As Safir Logo
المصدر:

رسالة روما.دبلوماسية فاتيكانية نشطة لرفع الحصار عن كوبا البابا قد يزور هافانا في شباط لتتويج خطوات التطبيع

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1995-10-19 رقم العدد:7215

روما »السفير«: يقوم الفاتيكان بنشاط دبلوماسي ملحوظ في هذه الايام وراء الكواليس، من اجل رفع الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا منذ العام 1962. وعشية رحلته الاخيرة الى الولايات المتحدة طالب البابا يوحنا بولس الثاني بوضع حد للحصار المستمر منذ ثلاثة وثلاثين عاما ضد الشعب الكوبي. وتقول مصادر الفاتيكان ان البابا بحث مع الرئيس الاميركي بيل كلينتون مسألة الحصار وضرورة تليين الموقف من كوبا. وقبل أيام اعلن في كوبا عن ان فيديل كاسترو سيتوجه يوم الاحد المقبل الى نيويورك للمشاركة في احتفالات الذكرى الخمسين للامم المتحدة، وهي المرة الثالثة التي يقوم فيها الزعيم الكوبي بزيارة نيويورك منذ تسلمه الحكم في العام 1959، وقد أثار قرار كلينتون الموافقة على منح تأشيرة دخول للزعيم الكوبي غضب الجمهوريين وعلى رأسهم روبرت دول المرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. لكن هذه »الوساطة« الفاتيكانية بين واشنطن وهافانا تأتي في سياق اشمل ضمن عملية تطبيع للعلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية وحكومة هافانا بدأت منذ فترة طويلة والتي ستتوج على الارجح في زيارة البابا لكوبا في شهر شباط المقبل في اطار الجولة التي سيقوم بها على بعض دول اميركا اللاتينية. ويبدو ان هذا التطور المهم جاء ثمرة للقاء السري الذي تم في العام الماضي بين الكاردينال برناردان غانتان وكاسترو في مقر السفارة البابوية في العاصمة الكوبية. ويعكس هذا الحوار الذي يجري على مستويات عليا رغبة الفاتيكان في ارساء مناخ من »المصالحة الوطنية« في الجزيرة بين الحكم ومعارضيه وتوفير انتقال سلمي للسلطة عندما تحين الفرصة. وقد بدأ طبخ هذا الحوار الصعب على نار خفيفة قبل ثلاث سنوات سعى خلاله الفاتيكان الى تطمين الحكم الكوبي بأن هدفه ليس التخريب او التدخل في الشؤون الداخلية لكوبا بل المساهمة في ايجاد مناخ من الثقة يمكّن الكنيسة من لعب دور اجتماعي وانساني. وتفيد اوساط الفاتيكان ان البابا قرر الاشراف شخصيا على هذا الحوار عبر تحريك السلطات الكاثوليكية في الجزيرة التي بدأت تنعم بمزيد من حرية التحرك والاتصال، وطلب من اساقفته العمل على نشر رسالة الفاتيكان التي تدعو الى »التسامح والمصالحة« بين الكوبيين في الجزيرة وخارجها. وهكذا فان زيارة يوحنا بولس الثاني في حال حدوثها ستأتي تتويجا لنشاط دبلوماسي طويل معقد وسري بدأ في العام 1992 وتطور عبر العديد من الاتصالات واللقاءات بين مبعوثين من الطرفين. ان انهيار الاتحاد السوفياتي الذي شكل بالنسبة لكوبا المرتكز الاساسي على الصعيد الاقتصادي على مدى ثلاثين سنة. وانعكاس ذلك على الاقتصاد الكوبي وتدني مستوى الدخل الفردي في الجزيرة، كل ذلك دفع الفاتيكان للقيام بدور ايجابي وفعال تبلور كخطوة اولى بقيام علاقات واتصالات مباشرة بين الكنيسة الكوبية والفاتيكان تكللت في تشرين الثاني 1994 بتعيين اول كاردينال على الجزيرة منذ قيام الثورة في العام 1959. بعد ذلك قام البابا بإرسال الكاردينال غانتان رئيس اللجنة البابوية لشؤون اميركا اللاتينية الى كوبا للاجتماع سرا بالزعيم الكوبي، في الوقت الذي كان فيه الفاتيكان ينفي وجود اي اتصالات مباشرة مع هافانا، وقد ساهم هذا اللقاء دون شك في تنقية الاجواء بين الطرفين اللذين اصبحا مقتنعين بأهمية زيارة البابا الى كوبا. وبعد هذا اللقاء قام كاسترو بأول زيارة الى السفارة البابوية في هافانا واجتمع اكثر من ساعتين برئيس اساقفة كوبا خانيه لوكاش اورتيغا المينو الذي اصبح كاردينالاً في العام الماضي في اليوم نفسه الذي عيّن فيه البطريرك اللبناني صفير كاردينالاً. وكانت تسمية هذا الكاردينال بادرة حسن نية من قبل الفاتيكان تجاه كاسترو الذي وافق بدوره على سفر حوالى 2500 شخص الى روما للمشاركة في احتفالات التنصيب. فيما تم تنظيم استقبال رسمي للكاردينال اورتيغا عند عودته الى كوبا. وكان الكاردينال غانتان مبعوث البابا قد تكلم لدى عودته عن تغييرات ملموسة ليست فقط تجاه الكنيسة، بل على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، واكد ان هناك تحولات مهمة في طريقها لأن تبصر النور في وقت قريب. وهو ما حصل فعلاً خلال الفترة الاخيرة وترجم باجراءات انفتاح سواء على الصعيد السياسي ام على الصعيد الاقتصادي بشكل خاص. وقد كان للكنيسة والاساقفة الاميركيين دور مميز في عملية نسج هذا الحوار وتأمين خطوط الاتصال الاولية التي تبقى قائمة مع الكنيسة الكوبية، وذلك منذ العام 1972 عندما تبنى المجمع الكاثوليكي للاساقفة الاميركيين طلب زملائهم الكوبيين رفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة. واخذت هذه العلاقات تتطور الى ان قام كاردينال بوسطن برنارد لاو على رأس وفد كنسي بزيارة الى كوبا وطالب الحكومة الاميركية برفع الحصار واقامة علاقات دبلوماسية مع هافانا. وقد قام الكاردينال الاميركي بزيارة اخرى لكوبا في العام 1989، وفي كلتا المرتين اجتمع مع كاسترو. وكانت كل هذه الزيارات والاتصالات تتم بشكل سري وتحاط بالكتمان حتى السنة الماضية عندما شارك في القداس الاحتفالي الذي اقامه الكاردينال الجديد اورتيغا بعد عودته من روما في كاتدرائية هافانا. وخلال كل هذه السنوات كانت ابرشية بوسطن تقوم بتقديم مساعدات مهمة للجزيرة. وفي العام 1992 قرر البابا »جس نبض« حكومة كاسترو عبر ارسال اهم وسيط لديه الكاردينال روجيه اتشيغاراي للاجتماع سرù مع كاسترو. وكان هذا الكاردينال الفرنسي، البالغ اليوم من العمر 72 عامù قد قام بمهمات صعبة وحساسة في فيتنام والصين والبوسنة والهرسك وكرواتيا وبعض الدول الافريقية ولبنان. وعند عودته اكد اتشيغاراي للبابا ان بامكان الفاتيكان بالتعاون مع الكنيسة المحلية القيام بدور مقبول ومشكور. وبعد سنة تقريبù، في ايلول 1993 اصدر اساقفة كوبا رسالة اكدوا فيها »ان مشكلات كوبا يجب ان تلقى لها حلاً بتعاون جميع الكوبيين... ان الكوبيين يرغبون في قيام حوار هادئ وحرّ يعبر كل منهم فيه عن نظره على ارضية التسامح والمصالحة«، أي بمعنى آخر فقد طرح الاساقفة على النظام ومعارضيه فتح حوار من اجل التوصل الى مصالحة وطنية سلمية. ولا شك ان هذا الاقتراح كان بايعاز من الفاتيكان. وبعد ثلاثة اسابيع فقط على صدور هذه الرسالة كتب رئيس المجمع الاسقفي في الولايات المتحدة الى وزير الخارجية وارن كريستوفر معربù عن امله »بأن تقوم الادارة الاميركية بسماع كلام اساقفة كوبا وتدع قضية الحرية وتلبي حاجات الشعب الكوبي عبر فك الحصار الاقتصادي«. وفي كانون الاول 1993 قام اتشيغاراي بزيارة سرية ثانية الى العاصمة الكوبية واجتمع مجددù بكاسترو الذي يبدو انه اقتنع بدور الفاتيكان كشريك جدي في عملية الحوار حول مستقبل كوبا ووافق يومها على وضع حد للاجراءات كافة التي كانت مفروضة على الكنيسة الكوبية. اما الخطوة المهمة التي تلتها فكانت لقاء البابا مع مجموعة من الاساقفة الكوبيين في الفاتيكان، حيث تكلم خلاله وللمرة الاولى عن رفض أي خطوة يمكن تفسيرها على انها محاولة لمعاقبة النظام لأنها ستزيد في معاناة الشعب الكوبي. وكانت المرة الاولى التي يتحدث فيها يوحنا بولس الثاني عن الحصار الاقتصادي المفروض على الجزيرة والذي قام باثارته مع كلينتون خلال لقائه في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة ويبدو ان دبلوماسية الفاتيكان قد نجحت في تحقيق هدفها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة