على امتداد خمسة وعشرين عامù، تمر الأيام مع شريط صور مزدحم بالعمل والبناء والصمود... ليطبع في الذاكرة والقلب أرقاما متألقة وملونة بالحب والوفاء والصدق، وزاخرة بالعطاء المستمر على الصعيد الوطني والقومي. شهادة حق لربع قرن من الزمن الصعب.. وعد من القائد، وعهد من الشعب... ووقفة مع التاريخ في بلد عربي استطاع فيه الرئيس حافظ الأسد أن يحقق التنمية المتوازنة ويعمق الوحدة الوطنية، ويصون الأمانة القومية في سعيه الدائم للدفاع عن حقوق الأمة العربية ورسالتها الخالدة. لقد ترسخت المفاهيم السياسية على قاعدة التعددية وضمنت حرية الرأي والفكر والعمل والمبادرة الفردية وأفسحت المجال واسعا أمام جميع المواطنين للمساهمة في الحياة السياسية وبناء الوطن من خلال الجبهة الوطنية التقدمية والمؤسسات الدستورية، مجلس الشعب، مجالس الإدارة المحلية ومن خلال النقابات المهنية والمنظمات الشعبية. كما أن ثبات النهج السياسي الوطني والقومي قد عزز الوحدة الوطنية والصمود القومي، وأصبحت سوريا مركز الاستقطاب القومي فعملت على تعميق مسيرة العمل العربي المشترك لتحقيق التضامن العربي... كما عملت في إطار الحرص القومي للدفاع عن وحدة القطر اللبناني الشقيق وتحقيق الاستقرار والأمن في ربوعه... وقدمت التضحيات المستمرة من أجل ذلك. وفي الوقت الذي نجحت فيه سوريا العربية في تعزيز مفاهيم التعددية السياسية، فإنها نجحت أيضا في تعزيز مفاهيم التعددية الاقتصادية من خلال مساهمة الفاعليات الاقتصادية الوطنية العامة والخاصة. وسمح مناخ الاستقرار بتعبئة الإمكانات والطاقات وتحريك المبادرات الخلاقة في إطار برامج التنمية الطموحة مما مكّن الاقتصاد العربي السوري، في أصعب الظروف، من أن يحقق معدلات نمو اقتصادية جيدة... من خلال التركيز على توفير متطلبات التنمية المستمرة والمتوازنة وفق أولويات حددتها الخطط التنموية الواقعية والطموحة بدءù من العام 1970. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهت العملية التنموية خلال ربع القرن الماضي وعلى الرغم من المتغيرات الكبيرة والمهمة التي عصفت بالاقتصاد العالمي خلال هذه الفترة... فقد واجه الاقتصاد السوري كل هذه الظروف والتحديات بعمل تنموي جاد وواقعي انطلاقù من مبدأ الاعتماد على الذات، وتمت تعبئة كل الامكانات المتوفرة وبمشاركة جادة وفاعلة من كل القطاعات (العام الخاص المشترك) لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التنموية. وقد انعكس ذلك في الانجازات المتحققة في كل فروع الاقتصاد الوطني. ولأنه يصعب الاحاطة بكل هذه الانجازات، فإننا سنعرض أهمها مع الاشارة الى الترابط والتفاعل بين مسألة التنمية الاقتصادية ومسألة التنمية الاجتماعية، مما أدى الى توسع القاعدة التحتية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالاضافة الى توسع وتعمق القاعدة الانتاجية الزراعية والصناعية وإيجاد مناخ مشجع للاستثمار... وتحسن مستوى المعيشة للمواطنين وتوسع شبكة الأمان الاجتماعي وزيادة معدلات النمو الاقتصادي وبالتالي التطور الكبير للمتغيرات الاقتصادية الإجمالية على امتداد سنوات البناء والتنمية منذ عام 1970. فعلى الصعيد الاقتصادي، حققت الجمهورية العربية السورية خلال ربع القرن الأخير توسعù أفقيù ورأسيù في القاعدة الانتاجية لمختلف فروع الاقتصاد الوطني، الزراعية منها والصناعية، مع التركيز على الاستفادة من الموارد الطبيعية كالغاز والنفط والثروة المعدنية بأنواعها... الخ. وأصبحت الزراعة الركن الأهم في الاقتصاد الوطني وحققت نجاحا ملموسا على طريق تحقيق الأمن الغذائي الذاتي وخاصة في مجال الحبوب، فقد ازداد إنتاج القمح والشعير والبطاطا بنسب 493 في المئة و530 في المئة و461 في المئة على التوالي... وأعطي موضوع استصلاح الأراضي اهتماما خاصا حيث تم استصلاح 695 ألف هكتار، بالاضافة الى الاهتمام المتزايد بالتشجير، حيث تم تشجير حوالى 48 ألف هكتار سنويا. من جهة أخرى ازداد عدد السدود ليصبح 138 سدù، وزادت الطاقة التخزينية لهذه السدود من 343 مليون متر مكعب في عام 1970 الى 15787 مليون متر مكعب تروي مساحة تتجاوز 1187 ألف هكتار، ومن المتوقع أن يصل حجم التخزين في نهاية عام 1995 الى 16 مليار متر مكعب. وقد انعكس التطور الملحوظ في التنمية الزراعية في مساهمة القطاع الزراعي بنسبة 25$ من الانتاج الاجمالي حسب القطاعات بالأسعار الجارية. وفي الوقت الذي حقق فيه القطاع الزراعي نجاحا ملحوظا، فإن القطاع الصناعي شهد بدوره تطورا كبيرا وتمّ التركيز كأفضلية أولى على الصناعات التي تساهم في تطوير متطلبات القطاع الزراعي وكذلك الصناعات المحرضة للتنمية الاقتصادية كالصناعات الهندسية والكيميائية والمعدنية.. وقد حققت النهضة الصناعية خلال خمسة وعشرين عاما حوالى 60 مثلاً وبلغت أكثر من 183600 مليون ل.س. في أواخر عام 1994... كما لوحظ تطور الاعتمادات المخصصة للصناعات التحويلية في الموازنة العامة للدولة لتصل الى 10833 مليون ل.س. عام 1995 في حين تجاوزت الاعتمادات المخصصة للصناعات الاستخراجية 5099 مليون ل.س. في العام نفسه. مع الاشارة إلى أن مساهمة قطاع الصناعة والتعدين في الانتاج الاجمالي تجاوزت 28$ بالأسعار الجارية. كما تمّ تنظيم أعمال التجارة الخارجية والداخلية بما يخدم عملية التنمية الاقتصادية ويؤمن متطلباتها وحاجات الاستهلاك المحلي... وإيجاد أسواق عالمية مناسبة لتسويق المنتجات السورية... بما يساهم في تحقيق توازن أفضل في الميزان التجاري. ويشكل النفط الخام 59$ والغزل والنسيج 9$، الخضار والفواكه 9$ والقطن الخام 6$... أهم الصادرات الى الأسواق العالمية. وعلى امتداد مساحة الوطن تمّ التركيز على إيجاد قاعدة واسعة للبنى الأساسية التحتية لتشكل الدعامة الضرورية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة... وشملت هذه القاعدة الفروع الأساسية الخاصة بالنقل والمواصلات والكهرباء... بالاضافة إلى مشاريع الخدمات الصحية والسكنية والثقافية والسياحية مع إعطاء اهتمام خاص لمشاريع التربية والتعليم... وكذا الخدمات الاجتماعية... ونظرù لأهمية شبكة النقل والاتصالات في تأمين متطلبات التنمية فقد أقيمت شبكات طرق حديثة تربط المرافئ البحرية ومراكز الحدود البحرية بالمواقع الأساسية للانتاج والاستهلاك وتؤمن سهولة انتقال الأشخاص والبضائع من وإلى الأقطار المجاورة، ومن المفيد الاشارة الى أن طول شبكة الطرق الدولية الحديثة 850 كيلومترا من أصل مجموع شبكة الطرق الرئيسية البالغة أكثر من 6500 كم بالاضافة الى التطور الملحوظ في شبكة الخطوط الحديدية (2749 كلم). وفي إطار تأمين حاجات المواطنين وتحسين ظروف معيشتهم وتوفير متطلبات التنمية الزراعية والصناعية... فقد توسعت الشبكة الكهربائية لتغطي مساحة القطر وبلغت الطاقة الكهربائية المولدة أكثر من 16 مليار كيلوواط/ ساعة وباستطاعة أكثر من 4000 ميغاواط عام 1995. لقد أولت سوريا، بقيادة الرئيس حافظ الأسد، المسألة الاجتماعية ما تستحقه من اهتمام، واعتبرت رفع مستوى معيشة المواطن وتحقيق رفاهيته وسعادته الهدف الأهم لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية... وأوجدت الصيغ والأطر المنسجمة مع عمليات تفعيل وتنمية البرامج الاجتماعية وبما يتناسب والتطور العام في كل القطاعات الاقتصادية، وقد ساعد ذلك في تدعيم وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي وإيجاد مناخ إيجابي يحقق لأفراد القوى العاملة الحماية التي تضمن لهم الطمأنينة والاستقرار وفي إطار التوجهات العامة للسياسة الوطنية للحماية الاجتماعية وبتعاون إيجابي مع الجهات المعنية في المنظمات الشعبية والنقابات المهنية... وعملت سوريا على تنفيذ الأهداف العامة لسياسة الحماية الاجتماعية المشار إليها من خلال أنظمة التأمين الاجتماعي... واتخذت في هذا المجال تدابير واجراءات مهمة لتحسين ظروف عمل أفراد القوى العاملة وتحقيق الطمأنينة والاستقرار لهم في حاضرهم ومستقبلهم باعتبار أن القوى العاملة (أي الموارد البشرية) تشكل العنصر الأهم في عملية التنمية المستمرة، والتأمين الاجتماعي يعتبر من الناحية الواقعية الحاضنة الأساسية لتطلعات القوى العاملة في الحاضر والمستقبل... لأنه يحررهم من الخوف والقلق على مصيرهم ومصير أسرهم، بالاضافة الى تحقيق روابط اجتماعية أفضل بين طرفي الانتاج (أصحاب عمل وعمال) وبالتالي المساهمة في استقرار علاقات العمل، مع الاشارة الى دور التأمين الاجتماعي في تمتين لحمة النسيج الاجتماعي والمساهمة في رفع مستوى الصحة العامة... كما يحافظ على القوى العاملة الفنية المؤهلة ويضمن مستوى معيشة مناسبù لفاقدي القدرة على العمل بسبب حوادث وإصابات المهنة. وإن دراسة الأرقام المتزايدة لمساحة المظلة التأمينية تشير الى تزايد فرص العمل على كل الصعد، حيث تشير الاحصاءات إلى وجود أكثر من مليون ومئة ألف فرصة عمل تحققت في الجمهورية العربية السورية خلال ربع القرن الماضي في القطاعات الخاضعة لأحكام أنظمة التأمينات الاجتماعية فقط وذلك في القطاعين (العام والخاص) ومن جهة أخرى يلاحظ ازدياد النفقات التأمينية لنظام التأمينات الاجتماعية من حوالى 19 مليون ل.س. عام 1970 إلى 2492 مليون ل.س. في عام 1994. كما أن استمرارية التنمية المتوازنة في كل القطاعات أحدثت تطورا كبيرا في حجم الانفاق العام؛ ففي حين لم يتجاوز حجم الموازنة العامة للدولة 1287 مليون ل.س. عام 1970 فإن هذا الحجم تضاعف حوالى 125 مثلاً ليبلغ 162040 مليون ل.س. عام 1995، مع الاشارة إلى أن هذا الرقم الأخير لا يشمل موازنات القطاع العام الاقتصادي... بالاضافة إلى أن الاعتمادات المخصصة للمشاريع الاستثمارية تشكل حوالى 45$ من حجم الموازنة العامة للدولة في عام 1995. لقد أدى الاستقرار السياسي والاقتصادي في سوريا إلى إيجاد مناخ استثماري ملائم أثمر نتائج إيجابية وأعطى للقطاع الخاص مجالات واسعة للمشاركة في عملية التنمية وخاصة بعد صدور قانون تشجيع الاستثمار رقم 10 لعام 1991 الذي حفَّز رجال الأعمال والمستثمرين السوريين المقيمين والمغتربين، وكذلك العرب والأجانب، على المساهمة في الاستثمارات المجدية في جو إيجابي تتوفر فيه الصيغ التشريعية والاجراءات التنفيذية المناسبة لحركة رؤوس الأموال المستثمرة.. مع تقديم تسهيلات ضريبية من شأنها تطوير المناخ الايجابي الملائم للاستثمار... مما جعل من سوريا البلد الأفضل للاستثمارات الصناعية والزراعية والسياحية... وتعمقت الثقة بإمكانات وطاقات الوطن وفاعليات المجتمع. ولعل من المفيد الاشارة هنا إلى أن المشاريع الاستثمارية التي أحدثت تنفيذù لقانون تشجيع الاستثمار وتجاوزت تكلفتها الاستثمارية 282 مليار ل.س. منها أكثر من 194 مليار ل.س. بالعملات الصعبة وستتيح عشرات الآلاف من فرص العمل... وهكذا نجحت سوريا في إيجاد مناخ استثماري ملائم للقطاع العام وللقطاع الخاص والمشترك... ولا شك في أن قوة القطاع العام الاقتصادي ومتانته قد انعكست إيجابù على دور القطاع الخاص المنتج في الصناعة والزراعة والسياحة... حيث أدى ذلك إلى تكامل أنشطة القطاعات الانتاجية هذه لتعبئة كل الموارد والإمكانات في ظل التعددية الاقتصادية... مما ساهم في تحقيق هذه النجاحات المهمة في عملية البناء والتنمية وصولاً إلى درجات متقدمة في النمو المتوازن بين مختلف القطاعات... ولا شك في أن تشجيع عمليات الاستثمار في عمليات الزراعة والصناعة... وكل الخدمات المتعلقة بتطوير العملية الانتاجية... ساهم في تحقيق التوازن الهيكلي للاقتصاد الوطني على صعيد المصادر والاستخدامات بالاضافة إلى إيجاد تناسب أفضل بين الكتلة النقدية وكتلة السلع والخدمات المتاحة مما يؤمن أفضل استقرار ممكن للقوة الشرائية للنقد. ولعل أفضل ما يشير بوضوح إلى أهمية الانجازات المتحققة في ظل الحركة التصحيحية، ما توضحه المؤشرات الاقتصادية الاجمالية للحسابات القومية للاقتصاد الوطني بعد عام 1970. ففي حين لم يتجاوز الناتج المحلي الاجمالي 6800 مليون ل.س. عام 1970، فإن رقم هذا الناتج تزايد بمعدل 74$ مثلاً ليصل الى 502777 مليون ل.س. عام 1995، وجاء ذلك انعكاسù لزيادة عوامل الانتاج المتحققة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، كما نجم عن ذلك زيادة في تعبئة الموارد وفي معدل التكوين الرأسمالي حيث ارتفع هذا الأخير من 13$ الى 28$ بين عامي 1970 و1994، كما نشير إلى أن حجم التراكم الرأسمالي المتحقق خلال هذه الفترة بلغ 693 مليار ل.س. وهذا بالطبع كان محصلة لمساهمة مختلف الفعاليات الاقتصادية الوطنية في مسيرة التنمية. وفي العيد الفضي للحركة التصحيحية نرى أن الواجب والأمانة العلمية يتطلبان التذكير بمتانة وسلامة الاقتصاد العربي السوري على رغم بعض الصعوبات التي نشأت على هامش عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية... ولا يسعنا إلا أن نذكر بموضوعية واعتزاز بالنجاحات الكبيرة التي تحققت في مختلف فروع الاقتصاد الوطني...وان الاستقراء الواقعي وتحليل النتائج الرقمية يشيران بوضوح إلى أهمية هذه الانجازات سواء على صعيد تطوير قوى الانتاج أو زيادة معدلات التراكم الانتاجي كما أشرنا. ونرى أخيرù أن نجاح مسيرة التنمية المستمرة والمتوازنة منذ عام 1970 في سوريا العربية يعود أولاً لوضوح الرؤية والتوجيهات الحكيمة للسيد الرئيس حافظ الأسد... حيث اعتُبرت عملية التنمية حاجة وطنية ملحة ومهمة رئيسية تعتمد على الموارد الوطنية الطبيعية والبشرية... وتتطلب التنسيق بين الحكومة وأطراف الانتاج، أصحاب العمل والعمال ممثلين بتنظيمهم النقابي الاتحاد العام لنقابات العمال، في إطار تعزيز الحوار الاجتماعي الأمر الذي أدى في ظل التعددية الاقتصادية إلى خلق مناخ إيجابي يتعزز فيه دور الانسان وتمتزج فيه مساهمات الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية (القطاع العام، الخاص والمشترك)... لتدفع بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية قدمù الى الأمام... وتتسع شبكة الأمان الاجتماعي، وتتعمق الوحدة الوطنية، في مجتمع ينعم أفراده بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفي دولة كرّست سيادة القانون وحققت التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية المتوازنة، في ظل قائدها التاريخي السيد الرئيس حافظ الأسد، الذي استطاع من خلال اتساع أفقه، ومقدرته الفائقة على استيعاب معطيات العصر، أن يقف في ثبات أمام كل الضغوط والتحديات التي استهدفت أمتنا العربية على امتداد ربع قرن من الزمن الصعب، وأن يحفظ الأمانة القومية في سعيه لتحقيق السلام العادل والشامل.