تونس السلامي الحسني: مرت ايام عدة على اعتقال محمد مواعدة الامين العام لحركة الديموقراطيين الاشتراكيين، من دون ان يصدر أي حزب سياسي معارض او منظمة تعمل داخل تونس بما في ذلك رابطة حقوق الانسان، أي موقف او بيان، باستثناء البيان الذي اصدرته حركة الديموقراطيين الاشتراكيين والذي يدين عملية الاعتقال بحكم انها معنية مباشرة، وايضù باستثناء تصريح للناطق باسم منظمةالعفو الدولية في لندن. فهل يعني ذلك ان تلك الاحزاب والمنظمات التونسية قد »تفهمت« الاسباب التي اعلنت السلطات الرسمية انها ادت الى اعتقال محمد مواعدة الذي يعتبر زعيم اكبر احزاب المعارضة التونسية ام انها اختارت الصمت خوفù من ان يحل بها ما حل بمحمد مواعدة؟ بعد اعتقال مواعدة بأربع وعشرين ساعة، اجتمع وزير الداخلية محمد جغام بزعماء احزاب المعارضة والمنظمات والجمعيات المهتمة بحقوق الانسان ليبلغها ان اعتقال الامين العام لحركة الديموقراطيين الاشتراكيين تم بصفته الشخصية، ولتهم تتعلق به شخصيù، وليس لصفته الحزبية او باعتباره ناطقù ومسؤولاً عن حركة سياسية، او لنشاطه السياسي. ومع ذلك فإن المراقبين في العاصمة التونسية طرحوا العديد من التساؤلات حول اعتقال مواعدة والظروف المحيطة به، والتوقيت الذي اختارته السلطات لتنفيذه. فقد تم اعتقاله بعد ساعات من انتهاء اجتماع المكتب السياسي لحركة الديموقراطيين الاشتراكيين الذي قرر نشر رسالة كان قد بعث بها قبل اسبوعين محمد مواعدة الى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي يشكو له فيها العراقيل التي تعترض العمل السياسي في البلاد، وممارسة الحريات العامة الاساسية. كما يأتي الاعتقال مباشرة بعد زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى تونس، وهي زيارة منحت الرئيس بن علي شهادة فرنسية في العمل الديموقراطي وبناء الدولة العصرية والحديثة. ومن هنا يطرح المراقبون السؤال القائل: هل ان السلطات التونسية شعرت انها قوية بما فيه الكفاية نتيجة »الاعجاب« والدعم الفرنسيين بحيث لم تعد بحاجة الى شاهد اثبات كان يمثله محمد مواعدة حتى ان الشارع التونسي اطلق عليه صفة »وزير شؤون المعارضة« لكونه كان شديد التأييد للحكومة باسم المعارضة؟ وبغض النظر عن المبررات والاسباب التي تقف وراء اعتقال محمد مواعدة وهي في نهاية الامر اسباب لا تبرر اختيار التوقيت ولا اختيار ظروف الاعتقال، فإن هذا الاعتقال يطرح على بساط البحث مسألة الهامش الذي تتحرك فيه المعارضة التونسية وبرامجها وتوجهاتها، وحقيقة وجودها من جديد. فاتهام مواعدة بالارتباط بدولة اجنبية (قد تكون دولة عربية مجاورة) ولإثبات تلك التهمة يجري تقديم وثائق وادلة تدخل ضمن عمل زعيم حزب سياسي اضافة الى مبالغ مالية لا معنى لها لا تزيد عن 13 الف دولار، يجعل من تلك التهم مجرد مرتكزات ظرفية لعملية سياسية لا تبدو خيوطها معروفة حتى الآن. ولتأكيد ذلك، اعلنت المصادر الحكومية ان القضية التي ادى التحقيق بشأنها الى اعتقال محمد مواعدة، تعود بداياتها الى شهر آذار العام 1994 أي الى قبل عام ونصف عام، عندما اعتقلت سلطات مطار تونس مواطنù عربيù كان يحمل 84 الف دولار قال انه ينوي تسليمها الى زعيم حركة الديموقراطيين الاشتراكيين. وفي الواقع فإن كل المعلومات الذي تسربت بشأن هذا الموضوع وخاصة بشأن موقف احزاب ومنظمات المعارضة السياسية وحقوق الانسان منها، تشير الى ان غموضù وخفايا ما تزال تحيط بهذه القضية وقد لن تتوضح في وقت قريب. لكن من الناحية السياسية تطرح هذه القضية واقع المعارضة التونسية من الاساس. فعندما استقال الوزير السابق احمد المستيري من الامانة العامة لحركة الديموقراطيين الاشتراكيين في نهاية العام 1990 في اجواء القطيعة الدموية بين السلطة والحركة الاسلامية، تولى محمد مواعدة هذا الموقع برغم احتجاج بعض رفاقه وخروجهم عنه بزعامة مصطفى بن جعفر متهمين اياه بأنه ابرم صفقة من وراء ظهر حزبه مع السلطة. ومنذ ذلك التاريخ وحتى قبيل الانتخابات البلدية في الربيع الماضي، عرفت علاقات مواعدة بالسلطة شهر العسل وبفضلها تم التوصل خلال الانتخابات التشريعية عام 1994 الى صيغة انتخابية على قياس احزاب المعارضة، لكي تدخل الى البرلمان. فتم زيادة 19 مقعدù الى مقاعد البرلمان الاصلية وتم تخصيصها قبل الانتخابات لتكون للمعارضة، واعتمدت صيغة الانتخاب على اساس النسبية بالنسبة للمعارضة وعلى اساس الاغلبية بالنسبة للحزب الحاكم. وهكذا استطاع محمد مواعدة ان يؤمن لحزبه عشرة مقاعد برلمانية وتقاسم حزبان آخران هما الاتحاد الديموقراطي الوحدوي وحزب الوحدة الشعبية ما تبقى من المقاعد المخصصة للمعارضة. والغريب في الامر ان الاحزاب المعارضة الثلاثة التي فازت بمقاعد في البرلمان ولدت من انشقاق عن الحزب الحاكم، وان زعماءها بمن فيهم محمد مواعدة نفسه كانوا اعضاء في هيئات قيادية للحزب الحاكم. ويقول خصوم مواعدة انه اراد قبل الانتخابات البلدية الاخيرة ان يطبق الصيغة الانتخابية نفسها ويتقاسم مسبقا المقاعد البلدية بين الحزب الحاكم واحزاب المعارضة، غير ان السلطة رفضت ذلك فانتقلت العلاقة من شهر العسل الى البرود والجفاء، فأصبح محمد مواعدة يردد في مجالسه الخاصة اقسى عبارات النقد ضد الحكم، ويعلن انه تراجع عن نظريته الشهيرة والمعروفة بشعار المشاركة بدل المعارضة، وربما كان يأمل ان يأتي احد من السلطة يطرق بابه ليقدم له ترضية ما، لكن ابواب قصر قرطاج ظلت مغلقة، فقام محمد مواعدة من خلال رسالة مطولة في الشهر الماضي، وصفها بعض المعارضين بأنها رسالة قطيعة مع المرحلة السابقة، وبعث بهذه الرسالة الى رئيس الدولة. وبرغم ذلك ظلت السلطة تلتزم الصمت وتجاهلت الامر ولم تقدم اي رد على الرسالة وبدت وكأنها اهملت الموضوع تماما. فقام مواعدة بتوزيع نسخ محدودة من تلك الرسالة على بعض معارفه، ثم دعا الى اجتماع للمكتب السياسي لحزبه لاتخاذ قرار بنشر تلك الرسالة، وبعد اربع وعشرين ساعة من ذلك القرار تم اعتقاله بتهمة »الجاسوسية« لمصلحة دولة وجهات اجنبية.. وترى اوساط سياسية تونسية ان السلطات الرسمية استقبلت الرسالة بكثير من الامتعاض ربما لأنها لم تكن راضية عما حدث قبل كتابتها حيث اجرى زعيم حركة الديموقراطيين الاشتراكيين اتصالات بأحزاب ومنظمات وشخصيات معارضة بعضها معترف به قانونيا والآخر ما يزال يعمل في السرية. وهناك من يتحدث عن اتصالات جرت قبل كتابة الرسالة مع حركة »النهضة« الاسلامية وخاصة قيادتها في الخارج. وتتخوف السلطات التونسية من قيام حلف معارض ومتشدد بزعامة محمد مواعدة الخارج من تجربة مرة مع السلطة جعلته شديد اليأس، وقد لا يكون من قبيل الشائعات الحديث عن نية السلطة الضغط من اجل استبدال مواعدة على رأس حركة الديموقراطيين الاشتراكيين بآخر هو النائب البرلماني المحسني. وفي الواقع فإن »مغامرة« محمد مواعدة مع السلطة كما يسميها بعض المعارضين، كانت منذ البداية معروفة النتائج وذلك لأنها تمثل نمطا من العمل السياسي تعودت عليه احزاب وحركات المعارضة التونسية منذ الستينيات وقد يكون اسس له الرئيس السابق الحبيب بورقيبة في تعامله مع من يخالفونه الرأي، ويتمثل هذا النمط في العمل السياسي القائم على ساحتين لا اكثر الاولى في قمة السلطة والاخرى في السجن، وقد ادى هذا النمط الى غياب العمل السياسي في الشارع والمجتمع المدني، وجعل الاحزاب السياسية المعارضة قيادات بلا قواعد تنظر الى القمة وتهمل الأرض، والحزب الحاكم آلة لجمع الولاءات للحاكم الذي يظل وحده صاحب القرار والسلطة. واذا كانت السلطة وهي تلعب بالأوراق السياسية تقف في موقع الاقوى بما يوفره لها ميزان القوى والادارة واجهزة الدولة من قوة، فإن احزاب المعارضة ذات التأثير الضعيف والتجربة الفقيرة باعتبار ان معظمها بما في ذلك حزب محمد مواعدة ليس في نهاية الامر سوى انشقاق عن الحزب الحاكم، تظل مجرد ظلال لتعددية ما تزال نظرية يسميها البعض تعددية الحزب الواحد.