ها هو اتفاق »طابا« يوقع في »القاعة الشرقية« من البيت الابيض، وهو اتفاق تجاوز اتفاق اوسلو، الذي تضمن خطوطاً عامة كانت بحاجة الى اتفاقات تفصيلية كانت في معظمها مخاضاً قاسياً، ساهم في تأخير التنفيذ، وفي المزيد من الانتقاص للحقوق الوطنية الفلسطينية. اتفاق »طابا« الموقع في صيغة الاحرف الاولى يوم الاحد 24 سبتمبر ايلول 1995 والموقع باحتفال رسمي بوجود الشهود الذين سبقوا سراً او علانية يوم الخميس 28 سبتمبر ايلول 1995 جاء معتمداً على الاتفاق الاساس، اتفاق اوسلو، وجاء بعد سنتين من توقيع الاتفاق الاول. بين حفلة التوقيع لاتفاق اوسلو في 13 سبتمبر ايلول 1993 وتوقيع اتفاق »طابا« في 28 سبتمبر، ايلول 1995 حدث الكثير، وتغير الكثير، واستجد الكثير. وفي كل هذا الكثير، وحده وضع الانسان العربي الفلسطيني، لم يتغير، ولم يتبدل. لا اتفاق اوسلو غير من وضع الانسان الفلسطيني، ولا هذا الاتفاق الجديد الذي يحمل اسم اتفاق »طابا« والذي جاء الاحتفال في توقيعه، كأنه الاستعداد للانقضاض على ما تبقى من حقوق، والنذير بقرب فتح »معركة« المسارين اللبناني والسوري. الفلسطيني في الداخل، في غزة وأريحا، والمدن الست والبلدات الاربعمائة والخمسين، استمر يشاهد جنود الاحتلال، وتحكم جنود الاحتلال وتصاريح جنود الاحتلال، واستمر تحت المواقبة والاضطهاد في حريته وكرامته. في تنقله ومقامه، في الطريق التي يجب ان يسير عليها والطرق التي يمنع من السير خلالها في كأس الماء التي يشرب، وفي الكهرباء التي بها يستضيء. حواجز على الطرق، وحواجز على طريق الرزق، وحواجز على طريق الحرية، حرية التنقل وحرية التعبير، وحرية التفكير، وحرية القبول او الرفض.. حواجز نفسية وحواجز بينه وبين الاشقاء. والفلسطيني في الشتات، لم يتغير عليه شيء، كان لاجئاً وبقي لاجئاً، واستمر لاجئاً، بل زادت عليه الوطأة فصار »ملطشة« وأضحى »مكسر عصا«. لا يستشار لا في يومه ولا في مصيره، ولا في غده. ان استمر مناضلاً، اتهم »بالارهاب« وتكالبت عليه كل القوى، وحوصر بالحركة والمال والعلاقات.. والتجني. وان استكان الى لقمة عيشه وعياله، لوحق بتهمة التواطؤ والشروع ب»التوطين«. اتفاق »طابا« الجديد، عنوان: »توسيع نطاق »الحكم الذاتي الفلسطيني.. مستمر بين اخذ ورد، وحرد وانسحاب، ومد وجزر، وأعباء ونقل الى مشاف، واتصالات هاتفية، واستشارات رفيعة المستوى. ولم يتزحزح شمعون بيريز وطاقمه المفاوض قيد انملة عن الاصرار للحفاظ على بقاء (400) يهودي يقيمون في مدينة الخليل، حفظوا لهم حرية تنقلهم وحرية حركتهم، وتابعيتهم، وطرقهم الخاصة وطرقهم لاداء عباداتهم منعوا شرطة الحكم الذاتي من التعاطي معهم، ومنعوا المساس بوجودهم وبيوتهم ومنعوا الحد من متابعتهم لنشاطاتهم الاستفزازية ضد اهل الخليل، وضد المقدسات الاسلامية. ومن يريد ان يقيم.. اتفاق »طابا« الجديد.. عليه ان يقارن بين هذا الحرص على (400) يهودي جاؤوا الى الخليل عنوة، وارتكب واحد منهم مجزرة الحرم الابراهيمي الشهيرة، ولم تجرؤ قياداتهم على المساس بوضعهم الحالي. وبين هذا التغافل لحقوق اربعة ملايين فلسطيني يعيشون حالات »اللجوء« او »النزوح« منذ العام 1948 او العام 1967. ان كل مصفق لاتفاق »طابا« الجديد، وقبله اتفاق اوسلو، يتجاوز هذه المقارنة، يتجاوز واقع الانسان الفلسطيني، الذي لم يجد نفسه في ثنايا وطيات صفحات اتفاقات تدعي انها تحمل اسمه، وانها وضعت لاجله، ان اضواء الاحتفالات والكاميرات والشاشات سرعان ما تنطفئ، ليلف الظلام الحقيقة التي يحاولون تجاوزها، او دفنها، او طمسها.. حقيقة انسانية ماثلة للعيان، تعيش في مخيمات اللجوء او النزوح بؤساً، او البيوت والعمارات نجاحات. وفي الحالتين لا البؤس ينفي الحقيقة ولا نجاحات الثراء تخفي الحقيقة، الحقيقة التي تؤكد مع كل لحظة ان الفلسطيني، خصوصاً فلسطيني الشتات، كان لاجئاً، واستمر لاجئاً لم تزده الاتفاقات شيئاً، لم تغير صفته ولم تغير من وضعه، بل زاده الماً، هذه المحاولات، الدولية والعربية، التي يراد منها اقناعه، ولو بالاكراه، بان مأساته قد »سويت«. في مواجهة الحدث لم يعد الوصول الى طرابلس، ليبيا، سهلاً، بل صار على الذي يقصد ليبيا، ان يبدل ويغير وسائل النقل المستخدمة، براً، وجواً وبحراً.. حتى يكون في آخر المطاف على شاطئ طرابلس، تواجهه اضواء الزينة احتفالاً بالعيد 26 لثورة الفاتح. كان الانتقال الى سرت، حيث الاحتفالات لهذه السنة، بالطائرات التي بدأت منذ فجر الفاتح من ايلول سبتمبر المنصرم تقل الضيوف بمعدل رحلة كل ساعة، وصادف اننا كنا في الرحلة الاخيرة بعد الظهر، وبعد استراحة قصيرة في سرادق على شاطئ خليج سرت، كنا على منصة الضيوف انتظاراً لبدء الاحتفالات. كنا قد اجتزنا بالحافلات حياً سكنياً جديداً، شيدت عماراته الجميلة الحديثة على مساحة واسعة تحف بها الحدائق والمرافق من كل جانب، والساحة التي تواجه المنصة تغص بالجماهير التي قدرت عددها مع جاري الذي كان من اليمن وهو الامين العام المساعد لمؤتمر الشعب العام الحاكم في اليمن بنحو عشرين الفاً. ضجت الساحة بالتصفيق والهتافات، وصل القائد معمر القذافي. هتافات الجماهير لا توقفها الا اشارة او اشارات ملحة من القائد، وجاءت الفقرة التي تناولت الموضوع الفلسطيني، وبدأ الهمس بين المدعوين، خاصة بين الفلسطينيين، الذين كانوا قد سمعوا منذ وصولهم الى طرابلس باجراءات تمت ضد فلسطينيين، خصوصاً في مصراته وسبها، من مداهمة لبيوت او مصادرة جوازات السفر وارغام على المغادرة. دعوة القائد معمر القذافي، كانت اوضح في خطاب الافتتاح لمؤتمر المتصوفين، الذي عقد في مدينة مصراته بعد يومين: لماذا لا يعود الفلسطيني الى وطنه، وقد قيل ان القضية الفلسطينية قد سويت، لماذا يسمح ليهودي الفلاشا الذي لا يربطه بأرض فلسطين اي رابط بأن يهجر الى فلسطين ويستوطن فيها ولا يسمح للفلسطيني صاحب الارض بالعودة الى ارضه، بل لماذا يسمح لليهودي السوفياتي بالهجرة والاستيطان في فلسطين ولا يسمح لصاحب الارض الفلسطيني، بالعودة الى وطنه والى ارضه. حق العودة، تم تجاوزه في اتفاق اوسلو وحرم الفلسطيني من هذا الحق، ومع ذلك يزيفون الحقائق ويقولون انهم حلوا القضية الفلسطينية. اذن يجب ان يعود الشعب العربي الفلسطيني الى وطنه، ويجب ان يعرف العالم ان هناك فلسطينياً له حق العودة الى وطنه، فاما ان يعود ويسمح له بالعودة الى وطنه، او ان يكون ما حصل، في اوسلو وغيره من الاتفاقات ليس تسوية، وليس حلاً للقضية الفلسطينية. بهذا المعنى كان خطاب العقيد معمر القذافي، في الفاتح ارتجالاً في سرت، وبعد يومين في افتتاح مؤتمر للمتصوفين في مصراته كان اكثر وضوحاً وسياسة وابعاداً. من منا ضد العودة؟ اكاد اجزم ان الجميع مع العودة، لا احد يرغب بالتوطين، خصوصاً بعد تجاوز الشعارات القومية وتنامي القطرية في كل مكان. يتساوى في ذلك الجميع، مختلف الشرائح الفلسطينية كما مختلف الاعمار. ومن اهم المآخذ على اتفاق اوسلو الاول والثاني طابا انهما تجاوزا »حق العودة« لكل الفلسطينيين، الذين تم تصنيفهم، لاجئين، نازحين، حملة تصاريح. وزاد على ذلك، التصنيف الجديد الاضافي، مع اوسلو او ضد اوسلو، بحيث اصبحت قائمة الممنوعين من العودة تضم معظم الشعب العربي الفلسطيني. الفكرة نبيلة، وقضية حق العودة يجب ان تبقى حية، ويجب ان تثار في كل حين خوف استمرار تجاهلها، وخوف نسيانها، بعد ان تجرأ من يدعي تمثيل الشعب الفلسطيني ووقع الاتفاقات التي تخلو من الاصرار على حق العودة. واظهار زيف الاتفاقات التي تدعي »تسوية« القضية الفلسطينية، مدخله الفاضح هو العودة، واظهار حرمان ملايين الفلسطينيين من العودة ومنعهم من حق المواطنة. وفضح الولايات المتحدة الاميركية التي مارست كل انواع الضغط الدبلوماسي والاقتصادي على الاتحاد السوفياتي، سابقاً، لانتزاع حق هجرة اليهود الى فلسطين، وتمويل هذه الهجرة بالمساعدات الفورية، لا يكون الا بطرح يقابله، وهو حق العودة الذي حرم منه الفلسطينيون. والعملية الجوية التي اطلق عليها اسم »بوش« كرمز لمساهمة الرئيس جورج بوش في تأمين نقل يهود اثيوبيا، الفالاشا، الى فلسطين، لا يمكن ان تفضح ايضاً الا بالطرح المقابل، وهو حق الفلسطيني في ان يعود الى وطنه وبلده. هكذا كانت فكرة العقيد معمر القذافي، في خطابيه، وفي حديثه خلال لقاءاته التي سبقت او اعقبت هذين الخطابين. وعلى رغم التحسب، من قدرة الآلة الاعلامية الضخمة التي روجت للتسوية، على قلب الحقائق واظهارها، على غير حقيقتها وعلى رغم التخوف بان تحاصر الفكرة، وان تبدو منفردة، تشوه باسقاطات جاهزة لدى الطرف الذي يعادي العودة الفلسطينية، فقد كان واضحاً ان العقيد معمر القذافي مقتنع بالفكرة، ومقتنع بجدواها. ومنذ طرح الفكرة عمل ضدها طرفان، كل منهما على نقيض الآخر: الطرف الاول: وضم كلا من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وسلطة الحكم الذاتي والتجمع الاوروبي، والانظمة التي وقعت صكوك المعاهدات وكل آلتهم الاعلامية التي لا تنافس، وكل هؤلاء، لم يثيروا المسألة انطلاقاً من خوفهم على معاناة الشعب الفلسطيني، على الحدود مرمياً، لا يسمح له بالمرور او الرجوع او العودة، انما كان منطلقهم عدم احراج العدو ومن وقع معه الاتفاقات التي منعت على الفلسطيني حق العودة. الطرف الثاني: ضم الاجراءات التي اتبعت ضد الفلسطينيين في ليبيا، والطابور الاقليمي، والمستفيدين الذين غالوا جداً في جعل الفلسطيني يخشى على نفسه وأولاده في ليبيا، هذه الاجرءات التي اساءت الى الفكرة والى الطرح السياسي والى الاهداف التي جعلها العقيد القذافي امامه وهو يطرح فكرة العودة. هذه الاجراءات وهذه التصرفات زودت الطرف الاول بالذرائع التي يريد، وبالاسلحة التي تحارب بها الفكرة. حاولنا شرح ذلك، ورصدنا حالات التجاوز، بالاسماء والاماكن والاسلوب وعرضنا، بكل امانة، فكان بعض التجاوب وصدرت التعاميم والتعليمات، وأعيدت بعض البيوت وجرى الحديث عن صرف مستحقات وحقوق لجعل المغادرة كريمة فلا يساء الى ذكرى اقامة استمرت عمراً، ولا تشوه لحظات اخيرة من مغادرة الى المجهول. العودة نعم.. الكل معها. الترحيل، لا، فهو يختلف معنى ومبنى ومنطلقا وأهدافاً عن العودة. كان علينا التوضيح، ففكرة العودة لا تتضمن، بأي حال، معنى الترحيل. العودة تعني حفظ الكرامة، والترحيل يعني الاكراه اولاً والاساءة ثانياً، والفرق بينها شاسع، خصوصاً بعدما اسفرت الاقليمية عن وجهها وبات الحديث القومي من الماضي. في مواجهة الحدث، في ليبيا، بين سرت ومصراته وطرابلس، وتخفيف حدة المغالاة في الاجراءات التي تخدم الطرف المضاد، وتسيء الى الفكرة كانت كما التوقعات الآلة الاعلامية الضخمة والمؤثرة والمنتشرة قد تغاضت عن الحقائق وطمست الوقائع وركزت على السلبيات. تداعيات كرمية حصى في المياه الراكدة، تحركت دوائر الصدى، وترددت تداعيات في اكثر من بلد عربي. ولسوء حظ الفلسطيني، فان هذه التداعيات، جاءت في وقت غير ملائم: جاءت في وقت يستعد فيه عرفات للاجهاز على ما تبقى من الضفة الغربية، ويتوج ذلك بلقاءات البيت الابيض حيث التوقيع على اتفاق »طابا« وما اصطلح على تسميته (اوسلو 2). جاءت في وقت تواجه فيه بعض الاقطار استحقاقات محلية، تجعل بعض قواه السياسية مشغولة عن كل هم اضافي، وتجعل بقية القوى السياسية، مستعدة لتلقف الموضوع الفلسطيني لتجعله مادة توظف ضمن حملة او معركة الاستحقاقات الهامة. جاءت في وقت تواجه فيه بعض الاقطار، ضغط التطورات الاخيرة الناجمة عن استحضار العراق مرة اخرى. لذلك، فقد تطاول من تطاول، وتمرجل من تمرجل على هذا الفلسطيني الذي صار »مكسر عصا«. ويبدو ان الاوقات لن تكون ملائمة للفلسطيني في مقبل الايام. بل ان الزمن الملائم توقف فلسطينياً عند الاعلان عن اتفاق اوسلو. وكل ما تلا ذلك لن يكون الا تأسيساً عليه. ويبدو ان تداعيات معاملة الفلسطيني مرشحة الى المزيد، على رغم الاعلام المتكرر بان معظم الفلسطينيين في الشتات يرفضون التوطين، ويرفضون اعتبارهم عبئاً، ويطمحون من اعماق قلوبهم بالعودة الكريمة، وليس بالترحيل.. بالعودة الحرة، وليس باشتراط الموافقة على اتفاق اوسلو وكل ما نتج عنه. ان توجيه اللوم الى الآخرين، دون اي بحث عن خطايا الذات، عملية تبتعد عن الموضوعية، وتسقط بهوة الوهم وعقدة الاضطهاد، لهذا فان هذه التداعيات ما كان لها ان تكون كرجع الصدى الا بعدما اوغل عرفات ومجموعته بالتنازلات. والتنازلات تستدعي التنازلات، هكذا تعلم الحياة، وهكذا تعلم السياسة والتاريخ. ليلة التوقيع الثاني فيما كان شمعون بيريز يعرض على زملائه في حكومة رابين مواد وفقرات الاتفاق الجديد الذي تم الوصول اليه في »طابا« قبيل توجهه ورابين الى واشنطن، كان عرفات يقابل جون ميجر في لندن، ويعلن امام الباب رقم 10 في »داونغ ستريت« ان اليهود اولاد عمنا« ثم يفخر بانه صاحب نفس طويل »فمن المفروض ان نتسلم الضفة الغربية بشهر تموز يوليو 1994 الا ان اتفاقنا تأخر 14 شهراً«. في اجتماع مجلس حكومة رابين ذكر بيريز النقاط الآتية، ملخصاً ما حققه فريقه في اجتماعات »طابا«: احتفظنا بنسبة 97$ من الامور الامنية في المناطق التي سيعاد بها التموضع او التمركز، 97$ من الامور الامنية ستبقى تحت سيطرة جيشنا وأجهزتنا الامنية الاخرى. »وحصل الجانب الفلسطيني على 3$ من الامور الامنية، وهي تتمثل بوجود شرطة فلسطينية في مراكز المدن التي سيعاد انتشار الجيش فيها وفق متطلبات امننا وأمن مستوطنينا. »في هذا دليل واضح على تمسكنا بالمسألة الامنية ووضعها فوق كل اعتبار، لقد تخللت المفاوضات وقفات حاسمة، لكننا لم نهمل اي جزئية من النواحي الامنية ولقد اصبح هذا الامر واضحاً كل الوضوح للجانب الفلسطيني. لقد احتفظنا بما نسبته 70$ من مساحة ارض الضفة، وستبقى هذه النسبة من ارض الضفة تحت سيطرة قواتنا، التي ستتمركز في مناطق تضمن لها في الآن معاً، حرية حركة في الوقت الذي تشاء فيه، والامن الذي يضمن سلامة هذه القوات من جيش الدفاع، والاجهزة الامنية الاخرى. وحصل الفلسطينيون بالمقابل على ما نسبته 30$ من مساحة ارض الضفة هي مجموع مساحات »مراكز« المدن والقرى التي سيعاد الانتشار فيها.. اما بالنسبة للمياه، فقد اوضحنا بشكل مباشر بان حاجتنا الى المياه، تعادل حاجتنا للامن، وهذه مسألة اشرنا عليهم بضرورة تفهمها وتقبلها، لانها لا تخضع للنقاش.. ونتيجة ذلك فقد احتفظنا بما نسبته 80$ من مياه الضفة الغربية. لقد اعطي للفلسطينيين 20$ من مياه الضفة برغم اعادة الانتشار وتسلم المدن والقرى.. مع العلم بان هذه النسبة ايضاً ستبقى تحت سيطرتنا«. وعند سؤال كبير المفاوضين ابو علاء، احمد قريع عن صحة هذه النسب، اجاب: »ليست كلها صحيحة، فقد حصلنا على ما نسبته 31$ من مساحة الضفة الفلسطينية ولم نوافق علي 30$ من هذه المساحة«. ولم يعلق ابداً على بقية النسب التي ذكرها شمعون بيريز. اما بالنسبة الى مدينة الخليل، فقد اعتبر الطرفان مسألة التفاوض على مستقبلها »بروفه« ستكرر نجاحها او فشلها، بالنسبة الى مدينة القدس. ولقد احتفظ فريق بيريز في المفاوضات، بتقسيم الحرم الابراهيمي، واحتفظوا بحقهم بنصف الحرم، وبطريق خاص للحرم، وبطريق للمستوطنين الذين لا يزيد عددهم عن 400 مستوطن. القدس اصبحت نتيجة اتفاق »طابا«، مجرد مواطنة بالمراسل. ظرف انتخابي يحمل طوابع بريد عبرية. وفي الوقت نفسه كان الملك حسين يعلن امام البرلمان الاوروبي في بروكسيل: »ان القدس الكبرى، ستكون عاصمة لشعبين«. سبق لنا ان عرضنا في »السفير« مساحة القدس الكبرى وحدودها الشمالية والجنوبية، ونذكر هنا، باختصار، ان هذا يعني جعل ضاحية من ضواحي القدس »عاصمة ترضية« حين تبدأ مفاوضات الحل النهائي. كل ذلك متشابك ومتداخل، كأنها حلقات سلسلة تلف حول العنق مع اظهار البراعة في اختيار لون السلسلة ووزنها. ولان هذا التداخل متقن بشكل لا يصدق للوهلة الاولى، فقد يبدو الامر بالنسبة الى كثيرين وكأن اختيار التواريخ يتم مصادفة او وفق الانتهاء من الانجاز. الا ان الامر ليس هكذا، ليس صدفة. فمن اختار الانطلاق من مدريد لم يختر المكان عبثاً، بل بما يحمله من ارهاصات تاريخية ذات مدلول وهوية وإشارات. والذي اختار تاريخ توقيع الاتفاق المتمم لاتفاق اوسلو يوم 28 سبتمبر ايلول، اختاره لتوافقه مع ذكرى الانفصال ليؤكده، ليؤكد ان الانفصال واقع متجسد في هذا الذي يوقع بنفس التاريخ. والذي اختار توقيع الاتفاق الثاني لاوسلو يوم 28 سبتمبر ايلول، اختاره لتوافقه مع ذكرى وفاة الزعيم جمال عبد الناصر، ليؤكد هذه الوفاة، ليؤكد ان دعوة عبد الناصر واهدافه وطموحه الذي جسد طموح امة، قد ماتت جميعها بموته، وجاء التذكير بهذا الموت مع هذا التوقيع. ليس الامر مصادفة، انما هو اختيار متقن الى الدرجة التي تجعلنا نهرب الى تخمين الصدفة، او ترجيحها. ان مرحلة جديدة بدأت منذ مغادرة الذين وقعوا في واشنطن في القاعة الشرقية من البيت الابيض. ان كل الذين تواجدوا شهوداً على الاتفاق وعلى التواقيع، وتبادلوا شرب الانخاب والابتسامات والاحاديث الجانبية، كل هؤلاء، سيتحولون، مباشرة، الى ممارسة ضغط مشترك على المسارين المتبقيين: المسار السوري، والمسار اللبناني. ومرحلة الضغط التي بدأت تجعل الالحاح على حشد القوى، ليس دعوة ترف، بل دعوة للدفاع عن النفس.