As Safir Logo
المصدر:

موقف الحكام ودولة الأغتصاب

المؤلف: شبيلات ليث التاريخ: 1995-12-30 رقم العدد:7275

بسم الله الرحمن الرحيم. أبو ابراهيم (فتحي الشقاقي) لا بواكي له في الأردن وقد جبن الناس حتى عن زيارة بيت عزانه؛ قائد الجهاد الاسلامي. الذي أشفى غليل المنتمين لأمتهم بعملية بيت ليد والعمليات التي قبلها وبعدها، مدركين بحاسة الخوف التي يعبدون بها الطاغوت رهباً ورغباً أن تمجيد المجاهدين في أردن خاضع لأكبر عملية صهينة يغضب سادة المنطقة الجدد الذين أعلن حكامنا علناً تبعيتهم وإعجابهم وحبهم وأخوتهم لهم واستحقوا أن يكونوا من أهل بيت عزاء من له بواك رسمية في الأردن ومن يسميه حكامنا زوراً في تحد صارخ لوجدان الجماهير »شهيد« السلام رابين والعياذ بالله. فأما الشهيد فتحي الشقاقي الذي قضى في موسم ذكرى وعد بلفور فقد ذكره اعلامنا بأقل مما يغطي به »مأساة« حوت حوصر بعد انحسار مد البحر في أقصى الأرض وأما المجرم الذي يتم من أبناء الأردن وفلسطين المنات واثكل امهاتهم وأمر بتكسير عظام أيدي أطفال الحجارة مما شاهدناه على التلفاز وكان أول من أمر باطلاق الرصاص على المنتفضين بقصد القتل، وفاتح القدس ومنتزعها من أيدي الجنرالات والقيادات الأردنية فان حكومتنا التي كشفت صهيونيتها لم تستطع الا أن تغطي الحدث وكأنه مصاب وطني قومي أصاب زعيماً من زعماء الأردن الذين لم يحظ أحدهم بتغطية ثلاث دقائق على التلفاز. عودوا معي بالذاكرة: هل حظي وصفي التل الا بتغطية صورية بعد أن أجمعت التقارير وأحاسيس الناس ان النظام قد تساهل عمداً في حراسته وفي المطالبة بقتلته؟ هل تذكرون أن هزاعاً أو فلاحاً أو سليماناً أو شفيقاً أو فرحاناً أو فراساً شهيد هزيمة ال(67) حظي بأكثر من دقيقة على التلفاز وببعض الأعمدة في صحفنا اليومية. أولئك لم يكونوا من العرب المتصهينة.. أولئك لم يكونوا من عشيرة »الربابنة« على حد قول المخرج محمد الشواقفه والمسرحي موسى حجازين، العشيرة التي قضى زعيمها والتي ينتسب اليها كثير من زعماء العالم وعلى رأسهم العرب بالتجنس أو »بالدخالة« والموالاة. لقد كانت آخر جرائم »المغفور له« اردنياً والمغضوب عليه ربانياً ان أمر باغتيال الشهيد فتحي الشقاقي والذي تم وشيخ »الربابنة« متوجه الى عمان، الى المؤتمر الاقتصادي حيث سكت المضيفون واعلامهم »بشهامة« عن الموضوع حتى لا يزعجوا رابين وبيريز وصحبهم من »أسيادنا«. وعندما صرح بيريز يومها أن عدد القتلة نقص واحداً باستشهاد الشقاقي. لم يفد الى بيت عزاء الشقاقي في الرصيفة أكثر من شخص أو شخصين في الساعة بعكس مأتمه في فلسطين وسوريا ولبنان لأن شعبنا الذي تخلت عن أحلامه قياداته الجماهيرية يدرك بأن التعزية في الشقاقي تعتبر اغضاباً للنظام الذي تصهين على رؤوس الأشهاد. ولأن الشعب يدرك أن طالب الرضى الرسمي يرضى عليه لدى زيارته لسفارة العدو لتسجيل اسمه في سجل المعزين المفجوعين. لقد ذهل الشعب الأردني وصفع على وجهه مرات ومرات هذه السنة بكشف مدى الود والقربى والعواطف الجياشة التي تجمع الحكم عندنا مع بناة الهيكل الثالث، فالصلح الذي تم لم يكن صلحاً بين قيادات متعادية بل بين قيادات صديقة أخوية حميمة صبرت المدة اللازمة من الزمان حتى يعمل اكسير التطبيع الذي مارسته على شعوبها كي تتقبل اعلان الصداقة والاخوة بين قيادات الصهيونية العالمية من يهود وامريكان وأوروبيين وعرب. لم تحصل أرملة شهيد الأمة والاسلام الشقاقي على عزاء رسمي أو على دمعة من أميرة أو زوجة مسؤول بينما خنقت العبرات الملكة وهي تحضر شخصياً مراسم عزاء حاكم الأرض شيخ عشيرة الربابنة المنتسبة الى قبيلة الصهاينة. لقد طرد رابين زوجة الشهيد الشقاقي من القدس الشريف قبل أشهر ولم تجد يداً حانية تمسح على رأس أولادها بل كشرة رسمية تليق بقيمة المكشِّر وبعظيم شأن المكشَّر به. في الوقت الذي صعق الأردنيين من ضم »الشقيقة ليا« ومن ذكر زوجها رابين على أنه الأخ والصديق العزيز، انه زمن خلع العذار والافتخار بكشف العورات المادية والمعنوية. كيف يحدث هذا؟ هل يمكن أن تكون هذه العلاقات نغمة جديدة هبت على حكام الشرق الأوسط محتقري العرب والعروبة أم انها قديمة قدم انتسابهم الى المحافل السرية التي تحمل أسماء بعض الزعماء والتي أخذوا فيها على أنفسهم العهد والميثاق على إقامة الهيكل الثالث هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى. هذا هو موضوع محاضرتنا اليوم. تمر ذكرى وعد بلفور في هذه الأيام مرور العابرين بعد أن كانت ذكرى سنوىة تعبا فيها الجماهير ضد من خانوا الأمة وباعوا أراضيها وكانت الحكومات تزاود فيها على الشعوب احتفالاً وتلعيناً على الاستعمار محرفة التاريخ بحيث أوهمت الناس بأن الخيانة كانت محصورة في خيانة الخلفاء للعهد فقط مغطية التواطؤ الذي ارتكبته القيادات العربية. واستطاعت القيادات اللعب على الحبلين بإبقاء أعز الأواصر والروابط مع الانجليز وحلفائهم رغم كل تآمرهم على الأمة. في الوقت الذي كانت فيه تقود الشعوب على طريق »الاستقلال« و»التحرر« زعماً!! وقد تم تطبيع الشعوب العربية على تحريف مفهوم الاستقلال لينقلب من معاني التحرر من الأجنبي النبيلة الى معنى استقلال الشقيق عن شقيقه وعن أمتهما الجامعة لهما حتى إذا تم قلك »الاستقلال« واستقر معناه المنحرف في تفكير الشعوب وظهرت النزعات الاقليمية الدنيئة وبلغ التوتر العربي العربي أوجه سلمت الأنظمة العربية استقلالها المزعوم الى العدو الصهيوني في معاهدات لم تكن لتمر بسلام لولا عملية التطبيع طويل الأجل الذي مارسته القيادات على شعوبها ومن أهمه تزوير كتب التاريخ المتداولة في المناهج، والدراسات التاريخية السطحية لتغطي على خيانات القيادات العربية وتواطئها المدرك المستمر مع الانجليز وباقي الحلفاء. وقد بدأ التطبيع منذ تقبل المواطنون العرب تناقض حال علاقة حكامهم مع الانجليز والفرنسيين (ثم الأمريكان) مع ما يجب أن يكون عليه لو صدقت القيادات في زعمها أن الحلفاء طعنوها من الخلف وخانوا العهود. فكيف تبقى العلاقات الصديقة المتميزة بين قياداتنا وبينهم لو صدقت القيادات في زعمها أنها قد طعنت من قبلهم الا أن تكون القيادات تلك هي الخنجر نفسه الذي طعن الحلفاء الأمة في ظهرها به وما يزالون؟ لقد بلغ التطبيع والتطويع مبلغه عندما تتغنى القيادة واعلامها الرسمي أمام الشعب الخاضع للتطبيع ولعمليات الانحراف بصداقاتها المميزة مع أميركا وانجلترا والحلفاء والصهاينة الذين ينحرون العراق والعراقيين أمامنا ويفرضون على عبيدهم مقاطعة أشقائهم العرب حتى النذالة التي تتمثل في القاء أرغفة الخبز التي يحملها المسافرون إلى العراق على الحدود وعندما تتغنى القيادة بعلاقات الصداقة والاحترام والود ووهم القرابة الابراهيمية مع الصهيونيين وقياداتهم، تلك التي كذبها الله بقوله (ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين) صدق الله العظيم وكذب كل من يخالف قوله الحكيم. وعندما تعقد مؤتمراً اقتصادياً »لاحياء« البلاد والمنطقة زعماً بشراكة (أردنية اسرائيلية فلسطينية) في حلف عربي صهيوني أميركي أوروبي »ممدوح«، بينما العراق والعراقيون يموتون من المجاعة موت الذباب جراء قوميتهم وإيمانهم بعروبة يزعم غيرهم قيادة ثورتها. ان لم يكن الترحيب المتهالك على اليهود الذين لعنهم الله في كتابه وعلى لسان داود وعيسى بن مريم في الوقت الذي يكشر فيه في وجه العراق والعراقيين خيانة لله ولرسوله وللأمة ولمواثيقها ولقوانينها فما هو إذن؟ وهل حدثت الخيانة فجأة؟ أم أنها قديمة أصيلة مستقرة أبرزت حقيقتها شيئاً فشيئاً حتى جاهرت بها اليوم متجانسة مع نفسها ومع ترؤسها للمحافل السرية ومع المواثيق والعهود السرية التي عقدتها موفية لهم ناقضة العهود والمواثيق العلنية التي بايعتها الشعوب على أساسها. ان لم يكن هذا عصر الرويبضة الذي يصدق فيه الكاذب ويكذب فيه الصادق ويؤتمن فيه الخائن ويخون فيه الأمين وينطق فيه الرجل التافه بشؤون العامة ويملأ بتفاهته شاشة التلفاز مساحة وزمناً لا يسمح لمن يخالف تفاهته وسقط متاع الفكر والسياسة الذي يسوقه أن يحاوره... إن لم يكن هذا عصر الرويبضة الذي أذلنا الله به وكتب علينا أن نستمع فيه إلى تنظيره الذي يجعل من الخيانة وطنية والوطنية خيانة، ومن الصهيونية حركة تحرر ومن حركة التحرر العربي والجهاد الفلسطيني اللبناني ارهاباً ومن الاميركي والصهيوني صديقاً عزيزاً حميماً مخلصاً ومن العراق المحاصر »مجرماً عدواً« لحقوق الانسان ومن فردية السلطة الأردنية مثلاً ديموقراطياً تعددياً يحتذى ومن الشهيد فتحي الشقاقي قاتلاً ارهابياً ومن الإرهابي المغتصب رابين »شهيد السلام«؛ ان لم يكن هذا عصر الرويبضة واخوان الرويبضة وسلالة الرويبضة والمتلفين حول الرويبضة من أمثاله فما هو إذن؟ إن التاريخ الحديث المستقى من مراجعه العلمية وليس من كتب التلفيق الدراسية التطبيعية ولا من كتب مؤرخي السلاطين المتزلفين يكشف عن انحرافات ثابتة مستمرة ترتكبها قيادات عربية ائتمنها الناس على عقيدتهم وعلى أرضهم وأعراضهم. لقد ثبت على وجه القطع أن مراسلات (حسين مكماهون) التي سبقت وعد بلفور و(سايكس بيكو) و(سان ريمو) وفرساي والتي أبقاها الشريف حسين سرية، وتذمر حتى فيصل من عدم اطلاعه عليها رغم طلبه ياها بالحاح وهو يفاوض الحلفاء، ولم تنشر لأول مرة الا في »مارس 1939« بعد ربع قرن »حينما نشرت الحكومة البريطانية مجموعته في كتاب أبيض بمناسبة مؤتمر المائدة المستديرة في لندن لبحث مستقبل فلسطين«(1) لقد ثبت في هذه المراسلات، حسب تحقيق الدكتور أنيس صايغ أن قائد الثورة قد تنازل عن أمور كثيرة و»اراض عربية عن قصد وتصميم، تنازل عن عدن في أول رسالة مع أن الاتفاق كان على تأجيل النظر فيها إلى ما بعد الحرب. وتنازل عن ولاية مرسين كلها في رسالته الثالثة بعد أن كان يطالب بتحرير جميع الانحاء السورية، مع أن الانجليز استثنوا المدينة وحدها. وتنازل في رسالته الرابعة عن جبل لبنان؛ مؤقتاً، وترك مصير العراق (لعدل بريطانيا وحكمتها)«(2).. ويقول أنيس الصايغ في كتابه »الهاشميون والثورة العربية الكبرى«: »ان علاقات الحسين مع الانجليز تضمنت مساوئ أخرى غير البساطة والسذاجة؛ فيها ما يمكن وصفه بسوء النية، وتعمد اهمال الأهداف القومية لتحقيق مكاسب خاصة« ويضيف مبدياً رأيه قائلاً: وسنرى أن أبناء الحسين استمروا يتعاونون مع الانجليز؛ للانتفاع الخاص، حتى بعد أن أدركوا الخديعة الانجليزية للعرب عموماً وللحسين خصوصاً، وسنرى أنهم حاولوا تكذيب شكوك الشعب بالانجليز وبنياتهم وأعمالهم ووعودهم، وادفعوا عنهم، وسنرى أنهم استمروا يحجبون الحقائق عن الشعب ويموهون ما كان للشعب ملء الحق بأن يدركه«(3). إن عدم استشارة الحسين لمستشاريه من أهل القانون واللغة والتاريخ وإبقائه مراسلاته مع مكمهون سرية جعله فريسة سهلة لمكر الانجليز ولكن الأدهى والأنكى هو أنه عندما اكتشف خديعتهم لم يتحرك كما يجب وقبل تطمينات شفهية حول (سايكس بيكو) ووعد بلفور وأعلن ثقته بحلفائه كما أعلن ذلك أيضاً فيصل بعد عودته الخائبة من مؤتمر فرساي عندما أخفى كل مكر الانجليز والفرنسيين وتآمرهم على الأمة العربية وخطب مطمئناً الجماهير السورية الهائجة التي علمت بتنازلاته في باريس قائلاً انه »ليس هنالك أمة تريد أن تستعبدنا، فرحلاتي الرسمية العديدة إلى أوروبة والأحاديث والكتابات التي جرت بيني وبين ساستها لم تبق في نفسي مجالاً للشبهة والتردد في نيات حكوماتها الحرة«(4)، ثم تحدث مطولاً عن تمسكه بالمبادئ القومية واستحالة تراجعه عنها، مع انه »ترك باريس راضياً تماماً بالاتفاقية مع كلمنصو« (4) التي وافق فيها على انتذاب فرنسا لسوريا وعلى أن يكون لبنان مستقلا عن سوريا تحت الوصاية الفرنسية، وكان قد عرض على كلمنصو أن يتولى الفرنسيون قيادة الجيش العربي مقابل أن يعلنه الفرنسيون ملكاً على سورية شبه المستقلة؛ الا أن كلمنصو طمع بالمزيد وحصل عليه في اتفاقية وقعها الطرفان بالأحرف الأولى. وكان قد غطى على فشله بعد وصوله بيروت في (30 نيسان 1919) وبدلاً من أن يفضح الدولة التي حاولت أن تبتلع استقلال البلد وهتك حريات الشعب وتقضي على آماله وتمزق وحدته؛ بدلاً من أن يجند الشعب وراءه ضد هذه الأطماع والشرور الدولية، أعلن في نهار وصوله بيروت أنه نجح في رحلته نجاحاً كاملاً بفضل »حسن نيات الحكومات الأربع المعظمة وصدقهم في أقوالهم وتمسكهم بالمبادئ السامية التي جعلوها دستوراً لأعمالهم وطبعاً لأماني الأمة« حسب قوله، ثم قال نافياً أطماع أوروبة: »لا يمكنني أن أفرق بين الواحدة والأخرى (من دول أوروبة) في حسن النية«(5). ولكن الجماهير السورية بقيادة القوى الوطنية مثل اللجنة الوطنية التي أسسها كامل القصاب وحزب العهد وحزب العربية الفتاة وجبهة الدفاع عن عروبة سورية ناهضت فيصلاً ومسلكه وحاول فيصل أن يشل الحركة الوطنية وأن ينزع سيطرتها على البلد وبدأ بالمؤتمر السوري برئاسة محمد رشيد رضا ذلك أن »المؤتمر استنكر أعمال فيصل في باريس وقرر عند عودته أن يضع عليه رقابة شديدة، حتى إذا ثبت أنه لا يزال يتساهل بالمبادئ الأساسية عزله عن إمارة البلاد، لذلك وضع فيصل مشروعاً بتحديد صلاحيات المؤتمر كمقدمة لحله، فرفض رضا المشروع ورد عليه بمذكرة أكد فيها أن سلطات المؤتمر، اذ هو منبثق عن الشعب، أعلى من سلطات الأمير وجرت بين الطرفين مناقشات حامية دعم الوطنيون فيها المؤتمر حتى فشل مشروع فيصل«(6). وعندما تأزم الأمر وقررت الحركة الوطنية الوقوف في وجه المخططات الفرنسية تخلى فيصل عنها حيث استجاب للمطالب الخمسة لحاكم لبنان العام غورو التي أرسلها في مذكرة بتاريخ 15 يوليو 1920 وتتضمن تسريح الجيش العربي في المملكة السورية والموافقة على الانتداب الفرنسي على سورية وسحب