احتفلت سوريا ومعها كل اصدقائها ومحبيها، في السادس عشر من تشرين الثاني 1995 بذكرى مرور ربع قرن على قيام الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس المناضل حافظ الاسد.. وعلى رغم المصاعب والآلام المحيطة بالواقع العربي في اللحظة السياسية الراهنة، وعلى رغم كل الانهيارات والعواصف التي احاطت بالوضع الدولي والعربي والاقليمي خلال السنوات القليلة الماضية، يشعر ابناء سوريا العربية بالامن والاستقرار اللذين تنعم بهما دولتهم، في عالم تسود الكثير من دوله حالات الاضطراب والعنف وعدم الاستقرار، ويتذكرون ان الحركة التي يحتفلون بذكرى قيامها اعقبها وترافق معها بعد سنوات ثلاث نشوب حرب تشرين المجيدة بكل معانيها وأبعادها ودلالاتها. كما يتذكرون جيدا ويتذكر معهم كل ابناء الامة العربية اسقاط اتفاق 17 ايار واحتواء ومحاصرة نتائج الغزو الاسرائيلي للبنان في العام 1982. لا شك في ان انجازات الحركة التصحيحية خلال ربع القرن الماضي وعلى مختلف الصعد كبيرة ومتعددة الابعاد سياسيا واقتصاديا وعسكريا واجتماعيا، مما اكسب سوريا مصداقية عميقة وبات موقفها يحظى بأعلى درجات الاحترام والتأييد من كافة القوى التقدمية على امتداد الساحة العربية، والذي يلتف حوله اليوم كل الشرفاء والمخلصين من ابناء الامة العربية الحريصين على مصلحتها ومستقبل اجيالها، ففي الوقت الذي انهار فيه الآخرون ودبت فيهم حالة من الفزع صمدت سوريا وجابهت العواصف. قالوا ما هو البديل في ظل اختلال موازين القوى والمتغيرت الدولية؟ وقالت سوريا البديل هو التمسك بالثوابت الوطنية والقومية والاعتماد على الشعب وطاقات الامة. لقد تعاملت سوريا مع المتغيرات الدولية والاقليمية بأعلى درجات الحكمة والكفاءة والارادة، وتعاطت بشكل عميق ومتميز يفهم الواقع بدقة متناهية، لكنها تعاملت مع هذا الواقع على اساس الثقة بالنفس والروح الكفاحية والتمسك بالحقوق ارتباطا بعدالة القضية والايمان بالمستقبل. وعلى رغم كل الضغوط والتهديدات والانهيارات والانفراد من الآخرين، لم يتزحزح الرئيس حافظ الاسد عن ثوابته ومبادئه ومرتكزات رؤيته للسلام، ليس كما تفهمه اسرائيل ومن وراءها، بل كما يقره منطق العدل والحق ومبادئ الشرعية الدولية. انطلق الموقف السياسي السوري من رؤية استراتيجية بعيدة المدى لا تحكمها اعتبارات اللحظة السياسية الراهنة فحسب، بل فهم الواقع بحركيته وتفاعلاته ومستقبله ودراسة مختلف عناصر القوة والضعف الكامنة فيه. وقد وجدت اسرائيل نفسها على المسار السوري امام نموذج للمفاوضات مختلف تماما عن النموذج الذي مارسه السادات وعرفات والملك حسين، نموذج ينطلق من مبدأ التكافؤ والندية والتوازن في خوض عملية التفاوض. وادراك ان العدو على رغم اختلال ميزان القوى هو الاحوج للمفاوضات واستمرارها وليس العكس. اعتقدت اسرائيل ان اتفاقا اوسلو واشنطن ووادي عربة هي النموذج الذي يجب الاهتداء به على المسار السوري، لكن سوريا اعلنت بوضوح ان ما جرى على المسارات الاخرى ليس نموذجا لها وان على اسرائيل ان تعيد النظر في حساباتها. فقد خاضت دمشق عملية المفاوضات السياسية على اساس انها معركة شاملة لا تقل اهمية عن المعركة العسكرية إن لم تكن اكثر صعوبة وتعقيدا فمارست هذه العملية بحذر ويقظة وبحسابات دقيقة أتقنت فن الهجوم والدفاع والمرونة والتصلب وخاضت مجمل العملية بذكاء وشجاعة اعترف بها العدو قبل الصديق مما أكسبها مصداقية كبيرة على المستويين العربي والدولي. وفشلت اسرائيل في محاولتها ممارسة مختلف انواع التكتيك والمناورات والخداع للحصول على تنازلات من سوريا التي استندت في حساباتها وحركتها الى طاقات شعبها وامكاناتها الذاتية من جهة والى طاقات الامة العربية الكامنة من جهة اخرى. وفيما اكدت سوريا على اهمية التنسيق بين الاطراف العربية وعلى جميع المسارات انفرد الآخرون اعتقادا منهم انهم سيحققون مكاسب فئوية خاصة غير مدركين ان اسرائيل لا تعمل الا لحسابها ولا تعطي مكاسب الا لذاتها ومصالحها واهدافها. وبقيت سوريا ملتزمة مع المسار اللبناني لأنه لم ينفرد مؤكدة تلازم المسارين ووحدة مصالح البلدين فقوي لبنان بسوريا وقويت سوريا بلبنان، ورفضت دمشق قمة الدار البيضاء وقمة عمان الاقتصادية والمفاوضات المتعددة الاطراف على اساس ان كل ذلك يستهدف التمهيد لما يسمى النظام الشرق اوسطي الهادف الى تفتيت الكيان العربي وضرب فكرة القومية العربية وتغيير الجغرافيا السياسية في المنطقة وتحقيق الهمينة الاقتصادية والعسكرية لإسرائىل. لقد استندت سوريا في كل تحركاتها ورؤيتها السياسية الى ضرورة تدعيم الجبهة الداخلية وتطوير البناء الاقتصادي وتعزيز وتدعيم القوات المسلحة لأنها تدرك انها تخوض معركة شاملة تتطلب توفير مختلف عناصر الصمود والقوة. (*) كاتب فلسطيني.