باريس باهي محمد: الاعتراف بالخطأ فضيلة، والتراجع عنه واجب. وأعترف بأنني حين قبلت تلبية الدعوة التي وجهتها اليّ هيئة »تمازعة« لتغطية اعمال الاجتماع التمهيدي للمؤتمر الأمازيغي العالمي، ذهبت أحمل في نفسي كثيراً من الأفكار الخاطئة عن الحركة الثقافية الامازيغية في المغربين الأوسط والاقصى، لكني اقر في المقابل بأن الايام الاربعة التي امضيتها عند مضائق نهر التارن على مسافة 700 كيلومتر الى الجنوب الغربي من باريس، لمتابعة أعمال ذلك الاجتماع واللقاءات التي أتيح لي ان اجريها مع مختلف الوفود، ولا سيما القادمة من المغرب، مكّنتني من تذويب وتبديد المخاوف والهواجس والوساوس الكثيرة التي كانت عالقة بذهني حول هذه المسألة. بعد هذا التوضيح الوجيز، أرى من باب الأمانة ان ارتب واصنف الحدث في المناخ التاريخي المهيمن على الخطاب الذي تنتجه منذ بضع سنوات، بعض النخب الفتية في بلدان الهوامش والأطراف، التابعة لمراكز صنع القرار والمأخوذة الى حد الافتتان بنماذج وصيغ جديدة من الافكار والتحليلات ما تزال في طور الإرهاصات الاولى. ومن دون الغوص في تفاصيل نظرية مجردة، قد تبعدني عن صلب الموضوع، أقول باختصار شديد؛ ان هذا الخطاب المهيمن في الساحة العالمية يقوم على ثلاثة اعمدة تتساند وتتكاتف وتتوازن في ما بينها، لتقدم لنا المشهد الفكري الراهن في صورة ليبرالية متوحشة، وطائفية متخلفة وخصوصية ضيقة، لا تخلو من الغرور احيانا. إنني اعني بالليبرالية المتوحشة عبادة السوق التي لا كابح لها، وأقصد بالطائفية المتخلفة هذا التراجع او بالأحرى النكوص الانتكاسي نحو مفاهيم وممارسات دينية نجد تجلياتها السياسية الكارثية في ما يجري حاليا في الجزائر ومصر، وأفهم من الخصوصية الضيقة هذا الاسراف في نبش الماضي السحيق لبناء ذات نرجسية بهدف التميز عن الآخر. انها موضة الربع الاخير من القرن العشرين. أقول ذلك وأرجو ان يُفهم في حدوده الواقعية، وان لا تستمد منه خلاصات او احكام تبسيطية، مبتسرة واختزالية. والآن اريد ان اعود الى لب الموضوع. كنت أقف على شرفة المركز الذي عقد فيه المؤتمر مأخوذاً بسحر جبال مضائق نهر التارن، انظر الى المياه وهي تتدفق في الوادي نحو الغرب، وسط أشجار الصنوبر والبلوط في السفح، وبعض اشجار الأرز في المرتفعات، فإذا بي التقط ملاحظة صدرت عفوياً عن شخص آخر كان يتفرج مثلي على الطبيعة الجبلية الفاتنة: »والله، لكأننا بوادي الهومام. لا ينقص سوى الزيتون ليكون هذا المشهد نسخة طبق الاصل من مشهد الجهة الاخرى«. ووجدت نفسي اسرح مع ذكريات التاريخ. إن وادي الهومام الواقع بمحاذاة الضفة الاخرى من البحر الابيض المتوسط، هو المكان الذي شهد انعقاد المؤتمر الاول لجبهة التحرير الوطني الجزائري في 20 آب 1956. ولم يكن اختياره من طرف عبان رمضان لعقد ذلك الاجتماع التاريخي، عشوائيا، وإنما جاء نتيجة لحسابات استراتيجية دقيقة. فوادي الهومام يقع في قلب المنطقة الجبلية الوعرة الفاصلة الواصلة بين القبائل الصغرى والقبائل الكبرى، ويتصل بشبكة الدروب الوعرة المؤدية الى جبال القل في الشمال القسنطيني، اي انه يوجد في قلب المشتبكات الجبلية التي بدأت الثورة تتحكم في مسالكها وشعابها بدءا من اقصى الشمال الى الونشريس في الوسط. كما لم يكن اختيار 20 آب 1956 بدوره اعتباطيا، وانما جاء إحياءً لذكرى الانتفاضة الجماهيرية المغاربية التي كانت بدورها حركة تضامنية بين المغاربة والجزائريين لمناسبة مرور سنتين على عزل الملك الشرعي محمد بن يوسف. كنت سارحا مع هذه الذكريات ووجدت نفسي اتساءل: هل اعيش في هذه اللحظة مؤتمر الهومام الثاني، لكنه من نوع مختلف، ينعقد هذه المرة في جنوب فرنسا، بعد مرور 40 سنة على انتفاضة الاطلس الجزائري الشمالي والمغرب الاوسط، ويشارك فيه اشخاص جاؤوا من المنطقة الجغرافية نفسها؟ قصة مركز بيار مونيستييه الذي انعقد فيه المؤتمر ثم لماذا انعقد المؤتمر التمهيدي في هذه البقعة النائية جدا من جنوب فرنسا بدلاً من باريس مثلا؟ واستطراداً وجدت نفسي اتساءل في السياق ذاته ما هي هذه المسيرة التي دفعت مئة مثقف واستاذ جامعي ومحامٍ وطالب وموظف من اغادير والدار البيضاء والرباط ومكناس وفاس والجزائر العاصمة وتيزي اوزو، الى تحمّل مشقات ونفقات السفر نحو هذه البلدة الاجنبية البعيدة، ولماذا لم يجتمعوا مثلاً في المغرب او الجزائر او تونس؟ ما معنى ذلك كله؟ كان لديّ قبل وصولي الى هذا المكان تفسيري الجاهز بالطبع، وقد تبيّن لي بالملموس، انه خاطئ. ولماذا لا اقول صراحة إنني كنت اتصور ان المؤتمر الامازيغي ينعقد في جنوب فرنسا بمساعدة من السلطات الفرنسية، وبتشجيع منها؟ سوف أترك تفنيد هذا التصور الخاطئ الى فقرة اخرى من الرسالة لأقدم نبذة تاريخية عن المكان الساحر الذي شهد مداولات المؤتمر التمهيدي. انها وقفة ضرورية لتبديد بعض الشبهات والشكوك حول علاقة الحركة الثقافية الامازيغية بالفرانكوفونية. وارجو ان يتريث القارئ ويمنحني وهلة او مهلة لأؤدي هذه الشهادة الهادفة الى وضع الحدث وتفسيره في حدوده التاريخية المعقولة. تحمل البوابة الكبرى للدار القديمة المفتوحة على ساحة »ليونسو« (الشبل) نقشاً من صورة قلب على الحجر كتب عليه تاريخ 1687. ومعنى هذا ان اسرة بيار مونيستييه Pierre Monestier، الذي يحمل الموقع اسمه، قديمة الحضور بقرية سان روم دي دولان: انه المركز الدولي لبيار مونيستييه، الذي يختصر تاريخه حكاية الصراع السياسي والديني في فرنسا، وخاصة في منطقة الجنوب البروتستانتي. قصة اسرة مونيستييه قطعة مركزة من تاريخ الجنوب البروتستانتي، والنجم الذي خلّد اسمها في التاريخ هو جان مونيستييه حفيد بيار مونيستييه الذي يحمل المركز اسمه. لقد كان جان مونيستييه فترة طويلة عميداً لبلدية سان روم دي دولان الصغيرة (لا يتجاوز عدد سكانها مئة شخص ولا يتعدى المقيمون الدائمون فيها عشرة اشخاص) وكان مستشاراً عاماً لمقاطعة Massegros »ماسيجرو« ونائباً لدائرة »فلوراك« ووزيراً للاشغال والثقافة العامة (1899). وبما انه كان مهندسا للفنون والصناعات فقد عمل على تشييد الطريق المؤدية الى مضائق نهر التارن وأوصل خطوط السكك الحديدية الى المنطقة لفك العزلة عن جبال الكوس والتسفين ولتمكين ناحية روكفور من ان تصبح ذات شهرة دولية بفضل السمعة التي نالتها ماركة شهيرة من ماركات الجبنة الفرنسية، جبنة روكفور، التي بقيت شهرتها محصورة بتلك الجبال الوعرة حتى بداية هذا القرن. كان جان مونيستييه علمانياً جمهورياً، وعرفت حياته السياسية ذروتها في بداية هذا القرن 1905 حين كان وزيراً في حكومة كومب الشهيرة التي صادقت على القوانين المعروفة الخاصة بالمدرسة القومية. توفي الرجل في عام 1925، وترك ثلاثة اولاد وبنتاً، ترهبت حزناً على اسرتها الملحدة، ثم ماتت بدورها (اي البنت) في سنة 1955 والأسرة كلها مدفونة في البلدة الصغيرة. ولما كانت البنت واسمها ماريا قد تمكنت من استعادة ارث العائلة، فقد حولته تنفيذù لنذر قطعته على نفسها الى جمعية خيرية لأطفال المدينة (وخاصة اطفال الفئات الشعبية الباريسية) الذين كانوا يأتون أفواجا أفواجا اليه من العطل الصيفية تخدمهم فيه راهبات متطوعات ينتمين الى »رهبانية الاخوات الخادمات لكنيسة القلب الاقدس«. وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية تغيرت مشاريع المركز، وتحول الى دار استقبال للمطاردين والأيتام والأرامل. وقد أنشأت رابطة بيار مونيستييه عام 1941 وأصبحت مسؤولة عن تسيير ممتلكات المركز، ويتحدد هدفها حسب قانونها الداخلي في ان »تخلق وتساعد وتطور وتساهم مباشرة او بشكل غير مباشر في التقدم الجسدي والفكري والاخلاقي للشباب، خاصة عن طريق إقامة مركز للتربية والتعليم الشعبي الزراعي والقروي وتنظيم فترات للنقاهة والاستراحة والعطلة في الهواء الطلق (المصدر كراس سياحي حول مركز بيار مونيستييه). في هذا السياق شهد المركز منذ تكوينه في ايام الحرب العالمية الثانية عدة نشاطات ذات طابع تربوي واجتماعي. هكذا نجده يستقبل في سنة النكبة الوطنية الكبرى (1940) التي اصبت بها فرنسا بعد الاحتلال النازي افواجا من الشبان قدموا من مناطق الشرق، ومن منطقة باريس، ومن مناطق الجنوب، بسبب الصعوبات المختلفة التي واجهتها عائلاتهم، لكون الآباء والامهات فقدوا اعمالهم، او اضطروا الى الاختفاء ولم يعودوا قادرين على النهوض بمسؤولياتهم بسبب الأزمة. وقد ذكرت لنا مديرة المركز، انها كثيرا ما تُفاجأ بزيارة شخصيات لامعة تأتي في رحلات حج الى المكان لارتباطه بذكريات هامة من حياتها. } في سنة 1960 انشأ المركز بيتاً للنقاهة والاستراحة خاص بالكبار وداراً للاطفال ظلت موجودة حتى عام 1974. } كذلك أنشئ مركز للتنظيم القروي يساعد المنخرطين فيه على الإعداد للشهادات الزراعية ومدرسة لإعداد معلمي التعليم القروي. } كما افتتحت مدرسة للمعلمين المربين المكلفين بالإشراف على الطفولة المعاقة، استمرت تعمل الى سنة 1977. } وفي سنة 1988 وبعد ان قامت بمنجزات عظيمة على مستوى المنطقة، قررت المجموعة المالكة ان تسند ادارة شؤون رابطة بيار مونيستييه وممتلكاتها وموجوداتها ونشاطاتها ومستقبلها، الى مركز المبادلات الدولية، الذي كان قد انشئ عام 1947 حسب قانون الروابط والجمعيات 1901 بهدف غير تجاري. ومنذ ذلك التاريخ، رسمت الهيئة المسيّرة خطة ترمي الى تأكيد الرسالة الجهوية للمركز وفي الوقت نفسه اعطائه بعداً وطنياً ودولياً. وهكذا اصبح الموضع يحمل اسم مركز بيار مونيستييه الدولي للإقامات واللقاءات واصبح يستقبل على امتداد العام فصولاً مدرسية لاكتشاف الطبيعة، وندوات، وفترات تدريب وينظم أياماً سياحية ثقافية وأياماً للعطل. تزامن احداث الربيع البربري في تيزي اوزو مع الجامعة الصيفية في أغادير لعل القارئ الذي قرأ هذا الاستطراد الطويل، لا بد من ان يطرح السؤال الآتي: لماذا هذا الإطناب في الحديث عن مكان المؤتمر؟ لقد أردت بكل بساطة ان اجعل منه مدخلاً لتبديد جملة من الاوهام والاكاذيب حول علاقة فرنسا بالحركة الثقافية الامازيغية عموماً ودورها في عقد هذا المؤتمر بالخصوص. انني اسرد هذه التفاصيل وارجئ تفاصيل اخرى تصب في السياق نفسه الى مكان آخر، من هذه الرسالة. الى ذلك الموقع الجبلي الذي يبعد عن باريس بنحو 700 كيلومتر في الجنوب الغربي، حضر نحو مئة شخص يمثلون حوالى اربعين جمعية ورابطة امازيغية من المغربين الاوسط والاقصى (اي الجزائر والمغرب) ومن ليبيا ومالي والنيجر وموريتانيا وكناريا، والشتات الامازيغي في اوروبا واميركا وكندا. واول سؤال يتبادر الى الذهن هو كيف نشأت فكرة هذا المؤتمر؟ والحديث عن العمل الامازيغي الذي توّج هذا المؤتمر يعني في المقام الاول الكلام عن الهيئات والروابط الناشطة في المغربين الاقصى والاوسط. وتتوفر الآن مجموعة من النصوص حول هذا الموضوع سوف نتوقف خصوصاً عند الشق المغربي منها لأنه هو موضوع هذه الرسالة. في كتيّب (80 صفحة) نشرته الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي (عام 1993) بعنوان: »ربع قرن من العمل الثقافي الأمازيغي« نقرأ مقالاً عن هذه النقطة للأستاذ ابراهيم اخياط يعرف فيه بتلك الهيئة: »اسست الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي من طرف مجموعة من الطلبة الواعين بالوضعية الثقافية واللغوية للانسان المغربي بصفة عامة وبوضعية الامازيغية التي تعاني من التهميش والدونية بصفة خاصة حيث كانت توصف بالفلكور واحيانا بالاهازيج وبغير ذلك من الاوصاف التحقيرية. وقد بدأت هذه المجموعة الطلابية قبل التأسيس الفعلي للجمعية بالتطوع لمحاربة الأمية في صفوف العمال والتجار الصغار طيلة ثلاث سنوات قبل عقد الجمع التأسيسي بتاريخ 10 تشرين الثاني 1967، وعياً منهم بأن اساس هذا المشكل المعيش من طرف اللغة والثقافة الامازيغية يكمن في ضعف المستوى الثقافي وكذا تخلف الوعي بالذات عند الانسان الامازيغي نتيجة عدة عوامل متداخلة تاريخية وذاتية، بالاضافة الى ما يعيشه الانسان الامازيغي من تحولات اجتماعية وثقافية نتيجة الهجرة الداخلية والخارجية«. (صفحة 10). في مكان آخر من المقال يستشهد الكاتب ببنود القانون الداخلي للجمعية الذي يحدد اهدافها في خمس نقاط: 1 دعم الفكر الديموقراطي العادل الذي يضمن إبراز خصوصيتنا الوطنية الثقافية منها واللغوية. 2 خدمة ثقافتنا ولغتنا الامازيغيتين وذلك بالقيام بالدراسات النقدية والتقويمية. 3 إنجاز البحوث والدراسات العلمية وتشجيع وتنمية الانتاج الابداعي باللغة الامازيغية. 4 العمل في المجال الثقافي والفكري من اجل ثقافة ديموقراطية تخدم الانسان المغربي لتكون له وسيلة للتعبير عن همومه ومشاغله وتترجم هويته الحضارية والانسانية (صفحة 11). تاريخ الاعلان عن هذه الجمعية الثقافية يستحق ان نشير تحته بخط احمر عريض، لأنه جاء بعد مرور سنتين ونصف على انتفاضة 23 آذار 1965 في الدار البيضاء، وحمل بعد مضي خمسة اشهر على هزيمة صيف 1967 في المشرق العربي. ونحن نذكّر بأن هذين الحدثين التاريخيين، اي الحدث الوطني والحدث القومي، كان لهما اثر عميق جدا لدى الشعب المغربي عموما ولدى نخبه المثقفة خصوصا، فإذا اضفنا الى ذلك ان »الطلبة الواعين« الذين يتحدث عنهم الاستاذ ابراهيم أخياط في مقاله كانوا ينتمون الى منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، التي كانت تشكل آنذاك فصيلاً متقدما من الحركة الوطنية الديموقراطية، فإنه يكون من حقنا المشروع تماما ان نتساءل عن اثر الصدمتين المغربية والمشرقية في اتخاذ ذلك القرار الرامي الى بعث الثقافة الامازيغية. ان اوقات الأزمات والمحن هي التي تدفع النخبة عادة الى إعادة النظر في كثير من المسلمات والبديهيات. اذا اردنا ان نتلمس رد فعل معاصر من المغرب لأوسط (الجزائر) لإنشاء الجمعية الثقافية الامازيغية المغربية، فإننا سوف نجده بسهولة، ونلاحظ في الوقت ذاته انه يختلف اشد الاختلاف عما حدث بالرباط. وامامنا نص تاريخي كتبه عالم النفس الجزائري الدكتور خالد بن ميلود (جريدة النهر عدد 11 حزيران 1967) يقول فيه ما معناه: »لقد حسمت الجماهير الجزائرية بردود فعلها امام هزيمة العرب في المشرق الجدل الدائر حول هوية البلاد. كان النقاش الجاري يدور حول احتمالات عديدة: الجزائر بلد افريقي، او بلد متوسط، او بلد عربي اسلامي، او بلد عربي امازيغي... وكانت الجزائر، قبل تظاهرات التضامن مع المشرق تشبه قلبù كان ينبض داخل انبوب اصطناعي، اما بعد تلك التظاهرات، فقد انزرع القلب فجأة داخل جسمه الطبيعي واخذ ينبض بإيقاعه الطبيعي ايضù«. بعبارة اخرى نجد ان »العودة الى الذات الامازيغية« من المغرب، عاصرتها من الجزائر »عودة الى الذات العربية«... لا نريد ان نخلص من هذه المقارنة السريعة الى اصدار احكام قطيعة نهائية، وانما نريد فقط ان نذكر بالمناخ الفكري العام الذي كان سائدù يومها في المغربين الاوسط والاقصى. وربما سنحت الفرصة، فما مناسبة اخرى لإجراء مقارنة اعمق بين مسيرة الحركتين الامازيغيتين لكننا نستطيع ان نلاحظ منذ الآن طغيان الطابع السياسي في الجزائر، وهيمنة الطابع الثقافي في المغرب. لا بد ان ننتظر بداية حقبة الثمانينيات لنلمس بوضوح تزامنù آخر من تطور الحركتين الامازيغيين يؤكد الملاحظة السابقة: اي طغيان العامل السياسي بالجزائر وهيمنة العنصر الثقافي بالمغرب. في ربيع 1980، مثلاً خرجت الحركة الامازيغية الجزائرية من حقل الثقافة النظرية، الى معترك السياسة. بدأت الاحداث حين منعت سلطات مدينة تيزي اوزو، عاصمة منطقة القبائل (الواقعة على مسافة 100 كيلومتر شرقي العاصمة) الاديب الكبير مولود معمري من إلقاء محاضرة عن الثقافة الامازيغية من مدرج الجامعة. وسرعان ما تطورت الوضعية الى مواجهة عنيفة بين الطلاب والاساتذة من جهة، وسلطات الولاية والدرك والامن والجيش من جهة اخرى. واسفرت تلك الاحداث عن سلسلة من الاعتقالات والمحاكمات، واصبح الحدث معروفù من حوليات السياسة الجزائرية »بالربيع البربري«. من صيف ذلك العام نفسه (1980) عقدت الجامعة الصيفية بأغادير اول دورة لها في جو هادئ واستمع المشاركون فيه الى سلسلة من المحاضرات حول الثقافة الامازيغية، وكانت تلك التظاهرة بمثابة البداية العلنية للنشاط الثقافي الامازيغي على نطاق واسع. رواية مغربية عن تاريخ العلاقات بين الحركتين واذا كانت احداث ربيع 1980 من تيزي اوزو ودورة الجامعة الصيفية بأغادير تسمح لنا بمشاهدة وقائع النشاط العملي من البلدين، فإنه لا تتوفر لدينا شهادات ولا نصوص مكتوبة عن وجود اتصال منظم بين العناصر المحركة لهذه الاحداث. وفي حوار اجريناه على هامش المؤتمر الامازيغي العالمي مع الاساتذة وعزي الحسي (استاذ بكلية الحقوق بالرباط) وحنداين محمد (استاذ بجامعة اغادير) وعبد العزيز بوراس (مفتش التعليم) استمعنا الى شرح مفصل عن العلاقة بين الحركتين الجزائرية والمغربية. فقد ذكر الاستاذ عبد العزيز بوراس ان »فكرة التعاون والتنسيق بين المغرب، وعلى الاخص المغربين الادنى والاوسط، ليست جديدة. ان هناك سوابق تاريخية كثيرة يضيق المجال عن سردها. لكننا نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر التنسيق الذي تم بين المغاربة والجزائريين خلال حقبتي العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن من نطاق منظمة نجم شمال افريقيا بفرنسا، ونذكر ايضù منظمة الاتحاد العام لطلبة شمال افريقيا المسلمين، ونذكر مكتب تحرير المغرب العربي من القاهرة بقيادة الاسير عبد الكريم الخطابي، وانتفاضة شهر كانون الاول 1952 في الدار البيضاء تضامنù مع تونس، ومشروع تكوين قيادة مشتركة لجيش التحرير من البلدين خلال منتصف حقبة الخمسينيات، وانتفاضة 20 آب 1995 في الاطلسين: الاطلس الاوسط المغربي والاطلس الشمالي الجزائري، ومؤتمر طنجة في سنة 1958. نذكر هذه الاحداث كلها يقول الاستاذ عبد العزيز بوراس لتبين بأن التنسيق الحاصل بين الحركات الامازيغية يندرج في سياق مسيرة تاريخية طويلة. ثمة تعاون من نوع جديد، سببه بالنسبة لنا في المغرب تهميش اشكال التعبير باللغة الامازيغية، مباشرة بعد اعلان الاستقلال الوطني. لقد تم اغلاق راديو تطوان وسيدي يفني، واغلق المعهد العالي للدراسات البربرية بالرباط وألغي الدبلوم البربري الخ... يتدخل الأستاذ محمد حندايِنْ ليكمل ما قاله عبد العزيز بوراس: »هذه المعطيات، ومثلها موجود في الجزائر، جعلت فئات من الشباب المتعلم تظهر من البلدين وتتجند لتصحيح هذا المسار الخاطئ. لقد ظهرت عدة جمعيات بشكل عفوي هنا وهناك بالمغربين الأوسط والأقصى هدفها إعادة الاعتبار للغة الأمازيغية وتأهيلها لكي تتبوأ مكانتها المشروعة من الحقل الثقافي المغاربي. في البداية انصب العمل على البحث الجامعي، ولم يكن هناك أي تنسيق حقيقي بالمعنى الدقيق للكلمة، لأن العلاقات السياسية المتوترة بين البلدين لم تكن تسمح بتنقل الأشخاص ولا برواج الانتاج الفكري. ويمضي الأستاذ محمد حنداين في شرحه: »لم يبدأ الاتصال الفعلي بيننا وبين الجزائريين إلا بعد انعقاد الدورة الأولى لجامعة أغادير الصيفية عام 1980، لكنه اقتصر على تبادل الأدبيات، ثم تطور ليشمل زيارات متبادلة لحضور عدد من التظاهرات الثقافية والفنية من البلدين«. يتدخل الأستاذ الحسين وعزّي ليقول من السياق: »الواضع ان الاتصال مع الجزائريين لم يأخذ طابعا رسميا، إذا شئنا، الا من الفكرة الأخيرة. لكن كان هناك بالاضافة الى ما ذكره الأخ حنداين، نوع آخر من الاتصال هو ذلك الذي يحدث على مقاعد الجامعات الأجنبية عموما والفرنسية خصوصا بين الطلاب والباحثين ذوي الميول الأمازيغية من البلدين... يهز الأستاذ حنداين رأسه موافقا ويمسك رأس خيط الحوار من جديد: »لقد تبلورت صيغ للعمل المشترك بشكل عملي في سنة 1993 حين وقعت الجمعيات الأمازيغية على مذكرة مشتركة موجهة الى المؤتمر العالمي لحقوق الانسان المنعقد بمدينة فيينا، وبمناسبة ذلك المؤتمر التقى الأمازيغ المغاربة والجزائريون وبدأوا يتحدثون لأول مرة في ما اعتقد حول المؤتمر الأمازيغي العالمي. ثم تبلورت الفكرة بوضوح أكثر حين التقى الجزائريون والمغاربة مرة أخرى بجنيف للاشتراك في مداولات المؤتمر الخاص بالشعوب الأصلية، وهكذا وقع جزائري ومغربي وممثل عن الطوارق، على ضفاف بحيرة ليمان مذكرة تدعو الى عقد مؤتمر أمازيغي عالمي«. الى هذا الشرح الذي قدمه محمد حنداين يضيف عبد العزيز بوراس نقطتين تاريخيتين مكملتين: »لقد أثيرت فكرة انعقاد المؤتمر الأمازيغي العالمي من مهرجان الأغنية الأمازيغية بأغادير خلال صيف 1993، ثم تبلورت نهائيا في مهرجان السينما الأمازيغية المنعقد بمدينة دوارنونيه Douarenenez بمقاطعة بريتانيا في غرب فرنسا، خلال صيف 1994. ففي تلك المناسبة وقعت ثلاثون جمعية أمازيغية من الجزائر والمغرب وبلاد الشتات الأمازيغي (أوروبا الغربية وأميركا الشمالية) بيانا بتأسيس المؤتمر الأمازيغي العالمي. أربعة أدلة على انعدام الدور الفرنسي من جهته، يروي السيد مولود لوناوسي قصة الاعداد للمؤتمر فيقول: »لقد وقع الاختيار على هيئة »تمازغة« لتتولى الاعداد للمؤتمر التمهيدي العالمي للمؤتمر الأمازيغي العالمي، وبدأت هذه الرابطة التي يوجد مقرها بالدائرة الرابعة عشرة بباريس، تعقد منذ خريف العام الماضي سلسلة من الاجتماعات الدورية لتطبيق توصيات بيان دوارنونيه. ولكن أعطيكم فكرة عن نوعية المداولات أذكر بأننا عقدنا جلسات استغرقت أربع عشرة ساعة للاتفاق حول الاسم المناسب، وانتهينا اخيرا الى اطلاق »لجنة فرنسا للمؤتمر التمهيدي للمؤتمر الأمازيغي العالمي«. وبرغم كون الرابطة المشرفة مؤسسة وفقا لقانون 1901 الخاص بالجمعيات وأنها لهذا السبب تستطيع أن تطلب المساعدة لمثل هذا النشاط، فقد سدت جميع الأبواب في وجهها. لقد حاولنا أن نعقد المؤتمر في باريس فهي أنسب وأفضل من عدة جوانب. أولا: كان يمكن لأغلب المشاركين أن يجدوا فيها مجانا مكانا للاقامة بحكم وجود معارف وعلاقات عائلية وصداقات كثيرة بالعاصمة. ولا تنسوا ان باريس هي أكبر مدينة أمازيغية خارج الوطن المغاربي. ثم ان انعقاد المؤتمر فيها يجعله قريبا من وسائل الاعلام ويضمن له تغطية مناسبة. إلا ان البلديات الموجودة بالعاصمة وضواحيها لم توفر لنا المكان المناسب للاجتماع، وقد اعتمدنا على مناضل أمازيغي يقيم بالجنوب للحصول على موافقة إدارة مركز بيارمونيستيه للمبادلات الدولية الذي استضافنا مقابل مبالغ مالية تناسب قدرتنا المتواضعة. ولقد رأيت بنفسك ان المؤتمرين وصلوا جميعا بإمكانياتهم الخاصة الى هنا، وان عددا من الروابط الأمازيغية قدمت مساهمات من التمويل، وأن كل مؤتمر دفع مبلغا ماليا معينù لتغطية مصاريف الاقامة«. ذلك دليل ملموس رأيناه بأم العين، يؤكد أن هذا المؤتمر التمهيدي للمؤتمر الأمازيغي العالمي، عقد بإمكانيات ذاتية محدودة جدا، ومن دون أن تقدم البلاد التي انعقد فيها أية مساهمة أو مساعدة مباشرة أو غير مباشرة من انعقاده. أما الدليل الثاني على استقلالية هذه المبادرة، وهو ابلغ دلالة من الاول، فيتمثل في امتناع القنصلية الفرنسية بالجزائر عن منح تأشيرات لأعضاء الوفود الجزائرية، لقد وجهت اللجنة التحضيرية الدعوة الى 29 مندوبù من الجزائر يمثلون مختلف الهيئات النشيطة في حقل العمل الامازيغي. ولم يتمكن أي واحد منهم من الحضور الى فرنسا. التفسيرات التي سمعناها على هامش المؤتمر، لهذا الموقف الرسمي الفرنسي كثيرة. لقد صادف انعقاده تصاعد موجة الارهاب المنسوبة الى تداعيات الحرب الاهلية الجزائرية فوق التراب الفرنسي، كما تزامن مع الكلام عن وجود مشروع تنظيم مهرجان شعبي لأحزاب عقدوها بالعاصمة الفرنسية، من اجل تحسيس الرأي العام الفرنسي والهجرة الجزائرية بأبعاد المأزق السياسي الحالي. وكانت الاوساط الرسمية في باريس قد سربت الى الاعلام اخبارا مفادها انها لن تسمح بقيام مثل هذه التظاهرة. واذا عرفنا ان احزاب المعارضة الديموقراطية الموقعة على وثيقة روما (وهي جبهة التحرير الوطني والجبهة الاسلامية للانقاذ وجبهة القوى الاشتراكية) تملك كلها بدرجات متفاوتة من القوة والنجاعة، قنوات اتصال ومواقع نفوذ وسط الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا، ادركنا سر امتعاض حكومة آلان جوبيه من فكرة قيام تظاهرة سياسية جزائرية في قلب باريس. ويتجلى الارتباط بصورة اوضح، بين رفض منح التأشيرات، ورفض الترخيص للمهرجان، اذا تذكرنا بأن »الحركة الثقافية البربرية« التي تنتمي اليها مختلف الشخصيات المدعوة الى حضور المؤتمر الامازيغي، منقسمة بين تيارين: تيار اللجان الوطنية المؤيد لجبهة القوى الاشتراكية بزعامة السيد الحسين آيت احمد احد موقعي وثيقة