العملة الفيصلية واستبدالها بعملة ورق فرنسية ومعاقبة »أعداء« فرنسا في سوريا وملاحقتهم قضائياً والسماح للقوات الفرنسية باحتلال حلب واستخدام سكك الحديد السورية في تنقلات القوات الفرنسية نحو الحدود التركية بعد أن رفضها المؤتمر الوطني في جلسة تاريخية وأعلنها محاولة للمس من كرامة البلاد واستقلالها وقرر المؤتمر مجابهة المشكلة بشجاعة، والاستعداد للدفاع عن البلاد عسكرياً وأوكل المهمة لوزير الحربية، يوسف العظمة. استجاب فيصل برقياً لغورو يوم 16 أيلول وأمر بتسريح الجيش ولما احتجت الوزارة أقالها وحاول استبدالها ففشل فاستدعى يوسف العظمة وأمره بإيقاف الاستعدادات التي أشرف عليها للدفاع عن الوطن ولكن الأخير رفض أوامر الملك وأفهمه انه انما ينفذ قرارات المجلس التأسيسي الذي عهد إليه بمنع الفرنسيين من دخول المملكة فعقد فيصل اجتماعاً للمجلس المذكور لاقناعهم فخذلوه وأصروا على مجابهة فرنسا بكرامة وقوة. كان تسريح الجيش ضربة قاضية على الكيان السوري وفشلت الأحزاب الوطنية في إقناع فيصل بأن يعيد تشكيل الجيش ويلغي أمر التسريح وبأن يعلن النفير العام ضد فرنسا لاصرار فيصل على الرفض(7). وعوداً لرسائل الحسين مكماهون قال مكماهون في رسالته الى التايمز في الثالث والعشرين من يوليو 1937 »لم أقصد قط، عندما تعهدت للملك حسين، أن أضم فلسطين إلى المنطقة التي وعد العرب فيها بالاستقلال.. لدي كل سبب لأن أعتقد أن الملك حسين فهم آنذاك أن فلسطين لم تكن ضمن تعهدي«(8). ومع أن الاتفاقات البريطانية الفرنسية السرية لاستعمار ولتقسيم البلاد العربية وصلت أنباؤها فيما بعد إلى الحسين وإلى فيصل حتى قبل أن تفضحها الثورة الاشتراكية في روسيا الا أن التعامل معها لم يرتفع الى مستوى المسؤولية، وحتى بعدما كتب جمال باشا بها الى فيصل وجعفر العسكري حيث كانا يخيمان قرب العقبة عارضاً عليهما الصلح وبعد أن نقل فيصل الى والده المعلومات برقياً لم يثر الحسين على حلفائه ولم يغضب لكرامة القضية واكتفى بالاستفسار من الانجليز حول القضية والذين تلكؤا أشهراً قبل إجابته بأنها مجرد تبادل وجهات نظر واكتفى الحسين بهذه الإجابة مع أنه وأبناءه قد عرفوا من (سايكس وبيكو) شخصياً عن الموضوع لدى زيارة الأخيرين وذلك قبل فضح الوثيقة من قبل الروس بنصف سنة على الأقل. وكان بيكو قد خطب في القاهرة في جمع من السوريين بحضور زميله سايكس وهما في طريقهما الى جدة في (نيسان 1917) معلناً أن الحلفاء قد اختاروا فرنسا وصية على سوريا واعترفوا بامتيازاتها في الشرق فأسرع محمد شريف الفاروقي بنقل الكلمات حرفياً في رسالة الى الحسين محفوظة في جامعة ييل ومؤرخة بتاريخ (27 نيسان 1917) ونشر جزء منها الكاتب العراقي الصهيوني ايلي خدوري في كتابه انجلترا والشرق الأوسط حسب ما ذكر الدكتور أنيس... وأضاف: »لم يغضب الحسين بل نهى معتمده في مصر عن التحدث بالموضوع والاحتجاج عليه وحذره من تناول مصير سوريا بشكل عام ومن استنكار المصالح الفرنسية لأن فرنسا حليفة بريطانية »الحليفة الكبرى« وحجته كما قال هي أن العرب سيصلون إلى غاياتهم في الوقت المناسب؛ فلماذا التسرع؟ وأرسل الحسين إلى ولده فيصل رافضاً عرض جمال باشا الذي كشف له خيانة الانجليز والفرنسيين له، ونهاه عن الاتصال بالاتراك وأعلمه بأن شرفه العربي يمنعه من التخلي عن حلفائه وسط المعركة!!«(9).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة