As Safir Logo
المصدر:

أحياء.من بقرة مجدل المعوش ألى بوسطة عين الرمانة(صورة)

المؤلف: نون فداء التاريخ: 1995-10-12 رقم العدد:7209

من غرفة ضيقة... وشرفة صغيرة لبيتنا في »عين الرمانة«، بنى لي والدي آمالا كبيرة، وعلمني أن الحياة فيها الكثير من الطموحات العظيمة! وقد أخبرت وأنا صغيرة، ان بيتنا لم يكن أساسا في عين الرمانة. وأن أبي عندما نزل من ضيعته »مجدل المعوش« في منطقة الشوف ومعه رأسمال متواضع، اشترى به »بوسطة« لنقل الركاب شغّلها على خط الضيعة، وأنه شارك »أبو سعيد« وهو درزي من المتن في وكالة لدواليب السيارات، وأن بيتنا كان بيتا أرضيù منفردù لا جيران فوقنا أو تحتنا، ويقع في قلب العاصمة بيروت بساحة الدباس قرب كنيسة الأرمن. وأخبرت أيضا أنني ولدتُ في هذا المنزل، وكنت أقف وأنا ما زلت غير قادرة على النطق في سنتي الأولى وأصرخ: »عليا، عليا« مقلدة صاحبة البيت المجاور وهي تنادي خادمتها. وأخبروني أن المنطقة هناك كانت راقية وهادئة، لكن طموحات أبي آنذاك واستعداداته لمواجهة المستقبل سرعان ما »تفركشت«. إذ أن أبي وهو الشاب الطموح، النازل بكل عنفوانه من »مجدل المعوش«، رفض قيادة البوسطة، فعيّن لها سائقا ومعاونا، »الفاجر يأكل مال التاجر« فتعطلت البوسطة حتى قبل أن يقودها السائق وقبل أن يتلطف المعاون وينادي على الركاب. لذلك، باع والدي البوسطة، وترحَّم على بقرته الحلوب التي طالما اعتزَّ بها وفضّل أن يستغني عنها »كرمال عيون« المدينة! ولكي يسد عجزه الاقتصادي، ضحى بوكالة الدواليب لصالح شريكه الدرزي »أبو سعيد«.. وللشراكة المارونية الدرزية تاريخها المجيد في عمر الشوف! أما آخر حبات عنقود الضحايا أعني بيتنا »الفرداوي« القائم في ساحة الدباس، فقد قررت الدولة اللبنانية أن تقيم مكانه جسرا لذكرى المرحوم الرئيس فؤاد شهاب ولتسهيل مرور السيارات، وهكذا كان علينا أن نتهجر قبل »التهجير« الى عين الرمانة. وعين الرمانة كما أخبرت لم تكن كما هي اليوم زواريب وشوارع ضيقة! رغم أنهم سموا أحدها بالشارع العريض مع أنه بقي ضيقù. يقول والدي أن عين الرمانة كانت بمعظمها بساتين ليمون وبعض شجيرات الرمان، من يدري؟.. وربما لذلك سميت عين الرمانة. وما أذكره من بيتنا بعين الرمانة وقوفي على الشرفة الصغيرة، برأسي الممتلئ بمثاليات والدي، وأقف باعتزاز، أبسط يديَّ على الدرابزين الحديدي وكأنني أحكم البلاد! ومرة ألقيت خطابا في الوطنية والمثالية عن تلك الشرفة. ربما اتهموني بالجنون، غير أن الشارع يومها لم يكن مكتظا. كان »أبو حسين« الشيعي وعائلته الكبيرة المؤلفة بمعظمها من البنات، يأتي لزرع البستان المقابل، بقيت طويلا أتساءل، لماذا تأتي عائلة أبو حسين لتزرع البستان؟ وبناته ألا يذهبن إلى المدرسة؟ كنّ يرفعن التنانير الطويلة فتبدو تحتها أيضا سراويل، منها سوداء ومنها مزركشة. ويمشين في الوحل ويعرضن الخس للمارة حتى يخيّل أن قسما من »الجية« انتقل الى عين الرمانة... أحبك يا وطني... لكن البستان لم يصمد وأبو حسين رحل باكرا، فصار البستان بورة، والبورة صارت موقفا للسيارات، ثم جاء الدفاع المدني »فحط« يده على الموقف. ... لم يبق من آثار البستان سوى نخلتين وبركة صغيرة كانت تستعمل كبئر للمياه. لكن عين الرمانة تحولت يوما ما الى قلعة للصمود لكثرة ما استقبلت زخات القذائف.. ودمرت إحداها بركة الماء وقصفت عمر النخلة التي كنت أرى القمر فيها. أخبرني والدي كثيرا عن ضيعتنا »مجدل المعوش«.. كيف أنه اشترى أرضا تدعى »القلعة« لأنها أرض صخرية، وكيف كان ينزل وهو شاب مشيا الى »شويت« وهي مزرعة تقع في واد بعيد. أخبرني عن شجر الزيتون، وموسم الدخان وعن »قبو العقد« وأخبرتني أمي عن والدها الشاعر الطويل القامة واسمه »نصر« والجدة »مرتى« وكيف أنهما تزوجا وكان يكبرها بكثير... كان يمتلكني شعور المسافر المكتشف عند صعودي الى الضيعة، هناك وكانوا يرحبون بنا أنا وأمي حين نطل بعبارة (إجو البيارته) أي القادمين من العاصمة. وكنت أبدو لهم كالدمية المعلبة! فلا تتورع إحدى السيدات عن تحسس ثيابي ومعرفة نوعية حذائي فتدعوني إلى خلعه لتراه عن قرب! تلك الغربة، كانت تكسر برودتها الجلسة قرب »الصوبيا« أو »الوجاق«، وحرارة جلود الغنم أو الماعز التي تدعوك للنوم عليها وأصوات ورق »الطرنيب والليخا وشوي الحميص«، وجدي الذي يتمختر بسرواله ويجلس بعنفوان كالملك يطقطق بمسبحته، كنت ألتذ بالنوم على زنده. والشيخ »أبو ماجد« الدرزي كان يحضر مرة أو مرتين في الأسبوع ومعه شاحنة صغيرة ليأخذ محصول البندورة، وكان غاية في التهذيب واللياقة. إلا أنه نادرا ما كان يشرب القهوة ونادرا ما كانت زوجته تترجل من السيارة! وهي كما بناتها لا تنزع الخمار الأبيض عن رأسها. كان أكثر ما يزعجني تلك اللهجة الشوفية الخاصة وتلك اللكنة البطيئة التي تشعرك أن الوقت لا قيمة له. وأن الشوف مملكة خاصة بأبنائه كل منسجم مع أرضه. والعقدة الكبرى كانت كيف أتخلص من تلك اللهجة؟.. فأنا نصفي بيروتي، ومن سكان عين الرمانة وربما ضحك عليَّ الناس إذا سمعوني أتحدث بتلك اللهجة. ونصفي الآخر شكلته خلايا من جدي وجدتي وأسلافي الراقدين بسلام تحت سنديانة الضيعة العريقة قرب »قبة الكنيسة« وقد افتخروا بأصلهم الماروني الصافي. سامحوني إذا قلت مَن أنا؟.. إذ ربما أن بوسطة عين الرمانة انفجرت ذات يوم! وفجرت الحرب الأهلية لأسأل نفسي: مَن أنا؟ وكل تلك السيارات التي تفخخت وتراكمت دمارا في الشوارع لتجعل من عين الرمانة أشبه بهيروشيما كانت تدعوني لأتساءل: مَن أنا؟ وأتذكر: جثة ذاك السنغالي الأسود التي صار لونها أزرق على أخضر تجرها سيارة بحبل وأحدهم يبتسم باعتزاز وهو يجرها في شوارع عين الرمانة. وربطة الخبز التي مددنا يدنا إليها وتهافتنا عليها من شباك الملجأ الحديدي. ووعاء الماء الذي وضعناه تحت المزراب لنفوز به قليلاً من مياه الشتاء. وباب الملجأ الحديدي الكبير.. وأتذكر: جدتي التي نزحت من »مجدل المعوش« أيضا في حرب الجبل وركعت مصلية أمام صورة المصلوب. والسنديانة التي قُصَّ كعبها. وقبة الكنيسة التي عادت إلى التراب.. وما زال والدي يأوي الى فراشه كل ليلة في الغرفة الضيقة في عين الرمانة معمرù في رأسه آمالاً كبيرة وأحلامù عظيمة. فداء نون

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة