بدأت القمة السادسة عشرة لزعماء دول مجلس التعاون الخليجي، في مسقط، بسابقة غياب الملك السعودي فهد بن عبد العزيز، وانتهت امس بسابقة اخرى هي مقاطعة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الجلسة الختامية محتجù على تفضيل القمة للمرشح السعودي على المرشح القطري لتولي الامانة العامة للمجلس. واذا كان غياب فهد قد برّد للغاية اجواء القمة بتغييب الملفات الحساسة المثيرة للخلاف بين اعضاء مجلس التعاون الذين نحوا في غياب »الشقيق الاكبر« الى اظهار توحدهم خلف »الثوابت الخليجية«، فان مقاطعة حمد سخنت الاجواء، اذ ظهرت هشاشة هذا التوحد لتبرز الانقسامات الحادة داخل المجلس في سنته الرابعة عشرة، وليطفو على السطح من جديد السؤال عن مستقبل هذا التكتل الخليجي، وقبله السؤال عن جدواه. ولا تعتبر الامانة العامة لمجلس التعاون منصبù ذا صلاحيات، بحيث تستأهل كل الضجيج الذي اثارته الى حد طرح تساؤلات حول انعقاد القمة السابعة عشرة. اذ انتهت قمة مسقط ببيان ختامي لم يشر كالعادة الى مكان وزمان القمة السنوية التالية، والتي كان مقررù ان تستضيفها قطر. لكن المسألة بالنسبة للقطريين كانت حساسة هذه المرة، ليس فقط لانه لم يسبق لقطري ان تولى الامانة العامة، بل ايضù لان الشيخ حمد كان يأمل، في اول مشاركة له في قمة خليجية منذ ان ازاح والده في 23 حزيران الماضي، بان يبادر الزعماء الاخرون نحوه ب»لفتة ايجابية«، وهو الذي استهل حكمه بدعوة صريحة لفتح صفحة جديدة في المنطقة التي تعج بالنزاعات الحدودية، وبخاصة مع السعودية، واتبع ذلك بزيارة للرياض كانت الاولى التي يقوم بها خارج قطر. وجاء اصرار السعودية على مرشحها بتأييد من بقية الاعضاء، ثم فشلت تسوية للخلاف اقترحتها قطر بتمديد ولاية الامين العام الحالي فاهم القاسمي (اماراتي)، ليصبا في عدم طمأنة القطريين الذين دخلوا القمة »باحراج دبلوماسي« سببته الرسالة التي وجهها »الامير المخلوع« الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني الى القمة، واعلن فيها انه ما زال »الحاكم الشرعي« وانه ينوي استعادة السلطة. واستبعد احد اعضاء الوفد البحريني المشارك في القمة ان يكون لقرار الشيخ حمد بمقاطعة الجلسة الختامية اي علاقة برسالة والده. وذكر مسؤولون رفيعو المستوى في مجلس التعاون ان قطر هددت بالانسحاب من المجلس. وغادر الشيخ حمد مسقط على عجل. وظهر عابسا وهو يصافح مودعه السلطان قابوس بن سعيد في المطار. واتهمت قطر شريكاتها الخمس في المجلس بارتكاب »مخالفة صريحة لميثاق المجلس« بتعيين السعودي جميل الحجيلان امينا عاماً. وألمح وزير الخارجية القطرية الشيخ حمد بن جاسم آل جاسم الى ان بلاده قد لا تستضيف القمة الخليجية المقبلة التي كان مقررا ان تعقد في الدوحة. واكتفى بالقول: »لم نقرر شيئا في هذا الصدد بعد«. واوضح الشيخ حمد »انسحبنا من الجلسة الختامية لعدم قانونية القرارات التي صدرت. ان اختيار الحجيلان امينا عاما للمجلس لم يكن قانونياً، ولم يحظ بالاجماع ولدينا تحفظ عليه. هناك مخالفة صريحة لميثاق مجلس التعاون في البند الثاني من النظام الداخلي«، الذي ينص على اختيار الامين العام بالاجماع لا الاكثرية. وكانت قطر قد رشحت وكيل وزارة خارجيتها عبد الرحمن العطية. وعندما اصرت السعودية على ترشيح الحجيلان، اقترحت تمديد ولاية القاسمي الذي رفض ذلك، حسب قول احد المندوبين. ووصف وزير الدولة العمانية للشؤون الخارجية يوسف بن علوي بن عبد الله في مؤتمر صحافي عقده مساء امس المقاطعة القطرية بأنها »مسألة عارضة ظهرت في اللحظات الاخيرة وان كانت غير مفهومة«. واكد بن علوي ان الموقف القطري »جاء احتجاجا على اختيار جميل الحجيلان امينا عاما للمجلس«، موضحا انه »كانت للقطريين رؤية مختلفة لكن المجلس سار وفقا للاجراءات المتبعة التي بدأت في القمة الرابعة عشرة، التي عقدت في ابو ظبي، حين اتفقت الدول الست على اعتماد عرف يقضي بأن يتم التناوب على منصب الامين العام وفقا للتسلسل الابجدي للدول الاعضاء« وهي السعودية والكويت والامارات وقطر والبحرين وسلطنة عُمان. واشار الى ان »الاشقاء في قطر رأوا وجوب اعتماد آلية اخرى غير التسلسل الابجدي، وان تتاح الفرصة للدول التي لم يسبق ان شغلت مناصب في الامانة العامة. وقد عبروا عن عدم رضاهم عن قرار اختيار الحجيلان بالتغيب عن الجلسة الختامية وذلك من حقهم«. اضاف »من حق قطر اتخاذ اي اجراءات كعضو اساسي وفاعل في مجلس التعاون، ولكنني اؤكد اعتقادي الشخصي بأن اميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لا يفكر في اي خطوات من قبيل الانسحاب من مجلس التعاون او ما شابه«. وكانت القمة قد انتهت عمليù، مساء أمس الأول، بجلسة مغلقة عقدها الزعماء الستة لوضع اللمسات الأخيرة على البيان الختامي ولم يشهد اليوم الثالث والأخير نشاطات مميزة قبل المقاطعة القطرية، سوى لقاء الشيخ حمد بأمير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة. ودام اللقاء بين الشيخين حمد وعيسى، وهو الثاني على هامش القمة، ساعتين من دون الكشف عما دار خلاله، وإن كان متوقعا أنه تناول الخلاف الحدودي بين البلدين. ولولا حدوث المقاطعة القطرية، لكان بالإمكان القول إن القمة الخليجية السادسة عشرة كانت »نموذجية« وفقا لقراءة البيان الختامي الذي ركز على »الثوابت الخليجية« في القضايا الخارجية والقضايا المتعلقة بالعلاقات بين الدول الأعضاء، خاصة تلك التي تسبب لها »قلقا عميقا متزايدا« والتي أدرجها تحت عنوان »ظاهرة التطرف والعنف والارهاب«، مكتفيا في المجالات الأخرى بالإعراب عن ارتياحه لما تم تحقيقه. وإذ جدد البيان الختامي الدعوة الى التزام العراق بالقرارات الدولية، مع تأكيده »الرفض التام لأي سياسات ترمي الى المساس بسلامة العراق الإقليمية أو تقسيمه«، فقد برزت في الجانب المخصص للعراق »شحنة إنسانية« زائدة عن القمم الخليجية السابقة، بدا انها جاءت للتوفيق بين مواقف الدول الأعضاء، ولترك المجال مفتوحا أمام تلك التي ترى وجوب تقديم مساعدات إنسانية للشعب العراقي، (قطر والامارات). وجاء في البيان: »ان المجلس الأعلى يحمل الحكومة العراقية المسؤولية الكاملة للتدهور الخطير في ما آلت إليه الحالة المعيشية والصحية للمواطنين العراقيين، مبديا تعاطف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مع الشعب العراقي الشقيق في محنته الحالية. وكرر البيان الختامي الموقف الخليجي تجاه مسيرة السلام في الشرق الأوسط، بالدعوة لانسحاب إسرائيلي تام من الضفة الغربية والقدس الشريف ومن الجولان السوري المحتل ومن جنوبي لبنان. ودعا الى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. وابدي »القلق العميق« ازاء »تزايد الميول المتطرفة وأعمال العنف والارهاب التي أصبحت تشكل هاجسا عالميا«. وأكد تأييد المجلس للبحرين في الاجراءات التي تتخذها لتثبيت الأمن والاستقرار فيها. وأدان »بشدة العمل الاجرامي الآثم الذي وقع في مدينة الرياض وأودى بحياة نفوس بريئة«. وكرر البيان موقف المجلس المؤيد لدولة الامارات في نزاعها مع إيران حول الجزر الثلاث في الخليج، داعيا طهران إلى القبول بإحالة الخلاف الى محكمة العدل الدولية. ولم يشر البيان الى قرارات محددة بالنسبة لمجالات التعاون والتنسيق العسكري والأمني والاقتصادي والاعلامي بين الدول الأعضاء. واكتفى بالقول في ما يتعلق بالقوة الخليجية المشتركة المسماة »درع الخليج« ان المجلس وافق على التوصيات التي أعلنها وزراء الدفاع في اجتماعهم في المنامة في الشهر الماضي »والتي تهدف الى مواصلة تنفيذ البرامج المتعلقة برفع كفاءة القدرة الدفاعية والمضي قدما في تطوير قوة ردع فعالة«. (أ ف ب، و ا س، أ ب)