بتاريخ 20 آب عام 1968، تأسس اتحاد الكتاب اللبنانيين، بموجب علم وخبر اعطته وزارة الداخلية يحمل الرقم 402. وكانت لجنة تأسيسية من الادباء اللبنانيين قد عقدت اجتماعات مطولة ووضعت القانون الاساسي والنظام الداخلي للاتحاد، ودعت الى اجتماع حضره عدد من الادباء تدارسوا فيه مواد القانون والنظام فأقروها، ثم انتخبوا هيئة ادارية قوامها سهيل ادريس امينا عاما للاتحاد، وجوزيف مغيزل نائبا للامين العام، وادونيس امينا للسر، ومنير البعلبكي امينا للصندوق. اما اعضاء الهيئة فكانوا الاساتذة قسطنطين زريق ومحمد يوسف نجم وحسين مروة وخليل حاوي وجورج غانم وكامل العبد ا" وليلى بعلبكي. وقد شرّفني الاتحاد بانتخابي ثلاث دورات (كان النص القانوني يسمح بذلك قبل ان يعدل الى دورتين فقط) فظللت امينا عاما ستّ سنوات انضم الاتحاد في اولها الى الاتحاد العام للادباء العرب وظل رئيسا فيه للجنة »الدفاع عن الحرية«. وقد خلفني على الامانة العامّة كل من: ميشال سليمان واحمد ابو سعد واحمد سويد وعلي سعد وعفيف دمشقية، ثم اعيد انتخابي لهذا المنصب دورتين متتاليتين، قبل ان ينتخب روحي البعلبكي منذ عامين. اني اورد هذا المهاد التاريخي لكي اتساءل: هل يحق لاحد المؤسسين الذي تولى الامانة العامة طوال عشر سنوات ان يتحدث عما آل إليه هذا الاتحاد؟ لقد استولى الامين العام الجديد، بمساعدة من سيصبح امين سره، على مقاليد الاتحاد بعملية انتخابية اقل ما يقال فيها انها غريبة على اخلاق المثقفين في لبنان، وعلى تقاليد الاتحاديين انفسهم، وان كانت هذه العملية ترتدي لبوس الديموقراطية. ومع ذلك، فقد اثرت، شخصيا ان التزم جانب الصمت، مفضلا منح الامانة العامة الجديدة فرصة العمل، منتظرا ما سوف تقوم به من خدمات للاتحاد. اما الآن، وقد انقضى عامان، وهم يستعدون لاجراء الانتخابات الجديدة، فلا بد من محاولة تقديم »جردة« بالمآثر التي قامت بها هذه الامانة (هل كانت امينة حقا؟). ولكن قبل ان نبدأ، يؤسفني ان اضطر الى تسمية بعض الاشخاص بأسمائهم، وهو ما يوحي بأن الامر لا يخلو من موقف شخصي... ولكن كيف السبيل الى تجنب ذلك اذا كان الامين العام نفسه يدير الامانة العامة بسلوك شخصي محض لا يشاركه فيه إلا امين سره؟ (أنا لا ادري في الحقيقة من هو امين سر الآخر!). لنعد الى البداية. تجميع لقد عمدت هذه الفئة الى تجميع الاصوات بتسديد اشتراكات المنتسبين التي لم تكن قد دفعت منذ سنوات، وامنت السيارات لنقل الاعضاء من امكنة اقامتها في انحاء لبنان، كما يجري عادة في الانتخابات النيابية... كما ان »غرفة عمليات« حقيقية قد اقيمت لاجتذاب الكتّاب بالاغراءات والوعود، وتطوع البعض لتجنيد محازبيه من حملة الاقلام... وقد اصيب الوسط الثقافي بالذهول ان يرى، بنتيجة ذلك، ازاحة بعض اشهر الكتّاب اللبنانيين الذين يشكّلون نخبة في الابداع اللبناني (امثال جوزيف حرب وشوقي بزيع وعفيف دمشقية والياس خوري...) لصالح عدد من الاقلام لم يكن لها إلا شأن ثانوي او لم يكن لها اي شأن في عالم الخلق الادبي!. ولم تمض اسابيع قليلة حتى وقعت الخلافات في صف اعضاء الهيئة الادارية الجديدة، بسبب ما قيل من التنافس على المناصب او تسلّط رأس الامانة العامة على اطرافها، او استئثار بعض المتنفذين المصابين بمرض العظمة وحب الظهور! وهذا ما اشار اليه ثلاثة من اعضاء هذه الهيئة سارعوا باعلان استقالتهم في بيان عبروا فيه عن خيبتهم من سياسة الجهاز الرئاسي الذي كشف بنفسه طموحه الى تولي منصب وزاري معين... ومنذ بضعة اشهر، قدم عضو رابع في الهيئة الادارية استقالة لم يفهم منها إلا انها نتيجة خيبة اخرى من سياسة الهيمنة الانتهازية على الاتحاد... وفي تلك الاثناء، اصدرت الامانة العامة عددù من البيانات لوحظ انها تحمل من روح المزايدة ما يبعث على التعجب والتساؤل: متى كان للمهيمنين تاريخ وطني او قومي او مواقف نضالية تسمح لهم بمثل هذه الدعاوى؟ افليس الاصح انهم يتطفلون على تاريخ الاتحاديين السابقين الذين تولوا الامانة العامة في عهودها الماضية ولهم مواقف مسجلة غير منكورة في النضال الوطني او القومي او الادبي؟ فما يمنع اولئك من التسلّق على ذلك التاريخ والمزايدة عليه؟ بالاضافة الى مأخذ الغرور وحب الظهور الذي كان يتجلى اكثر ما يتجلى بتجنيد الامين العام بعض المحررين والمصورين لنشر اخباره الخاصة وانباء تنقلاته بين بلدان المعمورة، واسفاره وعودته الميمونة مكللا بالغار والانتصار وتزوير بعض الاخبار... (ومنها خبر نشره بأنه انتخب في اتحاد الكتاب العرب بالمغرب بصفة نائب للامين العام، مهملا ذكر انه انتخب نائبا ثانيا ومغيبا اسم النائب الاول امين مازن... ثم عمل على اقامة حفلة تكريم لشخصه الكريم بهذه المناسبة العظيمة!) نقول بالاضافة الى هذا المأخذ اصبح الناس يتناقلون اخبار ما يشيعه هو نفسه من انه اصبح على قاب قوسين او ادنى من الوزارة... (اية وزارة؟!). على ان ما يقابل مأخذ المزايدة هذا، مأخذ »المناقصة« اذا صح ان نطلق هذه الصفة على سياسة الصمت والسكوت تتخذ ازاء بعض القضايا الحيوية التي ينبغي للاتحاد ان يكون له فيها رأي وموقف. واوضح مثال على ذلك: قضية الشاعر ادونيس بالنسبة الى موضوع التطبيع. فقد رأت الامانة العامة للاتحاد حين اثيرت هذه القضية في الصحف ان تعد الناس بأنها تدرس هذا الامر، وتقلّبه على وجوهه، وستصدر بيانا فيه... واخذ الناس ينتظرون البيان، فلم يأتِ »غودو«... ثم انتشر في الوسط الثقافي ان الاتحاد كان على وشك الرضوخ لمطلب خارجي بادانة ادونيس وتأييد طرده حين جاءه انذار داخلي بأن عددا من الادباء المنتمين الى الاتحاد سيعلنون انسحابهم منه اذا اتخذت الامانة العامة مثل هذا الموقف! فما هو المخرج من هذه الورطة؟ كان المخرج تفضيل الصمت وايثار السلامة وطيّ الموضوع والتهرب من مسؤولية اصدار الموقف!. ولم يكن للامانة العامة موقف من بعض مظاهر القمع للحرية الفكرية في لبنان (مصادرة كتب الصادق النيهوم ومنع تقديم بعض المسرحيات...). احضان السلطة بيد ان اخطر ما انتهجته الامانة العامة للاتحاد هو ارتماؤها بلا حساب في احضان السلطة، اذ كان امينها العام يرى دائما عبر وسائل الاعلام، ولا سيما التلفزيون، وهو يهرول بين مقرات رئيس الوزارة ورئيس مجلس النواب ووزير الثقافة، مهنئا او مباركا او معزيا او موجودا مجرد وجود وهو يحدق في عيون الكاميرات يستجديها التصوير... ولاول مرة في تاريخ اتحاد الكتاب اللبنانيين تلغى المسافة بين السلطة والمثقف برضى الاخير، وتسقط سياسة الاستزلام للحكام كل دلائل الاستقلال الذي كان يتمتع