As Safir Logo
المصدر:

ذكريات مع أكرم ديري

المؤلف: ابو رقبة حسن التاريخ: 1995-12-29 رقم العدد:7274

الضابط الوزير الدمشقي، الشريف الوسيم، صاحب الهيبة والطيبة والمناقبية والانضباط، أكرم ديرى، لقي وجه ربه حوالى منتصف تشرين الثاني المنصرم في جنيف، ودفن فيها. هذا الرجل الوطني من الرعيل الذي رضع حب العروبة والحرية منذ نعومة أظفاره، فوقف حياته لخدمة أهدافها، وكرس عمره لمحاربة الاستعمار الرأسمالي والصهيونية العالمية. أول المعرفة به في حلب ضابطاً لشرطتها العسكرية، وبعدها في حمص مديراً لأول دورة للضباط الاحتياطيين في الجيش السوري من خريجي الجامعات في مطلع الخمسينيات. أكرم ديرى صاحب فضل على دورة الضباط الفلسطينيين، من حقه أن يذكر له في هذا المجال، فقد تخرجوا من دورة تكميلية نظمت لهم في حمص بقرار من المرحوم أديب الشيشكلي، لتسوية أوضاعهم، ومنحهم شهادة الكلية العسكرية السورية، وفتح أبواب الترقي أمامهم إلى رتب الضباط القادة. ولكن بعد التخرج وانتهاء عهد الشيشكلي صدرت القرارات بمنح شهادة الكلية العسكرية لمن يحمل منهم شهادة المترك الفلسطينية المعادلة للبكالوريا السورية فقط، وكان هذا خلافاً للمفهوم من فتح الدورة للجميع، وتحملهم كلهم مشاق التدريب، بعد أن نزعوا النجوم كضباط، ولبسوا الجعب وحملوا البنادق والأسلحة الثقيلة حسب مقتضيات التدريب المكثف. كان هذا القرار صدمة كبيرة لنا، وبرد فعل فوري خاطبت بعض اخواني الذين يحملون شهادة المترك، وطلبت منهم التضامن مع أغلبية الرفاق، وتجاوب معي واحد منهم فقط، وقدمت معه طلب اعتذار عن قبول شهادة الكلية العسكرية، ما دامت لم تشمل الجميع، وخاصة انهم يحملون على الآقل شهادة الرابع الثانوي في فلسطين، ومعظمهم تعذر عليه تقديم امتحانات المترك بسبب ظروف الاقتتال فيها، أو تقدموا للامتحانات ولم تصدر نتائجها لنفس الظروف، مما جعل جامعة الدول العربية تتقبل وتتفهم هذا الوضع، وتحدد شروط الانتساب لدورة الضباط الفلسطينيين في قطنا سنة 1947 بالحصول على شهادة المترك أو شهادة الرابع الثانوي. ولقي طلب الاعتذار هذا ردة فعل عنيفة من المرحوم عدنان المالكي، الذي تسلم امرة الشعبة الثالثة في الأركان بعد عهد الشيشكلي، وربما أعطاه تفسيراً سياسياً خاصاً، فبادر إلى إصدار قرار بحرماني ورفيقي المتضامن الوحيد معي من شهادة الكلية العسكرية، وبعقوبة توفيق شديد ثلاثين يوماً في البيت، حسب القوانين. وهنا يبرز الدور النبيل لأكرم ديري، الذي كان آنذاك قائداً للشرطة العسكرية في دمشق، وفوجئت بزيارته لي في بيتي بحمص مستفسراً ومتوسطاً، فشرحت له موقفي واقتراحاتي لتسوية الموضوع، وقد اقتنع بذلك، وقدر ما فيه من إيثار وتضحية، وخاصة أني شخصياً أحمل المترك وكان ترتيبي الأول في الدورة العسكرية. وعاد أكرم إلى دمشق، واستدعيت إليها بعد أيام، لمقابلة المرحوم عدنان المالكي، وكررت شرح موقفي أمامه، بأني أعتز بشرف نيل شهادة الكلية العسكرية السورية، ولكني أطالب بشمولها جميع رفاقي للاسباب المذكورة أعلاه، وذلك كله بوجود ودعم أكرم ديرى. ولم يبد المالكي الموافقة الفورية ولكنه نظر الى الملف أمامه، وقال إن ملفك جيد جداً، ولكن هناك سابقة رفض اخرى وعقوبة أخرى، عندما رفضت قبول الجنسية السورية سنة 1949، وكان ردي: إن الجنسية السورية شرف كبير لا يمكن رفضه، ولكني اعتذرت عن قبولها آنذاك مشروطة بتنازلي عن الجنسية الفلسطينية وتسليمي جواز السفر الفلسطيني، وانني لما تلقيت العقوبة بادرت لشرح اسباب اعتذاري للقيادة خطياً، فاقتنعت بها، وألغت العقوبة، وسمحت لي بالاحتفاظ بجواز سفري الفلسطيني. ونظر أكرم ديرى بإعجاب وتقدير، وابتسم المالكي لأول مرة في الاجتماع وتساءل عن كيفية معالجة الموضوع، فأعدت عليه ما سبق واقترحته على أكرم ديرى، من إمكانية إعطاء فرصة سنتين للضباط الفلسطينيين للحصول على البكالوريا السورية، وبمنح الشهادة العسكرية لكل من ينال البكالوريا خلال هذه الفترة، مع ضرورة إعادة الامتحان لمن تخلف في الدورة لعدم تقدمهم لامتحان الأسلحة الثقيلة امام ضابط كان أقل منهم في الأقدمية، هو المرحوم فهد الشاعر، وخاصة أن بين هؤلاء المتخلفين عن الامتحان المذكور ثلاثة من حملة الوسام الحربي العسكري السوري، هم رشيد جربوع لبطولته في معركة الحمة، وجواد عبد الرحيم وواصف جيوسي لبطولتهم في معركة عرب الشمالنه، شمال بحيرة طبريا، لمنع تحويل مياهها لليهود. وبالفعل صدرت بعد فترة وجيزة قرارات جديدة تلغي العقوبات السابقة، وتعطي مهلة سنتين لتقديم امتحانات البكالوريا، مع إعادة امتحان الأسلحة الثقيلة. وقد استفاد رفاق الدورة من هذه القرارات، ونالوا البكالوريا السورية، وبعضهم أكمل الدراسة الجامعية في الحقوق والتجارة والحاسبة وغيرها، وفتحت أمامهم أبواب الترقي فيما بعد، فوصل معظمهم إلى رتبة عقيد وعميد ولواء، وتولى أربعة منهم منصب رئاسة الأركان في جيش التحرير الفلسطيني. وصل المرحوم أكرم ديرى في الترقيات الى رتبة عميد، وتسلم قيادة الجبهة (الجولان) وهو أكبر منصب في الجيش السوري. وكان من وفد القادة المطالبين بالوحدة الفورية مع مصر، ولما تحققت انتهت خدمته العسكرية وأصبح وزيراً. وعند حصول الانفصال حاول مقاومته وتفشيله، فأطلقت عليه النار وأصيب في قدمه، وجرى ترحيله مع المشير عامر من دمشق إلى القاهرة، وتحول الى لاجئ سياسي ومناضل لإعادة الوحدة، وشارك في الوفد المصري الى مؤتمر شتورا الذي عقد لدراسة الشكوى السورية من ممارسات التدخل المصرية، وحاول أعضاء الوفد السوري في هذا المؤتمر استمالته للانضمام إليهم فلم يستجب لهم. أذكر أني انتدبت مع مجموعة من الضباط إلى الاقليم الجنوبي (مصر) في مطلع عهد الوحدة، ثم جرى إحالة مئات الضباط إلى التقاعد، فكان أكرم ديرى يقدم كل مساعدة ممكنة إلى هؤلاء المتقاعدين. وأذكر ان معظم المنتدبين الى مصر قد أحيلوا أيضاً الى التقاعد، وفرضت على بعضهم، وأنا أحدهم، الاقامة الاجبارية في مصر، وتعرضت آنذاك للتوقيف في القاهرة ثم في المزة في القاهرة ثانية، وبدون محاكمة أو تهمة واضحة. وتولى التحقيق معنا اللواء محمد عبد الكريم بمعاونة الضابط صلاح نصر. ومن ضمن الاسئلة المتنوعة، سألوني: لمن تحمل المودة والاحترام الأكثر من ضباط الجيش السوري؟ وبكل عفوية أجبتهم: عفيف البزري وابراهيم فرهود وأكرم ديرى. كنا أحد عشر ضابطاً موقوفين في ثكنات العباسية بالقاهرة، وبعد اضراب أولي ثم اضراب ثان حتى الموت تم الافراج عنا، وسمح لسبعة منا بالعودة الى سوريا، وبقينا أربعة اجبارياً في مصر، بحجة أن عبد الحميد السراج لا يرغب بوجودنا في سوريا، رغم قناعة التحقيق المصري بسلامة وضعنا، وطلبوا أن نعتبر أنفسنا ضيوفاً على القاهرة مع تأمين وظائف، بدخل مناسب لنا. وفعلاً تم تعييننا في مؤسسة التأمينات الاجتماعية حيث كان قد سبقنا اليها ثلاثة مدنيين سوريين مقيمين أيضاً اجبارياً، واحدهم الاستاذ عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية حالياً، وهم أيضاً ممن لا يرغب السيد السراج بوجودهم في سوريا. خلال عملنا في المؤسسة علمنا بوجود آكرم ديرى في القاهرة، فرتب الأخ رشيد جربوع اجتماعاً معه في فندق سميراميس، وعند وصولنا إلى مدخل قاعة الفندق رأيت شخصاً ينسحب من القاعة، وبقي أكرم ديرى لاستقبالنا، والاستماع إلى شكوانا والوعد بالمساعدة. وتبين ان المنسحب من القاعة هو عبد الحميد السراج الذي لم أكن قد رأيته عن قرب طيلة حياتي العسكرية والمدنية. وكانت هذه آخر مرة ارى فيها أكرم ديري سنة 1960. طالت اقامة اكرم ديرى في القاهرة، وعدنا الى سوريا بعد الانفصال، كما عاد هو اليها زائراً فيما بعد، الى أن تم تعيينه مديراً لمكتب الجامعة العربية في جنيف، وبموافقة سورية. وبعيداً عن دمشق التي عشقها مات ودفن في جنيف، رحم الله أكرم أبا عمر وعزاؤنا لزوجته وأبنائه وأهله واخوانه، فقد كان من الرجال الذين يصلحون لأن يعتبروا قدوة لأجيالنا الصاعدة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة