قبل رحيلها، كتبت ناهد رشاد لأولادها ما يشبه الوصية. لكنها لم تكن تملك ثروة طائلة، ولم تطالب بنشر مذكراتها »الخطرة« مع الملك فاروق، بل اكتفت بتنبيههم: »بعد ان اصبحت سيرة الناس مباحة، ارجو الا يستفزكم كاتب او مؤلف، فيحاول احدكم الرد عليه. يا اولادي، في تلك اللحظة اصمتوا. نحن لسنا افضل من عائلة الملك فاروق. ان سيرة الناس مباحة للمرتزقة، فلا تردوا«. ويبدو ان فيلم »امرأة هزت عرش مصر« تنتمي الى هذه الفئة من الناس، باعتبار النقاشات التي اصابت مضمونه واظهرت تزويره للحقائق. بداية، لا بد من القول بان زوج ناهد رشاد، الدكتور يوسف، كان طبيباً خاصاً للملك. ويقال ان ثمة روايتين، تفيد الاولى بان الملك طلب من طبيبه احضار زوجته للتعرف اليها، مع اخته فوزية ووالدته. ولما التقتها الملكة نازلي، اقترحت على فاروق تعيين ناهد وصيفة في القصر. اما الثانية فرفضتها ناهد رشاد بقوة، وكانت اخبرت مديحة عزت الحكاية التالية: »دخلت القصر بتزكية من السلطانة ملك، لان امي الفت هانم عصمت كانت وصيفة لها. عام 1946، وأثناء مفاوضات طلاق الاميرة فوزية من امبراطور ايران، طلبت الملكة نازلي من السلطانة ملك وصيفة لفوزية، فرشحتني لأنني »تربية ملوكي«. ودخلت القصر، حيث لم اكن ابداً وصيفة للملكة فريدة او لنريمان من بعدها. صرت كبيرة الوصيفات، وكانت معي فاطمة هانم ابو العز، وعزيزة هانم زكي، وتاتو حرم كريم باشا ثابت. (...)«. كانت ناهد رشاد سيدة انيقة جداً وطويلة، ممشوقة القوام، وجميلة وان لم يكن جمالها من ذلك النوع الذي يدير الرؤوس. وهي تروي حكاية العشاء الذي اقامه ذات ليلة الملك فاروق لعشرة ملوك وملكات، من بينهم ملك وملكة اليونان، وملك اسبانيا وزوجته، وملك البانيا وعقيلته، الى الملك السعودي عبد العزيز، وآغا خان وزوجته وآخرين... »كنت انا في هذا العشاء ابدو كما لو انني سيدة القصر، لان الملك كان طلّق فريدة ولم يتزوج بعد، وكانت الملكة نازلي في اميركا«. في تلك الليلة، تساوت ناهد رشاد بالملكات. ويقال ان هذا الامر اشاع حكايات اخرى حول علاقة خاصة بينها وبين الملك. لكن رشاد تقول: »كان الملك يحب ناريمان، ويتعامل معها كطفلة، حتى انها كانت تغار من مجوهرات تاتو حرم كريم ثابت«. اضافة الى ذلك، كانت كبيرة الوصيفات تصف الملك بأنه انسان متواضع جداً، ومهذب جداً »على غير ما يقال عنه«. توطدت علاقة الملك بطبيبه الخاص د. يوسف رشاد وبزوجته ناهد. وكان الملك يعطف عليها. يقول امين فهيم، امين سر الملك، بان فاروق كان غالباً ما يتوجه الى شقة رشاد، وينام على الشرفة حتى الصباح، حين كان يشعر بالملل. ويضيف ان يوسف لم يترك منزله مرة واحدة، حين يكون الملك عنده. ولما أطلعته ناهد رشاد حول ما يتهامس به البعض عن علاقة الملك بها، أكد انه لم يلحظ ابداً من فاروق ما يدل على محاولة من جانبه لاستمالتها. الفيلم تقول المعلومات الواردة من القاهرة، ان »امرأة هزت عرش مصر« قدم ناهد رشاد بصورة تناقض هذه الوقائع. كما انه جعلها بطلة ثورة يوليو 1952. وجاء في كتاب د. لطيفة سالم مايلي: »شغلت ناهد رشاد (...) مكاناً لدى فاروق. التحقت بالقصر وصيفة شرف للاميرة فوزية ثم لنريمان، واختار لها مخدعاً قريباً منه (...) هام الملك بها، وكثرت زياراته لها. لعبت هذه السيدة دوراً كبيراً في حياته، وراودها الامل في ان تكون ملكة مصر. رافقته في الداخل والخارج، ورغم علمه بنوعية العلاقة التي ربطتها بالضابط مصطفى صدقي، وتمنعها عنه، الا انه ظل يخطب ودها، ويقضي اكثر الليالي بمنزلها، ما كان يعرضه للاخطار«. وتشير »الكواكب«، بعد اقتباسها هذا النص، الى التحقيق الذي نشرته »روز اليوسف«، ونفت فيه ناهد رشاد، عبر مقرّبين منها عرفوها حتى وفاتها، كل ما قيل حول علاقة مشبوهة مثل هذه. من جهتها، قالت الممثلة شريفة ماهر التي لعبت ادواراً في عدد من افلام فطين عبد الوهاب، مثل »كرامة زوجتي« مع شادية و»الفانوس السحري« مع اسماعيل ياسين و»المدير الفني« مع فريد شوقي، الى وقوفها ازاء فاتن حمامة في »ارحم دموعي« ومحمود المليجي في »المتهم« وغيرها ان ناهد رشاد »كانت بعيدة تماماً عن هذه الصورة التي ظهرت في الفيلم، كانت سيدة وقورة جداً وذكية جداً، وعلى قدر عال من الاحترام والثقافة. لم تكن ابداً تلبس ملابس مكشوفة او مبتذلة، ولم تكن تدخن او تشرب الكحول. كانت تحب زوجها جداً، وكان يحبها كانت فاتنة فعلاً. انيقة شديدة الجاذبية، ومن اصول تركية كانت امها اصلاً كبيرة الوصيفات في القصر الملكي. اما حكاية طلاقها من زوجها، كما قدمها الفيلم، فليست حقيقية. كانت تحب بيتها واولادها. وظلت على ذمة زوجها حتى وفاته. لذلك، فان الصورة التي ظهرت في الفيلم، مشوهة جداً. عرفت ناهد رشاد، وكانت صديقتي. هي التي طلبت مني، عندما كنت حامل بابنتي الاولى، ان اسميها ناهد (...) صحيح انني لم اتعرف اليها ايام الملكية، لكني عرفتها بعد الثورة. كنت مقربة منها جداً. وكثيراً ما حكت لي عن حياتها في القصور الملكية«. تضيف شريفة ماهر »اخبرتني ناهد رشاد عن الملك، ولم يكن بالصورة المفزعة التي يرسمونها له. صحيح انه كانت له علاقاته ونزواته، وحتى سقطاته، الا انه كان ملكاً في النهاية وابن ملك، وتربى تربية عالية (...) قالت لي ان علاقتها بالملك كانت علاقة احترام، وان زوجها يوسف رشاد كان على علم بكل ما يدور داخل هذه العلاقة. حرام تشويه سمعة سيدة بهذا القدر. يجب التأكد من دقة الاحداث، لا الاعتماد على مجرد كلام كتب، فهو كان في معظمه هجوماً على الملك اصابها هي ايضاً«. اياً يكن، فان النقاش لا يزال مفتوحاً. والسؤال عن حقيقة الواقع، لا يتوقف عند بعض التحقيقات والافلام. فهو بحاجة الى ابحاث علمية مجردة قبل الوصول الى لب الحكاية الاصلية. اعداد: ن.ج.