به اتحاد الكتاب اللبنانيين عبر تاريخه الطويل دون سائر اتحادات الكتاب العرب تقريبا، حتى تيقن مثقفو هذا البلد خاصة ان اتحادنا سقط اخيرا في تبعية السلطة وفقد الميزة التي كان يتفرد بها طوال ربع قرن كمؤسسة مستقلة ترفض الانحياز للسلطة التي لا يمكن إلا ان تؤثر، في نهاية المطاف، سياسة الكبت والقمع وخنق الحرية كما يوحي بذلك مفهوم تعريف »السلطة«. ومن آخر دلائل الهرولة المحمومة نحو مراكز السلطة التبني الاعمى لسياسة نقابة اخرى استولت هي ايضا، في عصر الرداءة هذا، على مقاليد النشر في بيروت، نقصد نقابة اتحاد الناشرين التي تشرف عليه ناشرةٌ ميزتها الوحيدة انها تستمد سلطتها، بدافع القرابة، من سلطة سياسية مركزية لا نفهم كيف ترضى ان تستغل لتكون غطاء لمؤسسة نقابية عرف بعض من ساتولى عليها بأنهم سادة تزوير الكتب، وهم لم يستولوا عليها إلا من اجل العمل بشتى الوسائل لحماية انفسهم من الملاحقة القضائية... وتأتي الامانة العامة للاتحاد الكتاب اللبنانيين لتدعم هذه المؤسسة بحضور مختلف اوجه النشاط التي تقوم بها، واشتراك الامين العام بالقاء بعض الخطب الطنانة الفارغة في حفلاتها، من غير ان يأبه بما يجره على اتحاد الكتاب من اذى وضرر حين يعمل بالتنسيق الكامل مع نقيبة الناشرين!. واليوم، وقد اقتربت نهاية الولاية الاولى للهيئة الادارية، يستعد الامين العام ومعاونوه، لاجراء الانتخابات الجديدة، فيحشد حشوده بعد ان عمل طوال العامين الماضيين، على تنسيب اكبر عدد من الذين كتبوا ذات يوم بعض صفحات او بعض سطور، وجعلهم ينتسبون، بواسطة لجنة انتساب صورية، الى الاتحاد، لا تقديرù لانتاجهم او ابداعهم، وانما تقديرù »لاصواتهم«... بالرغم من اجتذاب بعض الاسماء الكبيرة تغطية لتنسيب كثير من الاسماء الباهتة! وهكذا ارتفع عدد المنتسبين من اقل من ثلاثمئة عضو منذ عامين الى ستمئة عضو حالياً، فتردّى مستوى العضوية في الاتحاد بدعوة عدد وافر لا علاقة لهم بالادب والكتابة! ولما كان بامكان الرداءة، في العمل الثقافي، ان تطرد الجودة، ولما كانت سياسة الامانة العامة للاتحاد في السنتين الماضيتين، قد شوّهت تاريخ الاتّحاد كلّه، وأثارت النفور والغضب، وحرصاً على استرداد اتّحاد الكتّاب اللبنانيين من ايدي العابثين والطامعين والمستوزرين، ندعو من اعضاء الجمعية العمومية جمع الغيورين على سمعة الاتحاد، وفيهم بعض مؤسّسيه والامناء العامّون السابقون، الى مؤتمر ادبيّ نعلن عن موعده في فترة قريبة لتدارس وضع اتّحاد الكتّاب اللبنانيين الذي لم نعد نتعرّف اليه في وضعه الجديد، والذي كفّ عن ان يعبّر عن طموحاتنا وتطلّعاتنا الى اغناء الحركة الادبية والثقافية والدفاع عن الحريّة، ونطالب بمقاطعة الانتخابات الجديدة والامتناع عن الحضور لانتخاب من استغلوا الاتحاد (ولو كان لهم عليه ايّ فضل ما استغلَّوه!)« ونطرح امكانيّة تعليق عضويتنا، وربّما الانسحاب كليّاً، وتكوين تجمّع مستقلّ للمبدعين والمثقّفين الحقيقيين تُستبعد منه العناصر الطفيليّة التي لا قيمة لها الا في كونها اعداداً زائدة تنفع في تأمين الاصوات وان لم يكن لها ايّ »صوت« في الحياة الثقافية في لبنان! انها، باختصار، دعوة الى انقاذ اتحاد الكتّاب اللبنانيين. (يتبع غداً: الدكتور محمد علي موسى)