اذا اخذنا الاعمال الثلاثة الاخيرة لفاضل الجعايبي »كوميديا« و»فاميليا« واخيراً »عشاق المقهى المهجور« نجد انها تنطلق من حالة استثنائية. من حادثة استثنائية تتسم بالعنف وتحديداً الجسدي. »القتل« في كل من »كوميديا« و»فاميليا«، والخطف والاغتصاب في »عشاق المقهى المهجور«. ومن خلال هذا العنف يفتح الجعايبي على عوالم مركبة ومعقدة تقدم شخصيات مركبة ومعقدة، وممزقة، وسادية، ومازوخية، وعبثية، ومظلمة وحزينة ويائسة.. مزيج من عوالم كابوسية وشروط انسانية ملتبسة، وأمزجة تقف دائماً على منعطفات خطرة ومجهولة، وعلى مشارف »مسدودة« او مغلقة، حيث الامكنة تشارك في حالات التواطؤ، او تكون مسرحاً »غامضاً«، لتحرك هذه الاحداث والظواهر، ولهذا، وبقدر ما نكتشف فوارق ما بين عمل وعمل عند الجعايبي، نكتشف في الوقت ذاته، خيوطاً سرية تصل هذه الاعمال ببعضها، او بالاحرى تصل هذه الاشكاليات المحورية ببعضها. كأنما ليل كثيف ومكتظ يفوح ويملأ تلك المساحات والوجوه. ليل موصد على علاقات، واحداث، وناس، يتحركون، اما »بشروطهم« القدرية (فاميليا) واما بشروط الواقع القاهرة، كما نجد في »عشاق المقهى المهجور«. دائماً تبدأ أعمال الجعايبي من ذروة »الليل« او »العتمة« اي من ذروة الفعل الانساني السلبي »القتل« مثلاً. بوليسية (هذه هي سمات الرواية البوليسية وخصوصاً الهيتشكوكية) وبعدها لا تنفتح، لا تحل عقدتها. ولا نعثر على اسرارها، وحلولها. كأنما حكايات بلا خاتمة. وبلا نهاية، بل كأن البداية تبقى بداية. اي نهاية. بداية تصوغ مساحتها »الدرامية« والتباساتها النفسية والاجتماعية والانسانية، من دون ان تتخذ السياق الزمني المعهود للرواية العادية. لهذا نجد ان الحبكة »البوليسية« تتحول الى حبكة داخلية.. وهو تحول يبقيها مستورة في غموضها، تتكرر على ذاتها، وتختبئ عن اي ضوء يمكن ان يكشفها يدفعها الى امكنة اخرى. فالحبكة اذاً ذريعة. وبهذه الصفة تتوغل في ذاتها توغلاً دائرياً وعمودياً، يجعل من تحولاتها تحولات »وهمية«، ومن تطورها تطوراً »لازمنياً«. من هنا يمكن القول انه البنية الدرامية (الروائية) عند الجعايبي بنية دائرية، تقوم على تكرار الافعال، والشخصيات، والامكنة كي تعبر عن سحقها. وعن تعطل شروط حريتها، وانئسارها في نوع من »القدرية« اللازبة التي تفضي بفعل محاولة الشخصيات مقاومة شروطها القدرية هذه، الى نوع من الحس التراجيدي الفاجع، تحاول الشخصيات ان تتقدم وان تتحول، لكن كلما تقدمت وتوهمت انها تتجاوز، اصطدمت بجدران سميكة وقوية. يخرج الجعايبي (او يحاول) في مسرحيته الجديدة في عالم »فاميليا« عالم الشيخوخة، والعنف الجواني والحيطان الهرمة، والقاسية، وشخصيات تقف عند حدود القتل او تتجاوزه، مجبولة بالخبث والعنف والسادية، الى عالم آخر، هو رديفه، على شكل من الاشكال. الداخل في »فاميليا« صورة مصغرة عن الخارج. »والخارج« في »عشاق المقهى المهجور« صورة مكبرة عن الداخل، ومرآة ملونة لتناقضات المجتمع الراهن. من عالم الشيخوخة الداخلي المعتم، في »فاميليا« الى عالم الشباب والتباساته وصراعاته وهمومه وكسوره وتشظياته، وانكساراته، وثوراته. فساد الامكنة في عمله الجديد. عالمان يجمعهما فساد »الامكنة« وفساد العلاقات (في »كوميديا« فساد العلاقات العائلية). كشف قاس، ساخر، وشرس لعالم الشباب المعاصر. هذا العالم الذي فتح بواباته من خلال حادثة اغتصاب استاذ احدى طالباته في الجامعة وخطفها (او اختفائها). الام تقصد المكان: مقهى يقع على خلفية محطة قطار. ومن خلال التحقيقات تتجلى مجموعة من العلاقات والصراعات التي تحصل او تصب في مكان واحد. ويمكن تلخيصها في نقاط بارزة: صراعات عاطفية بين الشباب، صراعات بين الشباب وبين »السلطة« التربوية، ومن ثم صراعات بين الشباب وبين السلطة العائلية (الام). الى هذه الصراعات التي تصور جزءاً من تخبط الشباب التونسي انفتاح على المسألة الجزائرية من خلال الام الجزائرية التي تقصد تونس ساعية الى استرداد ابنها الذي انضم الى الحركات المتطرفة. وفي هذه الصراعات الشتى نلمس بوضوح غياب »الآباء«. كأنما عالمنا اليوم عالم بلا آباء. بل كأن الشباب اليوم يعيش متروكاً بلا آباء، ازاء »امهات« حملن المسؤولية وحدهن، بتبعاتها وأثقالها. لكن حضور الامهات هنا في المسرحية حضور غائب. لا يعود فقط الى امزجتهن او الى انشغالهن عن ابنائهن فحسب، وإنما كذلك الى شبه قطيعة عامة، في العقلية، وفي الذهنية؛ عالمان مغلقان من دون بعضهما. وعبثاً ينفتحان اياً كانت قوة القرع او الصراخ او التمزق. عالم قديم ينهار بقيمه، وعالم جديد تكاد تغيب عنه »القيم« والقضايا، لهذا فالمسألة ايضاً تتعدى مجرد صراع اجيال، الى ما هو اخطر: غياب الافكار والمسائل الكبيرة، والاحلام، والقضايا عن هذا الجيل المبتوت، انبتاتاً »معرفياً« ايضاً عن المراحل السابقة. وهنا يمكن مقارنة جيل طلبة السبعينيات بهذا الجيل الراهن الذي يصوره الجعايبي، لنجد، ومن باب التواتر والتذكر كم ان البون شاسع، والملامح متحولة، السبعينيات جيل كان يتحصن بانتماءاته، وبهواجسه، وبإمكنته، وبأفكاره وبأيديولوجياته وبحيوياته وبأحلامه يفتقدها هذا الجيل الذي وكأنه يثور بلا قضية. او على الاقل يثور عندما أفَلَتْ كل القضايا. ومن هنا بالذات فاجعته. جيل ممصوص، مكسور، وحيد، أعزل، عاجز، متروك، وكذلك مقموع من المؤسسات »الابوية« التي لا تزال تحمل بقايا من سلبيات الماضي، ومن اشكال الفساد والتواطؤ. على انه عندما يظن انه يثور على البنية التربوية (والسياسية) السائدة، والتي تهمشه اكثر فأكثر (وهو مجرد من مواقعه)، فانه يتحرك على مسافة ردود الفعل اليائسة، المحتجة، المتخبطة، الموصدة، وهنا يبرز العنف كوسيلة من وسائل المواجهة او التنفيس، عنف متبادل بين السلطة الابوية »التربوية« و»التعليمية« (الجوفاء) وبين هذا الجيل. بل كأنَّ العنف هو العنصر المشترك بين كل هذه »الفئات«، لنصل بذلك الى الشخصية »المؤمنة«: الغائبة: ابن الام الجزائرية الذي اختار العنف طريقة احتجاج وحلاً، والى شخصية التونسي. ويبدو وكأن هاتين الشخصيتين