روما، ثم تيار هيئة التنسيق الوطني، المرتبط بالدكتور سعيد سعدي احد زعماء الاتجاه »الاستئصالي« الرافض لأي شكل من اشكال الحوار مع الاسلاميين. الدليل الثالث على عدم تحمس السلطات الفرنسية للحدث هو ان رفضها منح التأشيرات لم يقتصر على الجزائريين وحدهم وانما امتد الى المغاربة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الاستاذ محمد شفيق عضو الاكاديمية الملكية المغربية، لم يتمكن من الحصول على تأشيرة من القنصلية الفرنسية بالرباط. وقد ذكر لنا احد اعضاء الوفد المغربي الذي قابله انه اوصاهم بأن »لا يثقوا بفرنسا«. الدليل الرابع على غياب الدور الفرنسي في هذا المؤتمر هو غياب وسائل الاعلام عن متابعة اشغاله. واذا صحت معلوماتي، فإن المطبوعة الفرنسية الوحيدة التي انتدبت موفدù عنها الى المكان عينه هي شهرية لوموموند دبلوماتيك. تلك هي الاجواء والملابسات والظروف والشروط المرافقة لانعقاد المؤتمر الذي انتهى بإصدار بيان ختامي يجد القارئ نصه الكامل في مكان آخر. ولعل الفرصة تسنح لنا قريبù للوقوف بقدر من التعمق حول دلالات الحدث، رهاناته او ارتهاناته والآفاق الخصبة التي يفتحها امام المنطقة المغاربية، وما يرتبه او يترتب عنه من مسؤوليات على كل العاملين من الشؤون العامة. اما الآن، فنريد ان نقدم نظرة وجيزة عن وقائعه. لقد استغرقت اعمال المؤتمر اربعة ايام (من ظهر الجمعة 1 الى ظهر الاثنين 4 ايلول 1995)، لكن المداولات الفعلية امتدت من مساء السبت الى صبيحة الاثنين. انعقدت الجلسة الافتتاحية صباح يوم السبت واستمع خلالها الحاضرون الى كلمة اللجنة التحضيرية، والى قراءة بعض التقارير والبرقيات التضامنية والى مداخلات عدد من الاعضاء وتلاوة عدد من الكلمات الترحيبية. ثم استؤنفت الجلسة العامة بعد الظهر واعلنت خلالها اللجنة التحضيرية استقالتها، وانسحبت من المنصة. فتكونت رئاسة للجلسة تحت اشراف الاستاذ مولود لوناوسي احد اعضاء اللجنة التحضيرية المستقيلة... تكونت الرئاسة الجديدة بعد مناقشات مستفيضة قدمت خلالها اقتراحات متعددة من بينها من يدعو الى ابقاء اللجنة التحضيرية مستمرة في مهمتها ومنها من يرى ضرورة تطعيمها بعناصر جديدة، ومنها من يؤيد انتخابù برفع الايدي تصويتù على مرشحين يتقدمون من القاعة، وبعضها يرى ضرورة مراعاة تمثيل البلدان او التنظيمات، وغيره يقول انه لا داعي لذلك كله الخ... الا ان اهم من برز خلال جلستي الصباح والمساء في يوم السبت 2 ايلول هو بجانب المداولات التنظيمية الشكلية تقديم اقتراحين: واحد من طرف الموفد المغربي، يقترح عقد المؤتمر القادم في المغرب، واقتراح منافس من وفد كناريا يدعو الى اختيارها للمهمة نفسها. واذا كان الخطيب المغربي قدم اقتراحه، واكتفى بذلك التقديم، فإن مندوب كناريا ابرز حججù اثرت في الحاضرين، ويبدو انها اقنعتهم في النهاية (بدليل ان البيان الختامي اعلن عن اختيار جزر كناريا مكانù للمؤتمر في سنة 1996). وعلى الطريق تجدر الاشارة الى ان جزر كناريا كانت نجم هذا المؤتمر. في نهاية الجلسة الثانية مساء السبت تكونت اللجان المختصة (لجنة التنظيم، لجنة الشؤون المالية والعلاقات الدولية، لجنة الشؤون الثقافية)، وعقدت عدة اجتماعات قدمت نتائجها الى الجلسة العامة ليلة الاحد الاثنين وانتهت المداولات بانتخاب مجلس فديرالي من اثنين وثلاثين عضوù اختاروا من بينهم مكتبù من احد عشر عضوù، سيتولى خلال الشهور المقبلة مسؤولية الاعداد للمؤتمر الامازيغي المقبل بجزر كناريا.