As Safir Logo
المصدر:

حوار.شكري عياد داعيا ألى أنشاء مجلة ثقافية مستقلة:المجلات المصرية الراهنة أشبه بأدارات حكومية(صورة)

المؤلف: عبد الفتاح وائل التاريخ: 1995-10-28 رقم العدد:7223

شكري عياد ينتمي الى جيل الاربعينات في الثقافة المصرية، وتولى رئاسة تحرير غير مجلة ثقافية، وشارك بالتدريس في الجامعة، كما ساهم بكتاباته في اضاءة جوانب مهمة حول علاقة الادب بفروع الثقافة الاخرى فيما اسماه »النظرة الحضارية للادب« وهو يشعر ان »النشر المستقل« احد هواجسه حيث انشأ قبل خمس سنوات دار نشر تحت اسم »اصدقاء الكتاب« حاول من خلالها فتح الباب امام اسماء لا ترحب بهم الدور الرسمية. وتأتي دعوة عياد في ظل لحظة مصيرية سواء في الثقافة المصرية، او في خريطة المجلات الثقافية على وجه خاص. خريطة المجلات الثقافية في مصر تتغير الآن بعد انحسار مجلات مثل »اليسار« التي وجهت الى القراء رسالة وداع في عددها الاخير بعد ان كانت قد وجهت نداءات متكررة طلباً للتبرع من المثقفين والقراء لكي تستطيع الخروج من ازمتها المالية، لكن »اليسار« التي يقف وراءها اكثر من حزب سياسي معلن وغير معلن لم تستطع الاستمرار. في الوقت نفسه تعاني المجلات الثقافية التي تصدرها وزارة الثقافة المصرية »ابداع«، »القاهرة«، »فصول« وغيرها ضغوطات على اكثر من مستوى، ربما اهمها ما هو على خطها الثقافي سواء من قبل الخطاب الاصولي الذي اتهم المجلات بانها »اباحية« و»ملحدة« وهو ما رفع درجة الحساسية عند المسؤولين عليها واتسعت مساحات تدخلهم حفاظاً على »سمعة« الدولة الدينية. وتأتي بعد ذلك ضغوطات اقتصادية حيث ترى المؤسسة الرسمية ان هذه المجلات »تخسر«، ويأتي هذا الاعلان بعد شوط كبير من اداء المجلات لدور في مواجهة تيار العنف الاصولي، وعدم حاجة الدولة »فعلياً« الى دورها في اللحظة الراهنة (بل ربما تريد ان تتخلص منها الآن). مستقلون على هامش هذا المشهد تتناثر بعض المجلات التي يقوم عليها مثقفون مستقلون مثل »الكتابة الاخرى« و»الجواد« و»ايقاعات« و»الاربعائيون«، بعض هذه المطبوعات توقف، اما لاسباب مالية او لغياب القائمين عليها خارج مصر، والبعض الآخر مستمر لكن تبقى عليه تحفظات انه لا يمثل الا فكر القائمين عليه بعكس ظاهرة مجلات »الماستر« في السبعينات، والتي كانت في تنوعها تعبر عن تيارات الثقافة المصرية في مواجهة الرؤية الرسمية. اما الثقافة المصرية فهي لا تحتاج الى الاستقلال حاجتها اليه الآن.. والمثقف الجديد يبحث عن نفق يكون به افقه ورؤيته بعيداً عن (السقف) الذي تسمح به الدولة لكي يعبر عنها، والذي يرتفع وينخفض تبعاً لحسابات لا حول له فيها. هل تكون »النداء« وهو الاسم الذي اختاره الاعضاء المساهمون فيها (وصل عددهم الآن الى 119 عضواً) للمجلة علامة هذا المثقف المستقل..؟! وهل اتت كمشروع يعتمد على قوة المثقفين المعنوية والمادية (قيمة السهم 500 جنيه) في اللحظة المناسبة، خصوصاً ان الدكتور عياد في مشروعه يحرص على الا تسقط المجلة في فخ التمويل الموجه (السهم لا تزيد قيمته للعضو على المبلغ المدلف عنه..). ومن »اللحظة المناسبة« بدأ حوار »السفير« مع الدكتور شكري عياد: انا ارى ان كل الاوقات مناسبة.. هذا هو الوضع الطبيعي، من شأن الصحافة ان تكون مستقلة، »الصحافة القومية« بدأت بقوانين تأميم الصحافة، الذي ارتبط بلحظة ساد فيها الفكر الواحد، والتوجه الواحد، على كل شؤون الدولة، وأولها الفكرة والدعاية.. كان التأميم هو الاجراء غير الطبيعي، بالنسبة الى الظروف العادية، ربما كان في لحظته ما يبرره. لكن لا بد من ان تعود الامور الى طبيعتها، هذا لا يمنع من وجود صحافة تمثل الحكومة والاحزاب، لكن قلب الصحافة هي الصحافة الحرة المستقلة. { ولماذا مجلة ثقافية؟ مجلة ثقافية ليست سياسية لسبب بسيط هو ان مشكلات السياسة لا تفهم الا في سياق خلفياتها التاريخية، وواجبنا ان نفهم كيف يسير العالم الآن، وكيف يتغير المجتمع المصري في صورته العميقة. .. نهتم اساساً بما وراء السياسة، وليس بالتفاصيل اليومية للسياسة، والتي تنجح وسائل الاعلام المتطورة في تغطيتها بتفوق. .. هي مجلة ثقافية ايضاً، لاننا مع فكرة وحدة الثقافة: ادب فن تاريخ اقتصاد تعليم... وغيرها. { هل تنحازون الى مفهوم الثقافة على انها رؤية كلية وليست مجرد جهد ذهني..؟! من الصعب تعريف الثقافة، لكنني اتوقف عند تعريفها بكل ما يصنعه الانسان في بيئته.. هي محاولة لتحسين الحياة بشكل عام. { نفهم من سياق حديثك بان خط المجلة سيحاول الابتعاد عن الاشتباك مع الواقع..؟! كيف وانا احدثك عن محاولة تحسين علاقة الانسان ببيئته..!! لكن ارجو ان تتجنب المجلة المشاكسات والمنازعات الفرعية، وتلتفت الى الامور الجوهرية. الدوافع { امن دوافع دعوتكم البحث عن طريق لاستقلال المثقف عن الدولة..؟! بلا شك انه ليس من شأن المثقف الامثل ان يكون موظفاً في الدولة، او موظفاً للدولة.. هذا المثقف هو انسان، اخلاصه للفكر، وولاؤه للمجتمع والجماعة وللثقافة التي يمثلها بوجه عام، وليس بالضرورة للحكم، دعني اقول الحكم بدلاً من الدولة لان الثقافة تعطي اهمية كبيرة جداً للدولة (المؤسسة الكبرى للمجتمع)، لكنها كسلطة ينبغي ان يظل المثقف مستقلاً عنها. { كان من الاوضاع المثيرة للدهشة الحاح المثقفين على اصدار الدولة لمجلات مثل »الكاتب« و»الطليعة«، لكي يهاجموا فيها الدولة نفسها..! (يضحك عالياً..) هذا وضع غريب حقاً (!!) لكننا لا ننوي ان نستقل او ننفصل عن الدولة، بل سندعوها الى ان تدعمنا وهذا من حقنا بما اننا جميعاً دافعو الضرائب وننتمي الى هذه الدولة، التي من حقنا ان نطالبها بان لا تنعزل عن نشاط المثقفين، ونطالبها ايضاً بدعم هذا النشاط. لا يصل الامر بالطبع الى ان نطالب الدولة بانشاء مجلة لكي نقول فيها كلاماً قد لا يعجبها.. او لا يفيدها.. { هل دفعكم الى اصدار مجلة مستقلة، احساس بضيق المنابر الموجودة الآن..؟ .. احساس بان هذه المنابر اصبحت اشبه بادارات حكومية، والفكر لا يدار بطريقة المكاتب الحكومية. { وكيف ترونها في اطار مشاريع اخرى للثقافة المستقلة..؟ نتمنى بالطبع ان نكون فاتحة لجهود اخرى مشابهة.. ولن يضايقنا مطلقاً صدور مجلة اخرى، بل على العكس سنشعر بإلفة وائتناس وزمالة طريق.. { قصدت الاشارة الى تجربة مثل مجلات »الماستر« في السبعينات وهي التجربة الاكثر تعبيراً عن التمرد على الرؤى السياسية والثقافية للاجهزة الرسمية.. نحن نختلف عنها، ربما بحكم السن، اغلب مؤسسي المجلة في العمر المتوسط، تجربة، ونوع من الهدوء، ونحن لا نعبر عن ثورة او تمرد، وهذه المجلات كانت تعبر عن حالة من الاحباط واليأس، وهو اول ما نريد ان نقاومه او نزيله، وان نسترد الثقة بأنفسنا، لان ما ذكرته عن التمرد لا يمثل بالنسبة الينا الا سمة فرعية ناشئة من حالة الاحباط العام واليأس، ونحن نرى ان هذه نظرة ضعيفة، خائفة يجب ان نزيلها. { كيف..؟! هذه المجلة تتجه اولاً الى الشباب، وحلمنا الاقصى ان تكون مقروءة بين ايدي طلاب المدارس الثانوية. الذين يجب ان يروا الحياة متفتحة عن طريق المعرفة بالعالم اولاً، وبنفسه ثانياً، وبكيفية السلوك في هذا العالم. هذا هو المناخ النفسي الذي نريد ان يسيطر على المجلة، وليس مناخ السخط والتمرد.. وهي مشاعر سلبية. ونحن نريد ان نكون ايجابيين.. ومجتمعنا فعالاً ومؤثراً.. وفاهماً. { هل ستحاول المجلة تكريس تيار ثقافي ما؟ المجلة ستكون مفتوحة امام كل الاتجاهات، ولن تمثل تياراً، لانها اذا بدأت بتمثيلها لتيار، لكانت هزمت نفسها منذ البداية.. يجب ان نتفاهم ونستعد لتقبل رؤية الآخرين، وأساساً ان نعترف باننا لا نمتلك الحقيقة. { كيف ستختار مواد المجلة..؟ في ضوء ما قلته لك. { من الذي سيختارها..؟ مجموعة تسمى (مجلس التحرير). المغامرة { ومن سيختار مجلس التحرير؟!.. هل ستدار الاوضاع الداخلية في المجلة بطريقة ديموقراطية؟ مجلس الادارة الذي سيختاره الاعضاء في حالة اكتمالهم (200 عضو) هناك مكتب تأسيسي ينظم العمل الجاري الآن، ويعد الاعداد التجريبية التي ستصدر خلال شهر تشرين الثاني القادم، هذا المكتب يضم اسماء مثل الدكتور عبد المنعم تليمة، الدكتور احمد مستجير، الكاتبة اعتدال عثمان، الدكتور حامد عمار (استاذ التربية) وغيرهم. { كيف ستتعاملون مع (العامل الاقتصادي) الذي يسبب غالباً، فشل المشاريع المستقلة؟! كل شيء محسوب. . وهناك تقارير معدة عن كافة التفاصيل، لكن بالطبع لا بد من المغامرة. وتعرف ان جانباً من تمويل اي صحيفة هو الاعلان، وسنبحث عن انواع من الاعلان لا تتناقض مع توجه المجلة.. لن نقبل اعلانات سجائر مثلاً. { تتحدثون عن احلام ومغامرة.. كيف ستديرون علاقتكم بالصعوبات التي تنشأ عن استقلال مشروع ثقافي في دولة مثل مصر.. هل تضعون امامكم هدفاً للمجلة؟! هدفها ان يكون الثقف مثقفاً، والثقافة بالنسبة اليه ضرورية حياة، وان يكون عارفاً بكل ما يجري حوله. ولن يتمكن المثقف من اختيار طريقه، ان لم يكن على قدر من السيطرة على ذاته.. ولن يكون قادراً على اختيار طريقه ما دام يترك نفسه لشد وجذب الآخرين.. نحن نسعى الى تكوين المثقف القادر على الاختيار، لن نختار له، بل سنضع الحقائق والافكار بين يديه، وسنحاول ان نتركه حراً في اختيار الفكرة التي يريد ويطمئن اليها. وبناء على هذه القدرة على الاختيار يمكنه ان يكون فرداً فعالاً.. هذا املنا العزيز، وهو ايضاً امل امة تريد ان يكون افرادها فعالين.. ونحاول نحن ان نفعل هذا عن طريق الثقافة.. { عادة ما يحدث في هذه الحالات نوع من الاستقطاب السياسي.. او الثقافي؟! لا يمكن رسم اي شيء مسبقاً، كل عمل هو عبارة عن عمل ومردود، والمردود يؤثر في العمل من جديد وهذا ما يسمى في الميكانيكا »حفيدباك« او »التغذية الراجعة«، اي ان الآلة تحرك شيئاً.. ثم يأتي الشيء ومن حركته يحرك الآلة نفسها. هذه عملية مهمة جداً في تسيير اي عمل. هناك فرق بين وضع البيانات والافكار بين يدي القارئ وبين محاولة التأثير فيه كما يفعل الخطباء او الدعاة.. ونحن لن نلجأ الى اسلوب الدعاية.. { نفهم من هذا انه ستكون هناك رقابة من نوع ما؟ لا هذا يتنافى مع الرقابة، هي اساساً ليست مجلة شكري عياد، اي توجه يؤخذ بناء على نقاش، ومعبراً عن وجهة نظر المجموعة الموجودة. وعلى اوسع نقاط. وهي لن تكون رقابة اكثر من كونها محاولة نقد لكي تصحح المجموعة نفسها ويتضح لها الطريق.. نقد على طريقة النقد الذاتي الذي يصدح به الانسان. حاوره: وائل عبد الفتاح (القاهرة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة