حجازي في كتابه يعرف ذلك تماماً حتى انه في مقدمة الكتاب يقول: »شعرت بغبطة حقيقية حين طلب مني ان اختار مجموعة من قصائد الشعراء الرومانتيكيين المصريين، وأكتب لها مقدمة، وأعدها للنشر في مكتبة الاسرة، فها هو الشعر يعود مرة اخرى ليدخل حياة الاسرة المصرية بعد ان غاب عنها سنوات طويلة، ظل خلالها محصوراً في دائرة محدودة من الشعراء والهواة والمشتغلين بدراسة الادب ونقده..«. انه ليس كتابا متخصصا، يطرح اسئلة جديدة على تاريخ الشعر المصري، لكنه »منشور ارشادي« مهمته توجيهية تستهدف ازالة غشاوة عن اعين عامة الناس. كما يحدث عادة في »اللحظات الاستثنائية« التي تحتاج توجيهاً عاماً، يصحح الاخطاء الشائعة، او يقفز بالمجتمع الى آفاق جديدة عليه (مناهج جديدة في التربية. وسائل حديثة في علاج الامراض)، او يواجه تشويش الخصم في الحرب، او يعلن الهدف الذي تراه »قيادة« المجتمع اعلى الاهداف في اللحظة، او... انه »بيان عملي« استخداماً للغة العسكرية في حرب ضد الثقافة تحشد لها الالوان المختلفة من الخطاب الاصولي، كل براهينها وأساليبها التي تجعل كل ما تقوله هو »الحقيقة المطلقة« التي تستند الى »شرعية السماء«... ما فائدة كل ما ينتجه الانسان (الضعيف الناقص الخاطئ الخائن لعقيدته المسيء الى ربه..) امام ما تقوله الحقيقة (الكاملة النهائية المتسامية على اغراض الدنيا...). الشعر هنا تافه، لانه »انساني« في مقابل نص كامل، مقدس، نهائي.. »الهي«..!! مقابلة مريرية.. بل مأساوية!! احتاج معها حجازي العودة الى البديهيات، كما احتاج استعارة اطار مقولة خالدة في الاستعداد للحياة، وللحروب.. »علموا اولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل«. ها هو يؤكد في مقدمة الكتاب »الشعر اذن ركن اساسي في اي ثقافة قومية لانه شرط لاكتساب اللغة وتربية الوجدان القومي المشترك وايقاظ قوى النفس وبلورة الذوق واطلاق الخيال، وهو بهذا كله شكل من اشكال المعرفة والاستنارة..«. ويقول ايضاً: ».. ولان كتابة الشعر قدرة خاصة تعتمد على الموهبة والحدس، فهي نوع من الخلق او الابداع الذي يحررنا من الافكار الخاطئة التي تستمد سطوتها من الشيوع والاستمرار. ومن هنا كان الشعر سبيلاً للحرية، وبالتالي فهو سبيل لمعرفة الحقيقة، واكتساب الوعي، وتلبية الحاجات العقلية والوجدانية على نحو يحقق للشخصية الفردية التوازن والانسجام«. ليس الشعر فقط دعوة خطرة في لحظة يتهم فيها الشعراء بالكفر والالحاد والاباحية، لانهم يتجرأون على قواعد مستقرة في التفكير.. ويشير حجازي في مقدمة المختارات الي ان »هناك عبارة موروثة يهددها الرجعيون ويسيئون فهمها ويستندون اليها في التنديد بالشعر الذي يشعل طاقات الانسان، وينير بصيرته، ويحرضه على الاوهام الشائعة والخرافات المستقرة، وهي قولهم »اعذب الشعر اكذبه« لان هؤلاء الرجعيين يظنون ان الكذب المقصود هنا هو انكار الحقيقة او اخفاؤها، بالمعنى الاخلاقي، والحقيقة، ان الكذب في هذه العبارة شيء آخر تماماً لا علاقة له بالاخلاق..«. هكذا في ظل »حساسية دينية« تتعصب ولا تحاور، وتقف عند العلامات السطحية المباشرة للكلمات، وتحولها الى مقولات ايديولوجية، لا يمكن الا ان تقرأ قصائد يحاول فيها الشعراء بناء عالم مغاير برؤية تتصادم مع السائد وتحاول تكسير بنيانه الساكن، الخامل، المستقر، الابدي، على انها »خروج على اعراف المجتمع وتقاليده ودينه«. ليس الشعر فقط، بل الثقافة كلها بما انها آتية من »الغرب الكافر«. وليس كل الشعر.. بل »الشعر الحديث« المتمرد على محرمات الكتابة الكلاسيكية. وغير الملتزم بمحرمات ثقافية واجتماعية في سياق قصيدته. »الشعر الحديث« الذي لا يعرفه جمهور الشعر التقليدي، المنتظر لاناشيد ايقاعية، تداعب مشاعره من على سطحها، وتدغدغ عاطفته المرهفة، وتلقنه موعظة وحكما يسترشد بهما في حياته ويضعهما على جدران بيته في اطار (القول المأثور). هذا الجمهور ينتظر شعراً كلاسيكياً، يعرفه، لكنه يفاجأ بنظم رديء على هامش المتن الكلاسيكي الجميل..، ويخرج من قاعة الخطابة متأكداً ان (الشعر مات) خاصة ان الشعر الآخر لم يدخل في افق تلقيه وأصبح الغازاً وأحاجي لا يعرف حلها ويترحم بها على ما استمتع به من شعر.. هل كان حجازي يعي ان شريحة من احدث جيل في الشعراء المصريين يكتبون قصائدهم الآن تحت غلالة »رومانتيكية« تخدع للوهلة الاولى؟! ام انه هاجس اللحظة..؟! ام انه دور المثقف الداعية الذي يمارسه حجازي في السنوات الاخيرة، والذي ما كان لغيره ولمكانته في المؤسسة الثقافية ان يطالب به..؟! المهم ان الكتاب حمل دعوة جميلة، تثير بعض الاسى، وتطلق اسئلة كثيرة »علموا اولادكم الشعر«..!! وائل عبد الفتاح (القاهرة)