فوج اطفاء بيروت يضم 170 عنصرا، قدم خلال السنوات الماضية ما يزيد عن 20 شهيدا قضوا اثناء آداء الواجب، ومعظم عناصر هذا الفوج يعمل منذ 25 عاما، وقد تجاوز العقد الخامس من عمره، وهو مطالب بان يقوم باطفاء 70 حريقا شهريا... مأساة هذا الفوج ليست المعدات العتيقة التي يستخدمها فحسب، بل انه ضائع بين السلكين العسكري والمدني، وهو بالتالي يفقد الامتيازات في الناحيتين. منذ حوالى ربع قرن، يمارسون مهنة محفوفة بالمخاطر الى حد الموت! استشهد منهم اكثر من 20 عنصرا خلال تأدية عملهم في فترة الحرب، فيما يضع الباقون ارواحهم على »كف عفريت« في كل مهمة يقومون بها لاخماد حريق او لتنفيذ عملية انقاذ برù او بحرù او من جراء الكوارث الطبيعية. 170 عنصرا من فوج اطفاء بيروت معظمهم في عقد الخمسينيات، ما زالوا يواصلون الطريق محيلين الضعف الى قوة، في ظل النقص الفادح في الآلات والمعدات وفي ظل محدودية عددهم قياسا الى عدد الحرائق الذي يقدر شهريا بحوالى 70 حريقا، وعلى الرغم من عدم انصافهم في الرواتب وفي مسائل الترقية والتعويضات. وذلك بذريعة فقدان هذا السلك هويته، التي لم تصنف بعد مدنية ام عسكرية، الذريعة التي تحولت الى »قميص عثمان« تعلق عليه كل اسباب الاجحاف والتقصير في حق هؤلاء، في الوقت الذي يعتبر فيه امر حسم الهوية من ابسط الحقوق والمسلمات البديهية!. أما اسباب اقتصار هذا السلك على كبار السن من الموظفين، فيعود الى توقف عمليات التوظيف منذ عام 1972. إلا ان »تطعيمه« بدم جديد امر بات وشيك الحصول ضمن خطة العمل التي قدمها قائد الفوج الرائد غسان بلعة الى محافظ بيروت، نايف المعلوف، والذي رفعها بدوره مؤخرù الى ممثل سلطة الوصاية وزير الشؤون البلدية والقروية هاغوب دمرجيان، وتتركز الخطة في مراحلها الثلاث على تحسين الاوضاع الاجتماعية للموظفين، وتأهيل جهاز الاطفاء، بمعدات حديثة، لا سيما وان آخر آلية، كان قد استحصل عليها الجهاز في عام 1983، وهي من الطراز القديم. والرائد بلعة الذي عُين حديثا قائدù للفوج بعد شغور هذا المركز منذ اوائل التسعينيات، قام بانجازات عدة على طريق حلحلة اوضاع الجهاز على اكثر من صعيد، واهمها دمج العناصر من مختلف الطوائف في المراكز الثلاثة (الباشورة الملعب البلدي ومار مخايل) لالغاء الحواجز النفسية بين العناصر، وتشكيل مجلس قيادة للبحث في القضايا المعيشية والمعنوية المحقة. الراتب والتعويضات لا تتعدى قيمة الراتب الاساسي لرجال الاطفاء بعد حوالى ربع قرن من الخدمة مبلغ 470 ألف ليرة، واذا كانوا يتمتعون بالتأمين الطبي بنسبة مائة في المائة، وافراد اسرهم بنسبة 75 في المائة، الا ان المفارقة تكمن في عدم استيفاء هذا الحق من بلدية بيروت الا بعد مضي شهور طويلة بسبب الروتين الاداري فيها، الامر الذي دفع غالبا الى اليأس وبالتالي التنازل عن هذا الحق. يعمل رجل الاطفاء 24 ساعة مقابل 48 ساعة يبقى خلالها مستنفرا لحالات الطوارئ، وعلى هذا الاساس شكلت السلطة الادارية في محافظة بيروت منذ حوالى اربع سنوات، لجنة لدرس ساعات العمل الاضافية التي تستحق لرجل الاطفاء، فحددت نسبة تعويضه الاضافي على الراتب الاساسي ب93 في المائة، باعتبار انه يعمل 290 ساعة شهريا في حين ان الموظف العادي يعمل 150 ساعة فقط، الا ان المجلس البلدي لمدينة بيروت عاد فحدد نسبة التعويض لرجل الاطفاء ب75 في المائة التزاما بسقف التعويضات الرسمي، ولدى منح موظفي الدولة »تعويض تحسين اوضاع الموظفين« بنسبة 50 في المائة (حسب الفئة)، حُرم رجال الاطفاء والاسعاف والحرس منه كليا بحجة ان هذه الاسلاك الثلاثة تتقاضى سقف التعويض العام. أما بالنسبة الى التعويض الذي يُمنح على تعويض الصرف من الخدمة، والذي تتراوح نسبته بين 40 و60 في المائة تبعا لفئة الموظف، فلم يبت بشأنه حتى اليوم بالنسبة الى رجال الاطفاء الذين صُرفوا او على طريق الصرف من الخدمة، على الرغم من الوعود التي اطلقت في هذا المجال، وذلك بحجة عدم تحديد هوية جهاز الاطفاء. وهذه الحجة ارخت بظلالها على جوانب عدة في حياة هذا الجهاز، اذ اصدر مجلس الخدمة المدنية كتابا رقم 4208 تاريخ 13 كانون الاول 1994، يعلن فيه رفضه النظر في المعاملات الادارية الخاصة بجهاز الاطفاء، سواء تلك المتعلقة بالتعيين او بالصرف من الخدمة او حتى تحسين الرواتب، على »اعتبار ان هذه الوظائف ترعاها انظمة شبه عسكرية في البلديات، مما يجعلها خارجة عن صلاحيات مجلس الخدمة المدنية«، كما ان المجلس البلدي اكد على هذا الموقف بموجب قراره الذي حمل الرقم 69/95. وفي اوائل آب عام 1995 عُرض هذا القرار على الوزير دمرجيان، فلم يصدقه بل اعاده الى المجلس البلدي لاعادة دراسته... وحتى اليوم لم تتم الدراسة ولم يُصدَّق القرار!. كما ان »مفاعيل« عدم تحديد هوية جهاز الاطفاء، تتعدى ذلك لتصل حدود الترقية، ذلك ان غالبية العناصر ما زالت بعد 25 سنة من الخدمة في رتبة رقيب اول، فيما وصل معظم نظرائهم في قوى الأمن الداخلي والجيش الى رتبة ضابط، كما ان هذا التأرجح بين »المدني والعسكري« ينعكس ضياعا لدى العناصر حول مدى امكانية انطباق او عدم انطباق مشروع سلسلة الرتب والرواتب الحالي، على اوضاعهم المهنية والاجتماعية. شكاوى... ومطالب تنادوا جميعا لنقل همومهم، واخذهم الحماس لدى معرفتهم بأن ثمة من جاء لايصال الصوت: »الرواتب زهيدة والتعويضات مجحفة وظروف العمل قاسية«. هذه هي الرسالة المشتركة التي ارسلوها »علّ المسؤولين يلتفون إلينا!«... بدا واضحا ان الانهاك قد تسرب بدرجة كبيرة الى اجسادهم، ليس بفعل العمر فحسب، وانما بسبب الاصابات التي تعرضوا لها خلال سنوات خدمتهم، والتي اتخذت عند بعضهم اشكال العاهات المستديمة، ولكنهم على الرغم من ذلك يحاولون »العض على الجرح«، والاستقواء على مواطن الضعف الجسدية، من خلال خضوعهم لتدريبات رياضية من حين لآخر، لاستعادة اللياقة البدنية، الا ان ثمة شيئا بالنسبة اليهم يبقى خارج حدود ارادتهم وقدرتهم على التجاوز او التغيير، انه الغبن المادي والمعنوي الذي يعيشون... »السفير« استطلعت احوال البعض وكانت الانطباعات التالية: وجيه فقيه (رقيب اول) عمره 50 سنة، ويتقاضى بعد 24 سنة من الخدمة 470 ألف ليرة شهريا، اضافة الى بعض التعويضات، وهو متزوج ولديه خمسة اولاد، تبلغ قيمة الاقساط الاجمالية لثلاثة منهم في »مدرسة الحريري الثانية في بيروت« خمسة ملايين ليرة، عدا عن كلفة الكتب والمستلزمات الاخرى. نسأل فقيه عن كيفية تأمين هذه المبالغ في ظل راتب بسيط، فلا يخفي سرا بأنه يقوم بعمل آخر يؤمن له مردودù اضافيا، »مع ان هذا ممنوع ولكنني مضطر في غياب اية مساعدة خارجية«. وحول المشكلات التي يعانيها الجهاز يشير فقيه الى قلة العناصر التي تستدعي تكثيف المهمات بالنسبة الينا، اضافة الى النقص في العدة، ويلفت النظر الى قدرة الرجل الخمسيني على العمل هي محدودة مقارنة مع القدرات الشابة »لذا نحتاج الى شباب نعلمهم المصلحة ونسلمهم الامانة«. وفقيه الذي تعرض لحادث فقدان السمع اثناء القيام بمهمة في اخماد حريق خلال الحرب، كان قد سافر للعلاج الى سويسرا على نفقته الخاصة، ويجيب على استفهامنا حول الامر بأنه كان قد اضطر الى بيع منزله في الجبل، باعتبار ان البلدية ليست مسؤولة عن تسديد نفقات العلاج إلا داخل لبنان... وسرعان ما يثير هذا الكلام استهزاء صاحبه بسبب مماطلة البلدية حتى عن ممارسة هذا الدور »حيث اضطرتني ذات مرة الى الانتظار مدة تسعة اشهر«. وينتقد فقيه توقف البلدية منذ تسع سنوات عن مد العناصر بالالبسة والبدلات الخاصة بالعمل، علما ان ذلك هو من ضمن واجبها السنوي، مما يضطر العناصر الى شرائها على حسابهم الخاص. وتكر سبحة الشكاوى لتطال موضوع الترقية: »ان اصدقاء لي في قوى الأمن الداخلي والجيش والأمن العام اصبحوا برتبة »مؤهل اول« ومنهم من تعداها الى رتبة ضابط، علما بان عدد سنوات خدمتنا واحد«. كنا بعنا أولادنا حسين سعد (رقيب اول) عمره 46 عاما، متزوج ولديه 4 بنات، توازي قيمة الأقساط المدرسية لثلاث منهنَّ حوالى المليونين و15 ألف ليرة بين مدرستين خاصة ورسمية، اما راتبه فيبلغ 470 الف اضافة الى بعض التعويضات، وهو يستعين »على الدهر« بمساعدات مالية يقدمها له اخوته من حين الى آخر. والمصلحة بالنسبة الى سعد تنطوي على كثير من المآسي، ابرزها استشهاد زملاء له اثناء اخماد حريق ايام الحرب في منطقة الظريف من جراء قذيفة سقطت بغتة امامهم، ولا يعزو سعد اسباب تراجع القدرة البدنية الى السن فقط، وانما الى ظروف الحرب التي ارهقت اعصابنا وقدراتنا، والى ظروف العمل القاسية والتي افقدت زميلا لي بصره، فيما سببت لآخر بتر رجله. وفيما ينتقد سعد وضعه المادي، يقاطعه زميله انطوان حاج قائلا بشيء من السخرية:، »اذا اردت واولادي الاربعة ان نتروق ونتغدى ونتعشى منقوشة وقنينة بيبسي، منطلع نحنا والمعاش خالصين.. بدون حكمة وبدون تعليم«! ويعقب بمزيد من الاستهزاء: »مع ذلك يطالبوننا بانجاز المهام المستعصية«.. يسكت ثم يندفع قائلا: »ايه والله العظيم لو لم يكن لدينا عمل آخر لكنا بعنا أولادنا«. والالتزام بعمل آخر كان ضروريا بالنسبة الى حاج لتأمين الاقساط الهائلة التي تبلغ اربعة ملايين و950 الف ليرة لثلاثة اولاد في مدرسة اللويزة، فيما تصل الى اربعة آلاف دولار في جامعة اللويزة. »الباريم« التركي ويستغرق حاج في الضحك قبل ان يقول بأن »الاطفائية ما زالت تمشي على »الباريم« التركي، حيث ان البلدية لا تعترف بأن بدل فحص الطبيب قد وصل الى 50 او 75 دولارا، محددة بدلا زهيدا ضمن جدول ثابت لديها، ولا تسلمه الى صاحبه الا بعد مرور تسعة اشهر«. ويثير حاج مشكلة من نوع آخر تتمثل بوقوف العناصر على ابواب الثكنات »كحرس خفارة« لمدة تتراوح بين ثلاث واربع ساعات يوميا: »ان هذا العمل لا يناسبنا لأننا لم نعد انفارا مبتدئين، اضافة الى اننا كبار في السن، ولدى معظمنا عاهات او اصابات... فأنا مثلا تعرضت لثلاث اصابات ما زالت تسبب لي آلاما من وقت الى آخر«. ويعرب حاج عن تفاؤله بمستقبل الجهاز باعتبار ان القائد الجديد هو رجل عسكري وكفؤ، مشيرا الى ان مقاييس التعيين كانت تعتمد في الماضي على الاجساد الرياضية دون النظر الى الناحية الثقافية، مما ادى من وجهة نظره الى ايصال فوج الاطفاء الى ما هو عليه اليوم عبر أناس غير أكفاء.. وأثار هذا الكلام حماس الحاضرين تجاه القائد الجديد فاندفع فقيه قائلا »الأمانة معلقة عليه.. ان مسؤوليته كبيرة«، فيما استرسل سعد في تعداد انجازاته ليستخلص »بأنه زرع المحبة في قلوب الشباب على اختلاف طوائفهم«. اما عباس الحاج محمد (ملازم اول) وعمره 55 سنة، فبدا اكثر سخطا وتذمرا من اوضاع عناصر الاطفاء التي رصدها على مدى 30 سنة من الخدمة ليستخلص بأنها »اوضاع مذلة«. وينبري في شرح مكامن الذل قائلا: »الاطفائي محروم من بعض حقوقه المعيشية، فيما يعادل راتبه في البلدان الراقية ضعفي ما تنتجه مهنة الطب.. على اساس ان راتب الانسان يقاس بمدى عطائه والاطفائي في هذا المجال يعرض حياته للخطر ويضحي حتى الشهادة« ويستشهد بالشاعر وقد اخذه الحماس: »والجود بالنفس أقصى غاية الجود«.. ولا يتوقف حديث الحاج محمد عند حدود نكأ الجراح والشكوى، وانما يتعداه الى المطالبة بتجديد هوية سلك الاطفاء لتنجلي في ضوئه الالتباسات في قوانين التعويضات والصرف من الخدمة.. مشددا على ضرورة الاسراع في دراسة قرار 69/95 »ليتسنى لنا تحديد مصيرنا«، وهذا الالمام بالناحية القانونية لا يعود لكون الحاج محمد قديما جدا في المهنة، وانما لمستواه الاكاديمي الذي يعادل شهادة الفلسفة ولاطلاعه الدائم.. وهذا المستوى مقارنة مع الزملاء قليل ما يفرح قلب صاحبه، بل انه يزيد لديه من حدة الشعور بالغبن في ظل راتب يتقاضاه لا يتعدى 580 الف ليرة. لذلك كان لا بد من الاستعانة بالاقرباء الميسورين لتأمين التعليم والطبابة لاولاده الاربعة، وخصوصا بعد التنازل عن المساعدات المرضية بسبب تأخر البلدية عن تقديمها بشكل وصفه بأنه ممل ومميت ومضجر في آن«. شروط التعيين يعمل الى جانب فوج اطفاء بيروت، مركز اطفاء صيدا، ومركز الدفاع المدني على تغطية بقية المناطق اللبنانية، وسيصار قريبا الى تعزيز فوج اطفاء بيروت بعناصر شابة لتغطية جميع المناطق فيها دون استثناء: »ان ثمة ضرورة لاعادة النظر في القرار الحكومي المانع للتوظيف ضمن سياسة عصر النفقات، من وحي الحاجة الاستثنائية لجهاز الاطفاء الى حوالى 500 عنصر جديد.. سنعمل على تعيينهم على دفعتين« هذا ما اكده الرائد غسان بلعة الذي حدد شروط التعيين بأن يتراوح عمر المرشح بين 18 و27 سنة، وبألا يقل مستواه الاكاديمي عن شهادة البريفيه، وبأن يناهز طوله مترا و70 سنتم... ولدى سؤالنا عما اذا كان سيتم الاستغناء عن العناصر القديمة بعد ان ادت واجبها، يسارع الى القول: لا غنى لنا عنهم، فالخبرة ضرورية جدا، لافتا النظر الى ان سن الصرف من الخدمة تتراوح حسب الرتب بين 58 و64 عاما. ويضيف: »لقد دخلوا الى فوج الاطفاء ايام عزه، ولا بد لهم ان يشهدوا عودة هذا العز«. خطة عمل اما خطة العمل التي انجز منها الرائد بلعة مرحلتها الاولى من خلال استنهاض العناصر ونفض الغبار عن طاقاتهم واستثمارها على مدى 15 يوما اواخر ايلول الماضي، فانها في طريقها الى التطبيق في مرحلتها الثانية القائمة على اعادة تأهيل 15 آلية اطفاء قدىمة، وتأمين بعض الخراطيم والسوائل الرغوية وبعض الاحتياجات الخاصة بالعناصر، اضافة الى تدريب العناصر بما يمكنهم من استخدام الآليات الجديدة، ومن شأن هذه المرحلة تأمين ثلاث فصائل اطفاء لتغطية مدينة بيروت بكاملها، ولا تتعدى كلفتها الاجمالية 50 الف دولار اميركي. اما المرحلة الثالثة من الخطة، فقد وضع برنامجها وحددت تكاليفها، وتتضمن شراء آليات جديدة (بمعدل 20 آلية) وتحسين الاوضاع الاجتماعية للموظفين وتعيين عناصر جديدة ويرى الرائد بلعة بأنه اذا تأمنت الاموال اللازمة لهذه الخطة فنستطيع القول خلال ستة اشهر بأن لدينا فوج اطفاء مجهزا وحديثا«! تحقيق: فاتن قبيسي