دون الاخرين وحدهما صاحبتا قضية ما، وعلى وجه الام (زهيرة بن عمار) تنعكس كلتا الشخصيتين لتكونا وجهاً واحداً »انا بحبك لانك تشبه ابني« تقول الام التي انضم ابنها الى »المتطرفين الجزائريين للشخصية الاخرى. وفي هذا تماثل واضح بين واقعين متشابهين، او بين ظاهرتين معممتين. كل هذا يشير بعمق الى عالم »رجراج«، عنيف، غير مستقر، وغير سوي حتى الهستيرية. ان كل شخصيات الجعايبي في »عشاق المقهى المهجور« شخصيات ملتبسة او فلنقل »ملعونة«.. او متناقضة. دائماً بين حدود القسوة، والحنان، دائماً بين حدود القوة والضعف. بل يمكن القول ان عنفها يأتي من ضعفها. او قوة ضعفها. ولهذا تبدو التفجرات الداخلية الصاخبة والمتوافرة، وكأنها تعويض عن قوة، وعن ثبات، وعن مكان صلب. من هنا يطلع شعور بالشفقة على هذه الشخصيات (تماماً كما نحس بالشعور نفسه ازاء شخصيات دوستويفسكي مثلاً)، مهما عنفت او انحرفت. اغوارها انها شخصيات مركبة يمعن الجعايبي (وان على طريقة شيخوف) في رصد اغوارها وخلفياتها، والتوغل في »ظلماتها« وستورها الداخلية. اي يمعن في فض طبقاتها الجوانية الكثيفة. تماماً كمن ينزع الاقنعة الواحد بعد الآخر، ويجتاز مستويات الداخلي المستوى بعد الآخر، وكي لا تقع في التبسيط او في التسطيح.. او البعد الواحد. من هنا التباسيتها. ومن هنا تمزقاتها، وتوتراتها وميلودرامياتها، ودرامياتها لتصل الى ذروة تراجيدية حية. فأم البنت المخطوفة والمغتصبة (جليلة بكار) تبدو في اول الامر على هشاشة برانية اسيرة انماط ومظاهر واهمال وجفاء. لكن شيئاً فشيئاً تكتشف انها ربما تعرضت كابنتها لاعتداء »المجتمع«، ونرى كذلك انها »وحيدة«. (غياب الزوج الاب) ونعثر في خلفياتها على »مرارة« وهزيمة شبيهتين بما تعانيه ابنتها. لكن هذا لا يبرر »نظرة« الجعايبي »القاسية« الى السلطة الابوية المتمثلة »بالام«. اي انه يحاكم »الفكر« السائد المتمثل بالام. والدة الشاب الجزائري تأتي الى تونس كي تسعى لجلب ابنها من الجزائر الى هذا البلد المجاور. انها تنتظر. وفي هذا الانتظار تتكشف خبايا وتناقضات وضعف ورغبة لتكون ربما أقنعة تبريرية تتنصل بها من مسؤولية ما آل اليه ابنها. وهي وام البنت المخطوفة تنتظران. يجمع بينهما الانتظار. الاولى تنتظر عودة »ابنة« اغتصبتها وخطفتها »سلطة ابوية« (المدرِّس) اي نظام متجسد، والاخرى تنتظر ابناً خطفته ايضاً سلطة ابوية ما »دينية«. والاثنان لا يعودان. والاثنان يذهبان ضحية »السلطتين«، لكن من دون تبرئة »السلطة العائلية«، من هنا اكتساب هذه »السياقات« بعداً قدرياً واحداً، ومن هنا تراجيديا الاحساس بالعجز لدى »الضحايا« من الشبان. ومن هنا ان الانتظار هو انتظار في اللاجدوى. في اليأس. في الهزيمة. الجعايبي اختار مكاناً واحداً ليكون مسرحاً لهذه »الحكاية« اختار مقهى مهجوراً. عارياً، فارغاً، (او مفرغاً). الخلفية جدار »معدني« اللون. يوحي بالقسوة وبالجفاف والمجهول. تؤطره قبب حديد تمتد فوقه وعلى جوانبه لتوحي اكثر وأكثر بمناخ »لا انساني« وكاسر. وخلف المقهى نعرف ان محطة للقطار. تصفر بالرحيل اكثر مما تصفر بالعودة. تصفر باللاستقرار. وبنوع من الحركة الغامضة. والعنيفة. والقوية ايضاً. كأن المكان المزدوج هنا (المرئي والمسموع) جزء من الشخصيات او بالاحرى يشبه الشخصيات. فراغ الامكنة يشبه الى حد كبير فراغ العالم. وفراغ الانسان ازاءه. ووحشته. وافتقاده عوالم »انقرضت« او انهجرت (العنوان عشاق المقهى المهجور). وعلى هذه المساحة العارية. (المفقودة) دفع الجعايبي بشخصياته، وكأنهم في حلبة مصارعة، وأطلقهم بكل غرائزهم وخيباتهم وجنونهم، وهستيريتهم، وهذيانتهم، وهزائمهم، كي يفجروا معاناتهم، في اندماجية (غروتوفسكية)، وفي مواجهة تطهيرية (ارطووية) وفي استبطان نفسي (ستانسلافسكي) وفي التباس (تشيخوفي)، لكن بلمسة »كيميائية« تصهر كلاً منهم في ملامح طالعة من سياق الكتابة ،والمخيلة اي في سياق واقعية مضخمة، تصل احياناً الى حدود الكاريكاتور، والتفسخ، والانهيار. متقشف ان تجسيد هذه العوامل المتداخلة، المتشابكة، المتناقضة، المتسعة (الملحمية) حققها الجعايبي، بمسرح متقشف وفقير. شبه غياب للديكورات. شبه غياب لاي عنصر تزويقي. فلتكن المواجهة مباشرة. ولحمية. وحية اذاً. وليكن »الجسد« هو العنصر الاول في هذه المواجهة. وليكن للممثل الدور الاول في حمل الخطاب، من دون ان تنافسه آليات وماكينات وازياء صارخة او كوريغرافيا... او سينوغرافيات من شأنها طمس حضوره. الممثل سيد العرض. والجعايبي من قلة تبقت من اهل المسرح العربي ما زالت تعرف كيف تشتغل على الممثل. وقد استغل الى الحدود القصوى كل الطاقات الحركية، والصوتية، في سياقات متوترة مشدودة، تعبيرية، حتى المبالغة والافراط كي يكون الممثل في موازاة النص. في موازاة الكلام. واذا كان مسرح الجعايبي مسرح ممثل فهو مسرح يحب اللغة. يحب الكلام. ما زال يؤمن بأن الكلمة لا تزال احدى الطاقات الاولية للتعبير عن المسرح، شرط الا تحل محل الممثل شرط الا تحوله الى مجرد صوت في جسد معطل. لهذا يبدو الصوت جزءاً من التعبير الجسدي، تماماً كما يبدو الجسد جزءاً من المساحة المكانية. الجسد الصوت اللغة المكان عناصر اساسية، متوازية، ومتوازنة، في »عشاق المقهى المهجور«. وقد عرف الجعايبي (اشتغل نحو سنة على اعداد الممثلين) كيف يبلور هذه الطاقات التمثيلية الراخسة (جليلة، زهيرة، فاطمة)، وكذلك الطاقات الشابة (من معهد الفنون التونسي)، بحيث توازن هذه الطاقات في لحظات عالية، وان تفاوتت في اخرى. وقد عرف كيف يستغل الممثل ككتلة فيزيائية تبدو في الفراغ شبه التام عنصراً سينوغرافياً، تشكيلياً، وجمالياً، سواء في تركيب المجاميع، او في الحركات الفردية، او في التوزيع الجغرافي، او حتى في علاقات الازياء كشكل ولون، مع المسافة اللونية الكابية، والخلفية »المعدنية« الرمادية التي تشبه والى حد كبير »خلفية في انتظار غودو« لبيكيت. وهذا ما يمسح المشهدية العامة (المتمثلة بالسينوغرافيا البصرية) وحدة ملامح، ووحدة مجاز. لان المكان هنا، (والشخصيات جزء منه) هو مكان مجازي في النهاية. المقهى المهجور مكان مجازي. والسينوغرافيا لغة مجازية، تنضح بدلالات الخراب، والحنين، والافول، والموت، والتصحر، والرحيل والانتظار، والحضور والغياب. انها دلالة الامكنة القوية التي تشكل لغة من لغات العرض المعبرة. يضاف الى ذلك، وتعميقاً لهذه المناخات، دور الاضاءة، التي تومض مبرقة، اما لتفصل بين اللحظات المسرحية، واما لتقطع الزمن الموتور، واما لتعلن باشاراتها الكابية، مناخاً من الغربة، والتمزق، والانكسار؛ هذياناً ضوئي يشرط القاعة ويبقعها بالتماعات حادة تكمل الهذيانات الجسدية والحركية، والصوتية، خصوصاً عندما يتواكب مع هدير القطار وصفاراته وقوة عبوره التي تملأ القاعة وترجرجها، وكأنما لتسحق الخشبة سحقها القاعة. بل كأن الجعايبي يجسد في هذا الهدير الصاخب انسحاق الانسان تحت وطأة الزمن، والرحيل، والغموض، او كأنه في تعميمه هذا الهدير الى عمق القاعة يريد ان يورط الجمهور في اللعبة، يجعل منه جزءاً مشاركاً فيها ونلمس في هذه الاستخدامات الضوئية (من تبقيع، ومن حدة ومن تغليف المشهدية بتوتر، وقلق)، منحى سينمائياً واضحاً. والجعايبي، في »فاميليا« استخدم السلايدات (وان باقتصاد استخداماً سينمائياً)، وهنا وفي النسبة ذاتها تقريباً، يعمد الى التقطيع السينمائي والى التظليل السينمائي، والى المزج السينمائي، وخصوصاً مزج المادة الضوئية (البصرية) بالمادة الصوتية (هدير القطار) ليحولهما الى نسيج مسرحي خاص. وتبرز ايضاً المعالم »السينمائية« احياناً في تحريك الشخصيات على »الحلبة«، وفي ايقاعاتها، وحتى في طريقة آداءاتها، لكن اللغة السينمائية هذه لا تستقل وان برزت، ولا تنغلق وان سفرت، بل تبدو وكأنها معجونة، ومطبوخة في البنية المسرحية العامة. كل هذه اللغات: الحوار، الحركة، السينوغرافيات البصرية والصوتية، الاضاءة، والموسيقى، كم نلمس انها ملمومة ومشدودة لتكوّن بنية متماسكة سيطر عليها الجعايبي من اطرافها كلها، وجعلها في كتلة دلالية واحدة توحي بمناخاتها، لتتوجه الى الحواس اكثر مما تتوجه الى التفسير المباشر. ولهذا يمكن القول ان »عشاق المقهى المهجور« عمل يصيب الحواس، يشكل مناخات وعوالم اعمق من التعبير الواقعي المباشر. »عشاق المقهى المهجور« التي تسنى لي ان اشاهدها في تونس ضمن اطار ايام قرطاج المسرحية على خشبة »المسرح البلدي« المتسعة وفي مدتها الاصلية نحو ثلاث ساعات، لم تفقد من شراستها ولا من قوتها ولا من ايقاعيتها على خشبة مسرح المدينة في بيروت. واذا كان الجعايبي قد نجح في تقديم هذه الرائعة فلأن العناصر الآدائية الراسخة والمختمرة كجليلة بكار التي تقدمت جديدة يايقاعها التمثيلي »المؤسلب« (والمؤلف) وفي صوغها المكثف لدورها، وكزهيرة بن عمار التي سيطرت بقوة على مختلف حالات شخصيتها، وكفاطمة بن سعيدان، التي ادت بحيوية، وبمهارة، دورها. ولا يمكن هنا الا التوقف عند المواهب الشبابية المطلة بطزاجة على عمل مركب، لنرى كيف نجحت في اللعب بتمكن وبخصوصية، ازاء القامات الراسخة.