افتتح مركز الابحاث في الحوار المسيحي الاسلامي اعمال مؤتمره الاول حول العدل في المسيحية والاسلام في معهد القديس بولس للفلسفة واللاهوت (حريصا) في حضور النائبين كميل زيادة وسعود روفايل، ويستمر المؤتمر الذي يشارك فيه عدد من رجال الفكر والدين، حتى الأحد المقبل. بداية كلمة لرئيس المعهد الاب جورج خوام الذي رأى ان الحوار قد اثبت، على ذمة التجربة في الماضي والحاضر، جدواه فأثمرت جميع الجهود التي انطوى عليها وقرّب ما كان قصيù وأجاز ما كان مستحيلاً. »وهو قد فرض نفسه وسيلة فضلى للارتقاء بالعلاقات البشرية المتباعدة والمتباينة فأضحى منارة حضارة ووجه فأل وسلوك انسان ناضج«. مؤكدù انه خير تعبير عن الاحترام لكيان الآخر بنزعاته وافكاره ومعتقداته. وقال اننا في اشد الحاجة وأمسّ الضرورة الى التعرف بأنفسنا ومعرفة طريقة الغير في التفكير بنفسه قبل أي نزوع الى ارساء قواعد بنيان مشترك. لا شك ان هذا البنيان آتٍ يومù اذا ما قام خير قيام على حسن ما في الانسان، أظهريه: قلبه ولسانه. ولكن لا بد أولاً، وبادئ ذي بدء، ان يعطى الأظهران متسعù من الوقت لكي يظهرا، حتى اذا ما قام لهما قائم في العقول ارتفع صرح بناء مشترك يفتن الالباب. ثم تكلم مدير المركز الاب مشير باسيل عون الذي اوضح ان هذا المركز الفكري يرجح في تاريخ نشأته الاولى الى تاريخ شهادة الآباء البوليسيين المسيحية في لبنان وبلدان الشرق الاوسط. وقال الاب عون ان المركز هو ملتقى فكري حرّ يقوم على روح الحق وينأى في بنيته الفكرية عن كل ايديولوجية سياسية وتصلت خارجي وهو الى ذلك على يقين ان جواهر الحقيقة والمثل العليا واحدة في مبتغى الوجود الانساني وان الاختلافات انما تنجم عن انتقال الجوهر من دائرة الكلية والكمال الى واقع فرادة الاختبار البشري المتمايز، وينطلق المركز في حوار يعتبر الآخر مهما اشتدت حدة غيريته اعتبارù خاصù يكمل الذات موضحù هويتها ومغنيù مضمونها. بعد ذلك، باشر المجلس اعماله فترأس الجلسة الاولى الاب الياس خليفة، والقى المطران كيرلس سليم بسترس محاضرة حول العدل في الفكر المسيحي اللاهوتي، لجأ فيها الى ثلاث مقاربات: ففي مقاربة اولى نظر الى العدل من خلال علاقته بحقوق الانسان، واعتبر ان العدل هو »فضيلة بها يعطي المرء كل انسان حقه بارادة ثابتة ودائمة«. وهذه الفضيلة تستند الى اعتراف بكرامة الانسان المخلوق على صورة الله وبمساواة جميع الناس في تلك الكرامة. وفي مقاربة ثانية نظر المحاضر الى العدل في اطار العمل الخلقي العام كما ظهر في الكتاب المقدس، اي في اتحاد الانسان بالله الذي هو وحده العادل والبار والقدوس، وفي اتحاد الناس بعضهم ببعض. وبيّن ان عدل الله يفوق عدل الانسان ولا سيما ان برّ الله قد ظهر في اقصى رحمته ومحبته بموت يسوع على الصليب. وفي مقاربة ثالثة اوضح علاقة العدل بالمحبة. فالمحبة تقتضي العدل كشرط اساسي للدلالة على صدقها وللإفساح في المجال امام تقدمها وازديادها. والعدل بحاجة الى المحبة التي تؤمن له بعدù داخليù وسمة شخصية لا بد له منهما. وحاضر البروفسور محمود زقزوق حول العدل في الفكر الاسلامي الديني، ومما قاله: للعدل جانبان متلازمان: فهو من جهة حاجة ملحة للانسان لكي يتمكن من أن يحيا حياة حقيقية على هذه الأرض. ومن جهة اخرى، فان العدل كقيمة مثالية ليس شيئù ان لم يعمل الانسان على تحققه في عالم الواقع. وهكذا فان العدل يعلو على التحزّب. فالله إله كل الناس، ليس إلهù لجماعة معينة. والعدل قيمة مطلقة لا تتجزأ. فلا يجوز ان يطلب الانسان العدل لنفسه وهو يرتكب الظلم في حق الآخرين. ومن اعتدى على الآخرين لم يعدل مع ذاته. فكلنا متضامنون ومشتركون في انسانية واحدة ومسؤولون معù عن مصيرها. اضاف: ويعلّم القرآن البعد عن التحيّز حتى ولو كان الأمر يتعلق بالشخص نفسه او بذويه، وعدم التأثر بوضع الآخرين، او بمشاعر الكراهية نحوهم، وعدم الخوف من اصحاب النفوذ. ويحتّم معاملة كل الناس بالعدل والمودة الا اذا حاربونا. وهذه حالة استثنائية تزول بزوال اسبابها. ويبقى الهدف الاسمى للمسلم محاربة العداوة في قلوب الاعداء وذلك بالرد على السيئة بالحسنة. والانسان العادل هو انسان محبّ لله وعابد له. ويواصل المؤتمر اعماله في الرابعة بعد ظهر اليوم، فتنعقد جلسة ثانية يديرها الاب جوزف معلوف ويحاضر فيها كل من الدكتور ميشال عواد (العدالة الاجتماعية في الفكر المسيحي) والدكتور رضوان السيد (العدالة الاجتماعية في الفكر الاسلامي).