئك من الايرانيين في الأساس كما يشير ظاهر الاسم؟ وثمة، أيضاً، آل الديري في المتن الذين يقول الكاتب أنهم من القدس أصلاً لأن ثمة آل الديري فيها. لماذا لا يكون هؤلاء من دير الزور مثلاً أو من دير القمر؟ قصارى القول ان ليس، بالضرورة، ان تكون الأسماء المتطابقة ذات منشأ واحد أو ذات صلة ونسب وقربى، فإن قرية تدعى »المجدل« مثلاً سنجدها موجودة بالاسم ذاته عشرات المرات في بلاد الشام. وليس من المؤكد ان تكون الواحدة مرتبطة بالأخرى تاريخياً وبشرياً. وكذلك فإن كل سهل واطئ يدعى »البطيحة«، وسنجد عشرات الأماكن في اليمن وفلسطين وسورية ولبنان بهذا الاسم. أما ان نستنتج ان ثمة علاقة بين هذه الأمكنة وعائلة »الأبطحي« على سبيل المثال، فهذا الأمر يحتاج إثباتاً أبعد من المطابقة اللغوية. الشيخ مار جريس اليمني ربما كان الفصل الثالث وهو بعنوان: »حكايات مار جريس ودلالاتها التاريخية« من أمتع فصول الكتاب، فيعرض المؤلف فيه للقصص الشائعة عن أسطورة مار جريس في لبنان وفلسطين ومصر واليمن، ويستنتج، بالمقارنة، ان قصة مار جريس هي قصة واقعية حدثت لعشيرة مار جريس اليمنية التي توزعت في المنطقة العربية وحملت معها الحكاية نفسها الى مواطنها الجديدة. ويستنتج الكاتب أيضاً ان لفظة »مار« لا تعني القديس كما هو شائع، بل رأس العشيرة أو مدبرها. وأود أن أتجاوز الرغبة في مناقشة هذه النتيجة الى الاستطراد الذي هو، في بعض وجوهه، نقاش موارب، فأقول ان من المؤكد ان العرب قبل الاسلام عرفوا الأساطير، لكن الاسلام لم يفسح في المجال أمام الأسطورة كي تعيش وتزدهر فمسخ معظمها أو اندثر أو جرى تحريفه ففقد الصلة بمصادره الأصلية. والخضر في الروايات الاسلامية (يعتقد انه نفسه مار جريس) اسمه ايليا بن ملكان، وسمي الخضر لأنه حي دائماً، فهو كشجرة دائمة الخضرة لا تعرف اليباس؛ وقيل لأنه اذا جلس على أرض جافة أو يابسة اخضرت وأزهرت ويمكن ملاحظة التشابه الجلي بين اسم إيليا واسم النبي الياس الحي. والمعروف ان العرب في الجزيرة عرفوا عبادة الشجر، فعبد اهل نجران نخلة طويلة، وعبد أهل قريش شجرة كانوا يسمونها »ذات أنواط«. وللشجرة مكانتها في الأساطير القديمة؛ فالإله أدونيس ولد من شجرة، والإله آتيس علِّق على شجرة، واحتوت شجرة عند مدينة جبيل اوزوريس في جذعها، ورجاء مريم المخاض عند جذع نخلة (كما في القرآن) والمسيح نفسه علق على خشبة. والخضر في الروايات الاسلامية ذو منشأ جاهلي طمس الاسلام مصادر قصته، وهو في هذه الروايات لا يقتل التنين ولا يقوم بالمخاريق الا ما جرى له في أثناء لقائه النبي موسى في مجمع البحرين. ومجمع البحرين هذا هو مكان رمزي، بل مكان خرافي بامتياز. اما قصة مار جريس الشائعة في لبنان وفلسطين وسورية والعراق، والتي يحتفل بذكراه في 23 نيسان من كل عام (أوائل الربيع) فهي قصة إله الخصب والانبات التي ظهرت، بأشكال متنوعة، في جميع الحضارات الزراعية التي سادت الشرق الأدنى القديم. فهو الإله »بعل حدد« الآرامي الذي يقتل التنين »لوتان« صاحب الرؤوس السبعة. وفي الميثولوجيا السومرية ينتصر »أنكي« سيد الدنيا على التنين »كور«. وفي الميثولوجيا الكنعانية يقتل الاله »بعل« الحية الملتوية ذات الرؤوس السبعة التي تدعى »لوياتان«. وفي الميثولوجيا الأشورية يقتل الإله »مردوك« الإلهة »تعامت« التي تتخذ التنين »لابو« شكلاً لها. وقد سرقت التوراة ذلك كله وادعت ان »يهوه« قتل التنين البحري »لوياتان«. وفي جميع هذه الأساطير التي نشأت في حضارات ذات طابع زراعي نهري، يرمز التنين الى الشرور السبعة التي يجب القضاء عليها بحسب آلهة الخصب التي انتصرت على آلهة الصيد. وقد بدأت هذه الأساطير بالظهور في اثر الانقلاب التاريخي الذي مهد للانتقال من الصيد والرعي الى الزراعة، وانتقل المجتمع معه من عبادة الالهة الأنثى (المرحلة الماتريركية) الى عبادة الآلهة الذكور (المرحلة البطريركية). وفي هذه المرحلة جرى القضاء على البغاء المقدس الذي كان شائعاً في المعابد الوثنية القديمة. وانتصار مار جريس (الخضر) على التنين يعني، في جملة ما يعنيه، القضاء على عادات البغاء المقدس والقرابين الأنثوية وتراجع دور الآلهة الأنثى. وراثة المعتقدات يمثل موت الإله الآرامي »بعل« أفضل تمثيل قصة مار جريس في دلالاتها الأسطورية لا التاريخية. فالإله »بعل« يموت طائعاً مختاراً عندما يدعوه إليه »موت« إله الجفاف. فتجف أشجار الزيتون ومنتجات الأرض وثمارها. أما حبيبته »عناة« (رمز القربان الأنثوي الذي يجب تقديمه سنوياً للتنين) فتهيم نادبة حبيبها، ثم تمضي إلى الإله »موت« طالبة اعادة حبيبها، فيردها خائبة. وعند ذلك تقرر مجابهته فتخوض معه صراعاً ينتهي بانتصارها، فتقطعه بالسيف وتذريه بالمذراة وتشويه بالنار وتطحنه بالطاحون وتدفنه في الحقول (لاحظ رموز الخصب والانبات في هذه العملية). ثم تستعيد حبيبها »بعل« الذي تعود معه الحياة الى شتى مظاهر الطبيعة، فيورق الشجر وينضج الثمر وتنتعش سيقان القمح. غير ان الإله »موت« يسترد قواه بعد سبع سنوات فينبري مجدداً إلى دعوة »بعل« إليه ويبتلعه.. وهكذا في دورة لا تنتهي. ويلاحظ ان هذه الدورة من الموت والانبعاث ليست دورة سنوية مثل دورات أدونيس وتموز بل دورة سبع سنوات (قارن في ذلك قصة يوسف والسنوات السبع العجاف، وعادة اراحة الأرض في السنة السابعة والرقم القمري المقدس 7). ان المسيحية، باعتبارها عقيدة فداء وخلاص ورثت كل المعتقدات والطقوس الجميلة واستوعبت ديانات الأسرار القديمة التي سبقت نشوءها؛ ويظهر ذلك، بوضوح، في الأيقونات التي تزين البيوت والكنائس حيث يظها مار جريس وهو يقاتل التنين ذا الرؤوس السبعة والى جانب المشهد امرأة جميلة هي، في الأصل، »عناة« الأوغاريتية، او انها ترمز الى النساء اللواتي جرى تخليصهن من مذلة الموت بغايا أو قرابين بشرية. لكنها، في الأيقونة، رمز للكنيسة التي يقاتل من أجلها القديس جاورجيوس. صقر أبو فخر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة