من بين ما كشفه رئيس قسم الادارة والتنظيم في الامم المتحدة امام لجنة الموازنة التابعة للجمعية العمومية ان الامين العام، بطرس بطرس غالي، قرر تجميد التوظيف في المنظمة وفرض قيود على ساعات العمل الاضافية وعلى سفر الموظفين وتعليق اي مهمات جديدة للمعتمدين في الخارج والتوقف عن شراء اي اثاث او معدات جديدة. هذه الاجراءات، وقد باشر العمل بها فورù، كانت تبدو طبيعية لو كانت في اطار خطة مدروسة لاصلاح بنيوي في المنظمة بهدف تفعيل نشاط الهيئات العاملة فيها. لكن، الامر ليس كذلك. فالاجراءات المتخذة اقرب ما تكون الى رد فعل قد يكون عابرù، لكن بنتائج سلبية ربما ترتب عنها تقليص نشاط العديد من الاجهزة في مجالات اساسية كالتنمية والصحة والثقافة وشؤون البيئة، بحيث لا يبقى من دور المنظمة سوى ان تكون مظلة سياسية في خدمة اهداف دول ال »فيتو« وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة. ولعل هذا هو المطلوب، اذا اخذ في الاعتبار الوضع المالي للمنظمة حيث القسم الاكبر من موازنتها يصرف على اغراض قلما خدمت قضية في محلها، بل غالبù ما تهدر في عمليات يدفع اكلافها المُنتدب لحساب طالب تغطية، كما هي الحال في أي مكان للامم المتحدة حضور فيه. واذا كان رئيس قسم الادارة والتنظيم (جوزف كونور) برر اجراءات الامين العام بعجز مالي تعانيه المنظمة ملخصù ارقامه بثلاثة مليارات وثمانمئة مليون دولار هي قيمة المتأخر من المساهمات التي لم يجر سدادها، موحيù بذلك ان سداد هذا المبلغ يلغي الاجراءات المتخذة، فثمة في الموضوع ما لم يشر اليه المسؤول الاداري، اي الدافع السياسي وراء الاحجام عن السداد، خصوصù من جانب المساهم الاكبر في تمويل المنظمة، اي الولايات المتحدة. صحيح ان تأخر واشنطن في سداد ما يتوجب عليها لمنظمة تأسست على اراضيها يوم كان اعداء محور طوكيو برلين ما زالوا حلفاء، ليس بالامر الجديد وحدث غير مرة وفي غير مناسبة قبل توقف الحرب الباردة وبعدها، وعمومù بتعمد مقصود ولهدف محدد لا علاقة له بكفاية المنظمة. لكن، ما يحدث الان تجاوز ربط علاقة »المضيف« بالمنظمة »الضيف« في خط توجهات وزارة الخارجية بحيث اصبح في صلب توجهات المركز بفروعه كافة. بالامس كان الامر ينحصر بوكالة او منظمة فرعية (الاونيسكو مثلا). امتناع عن التمويل هنا، تقليص هناك... وتسويف حيث تدعو الحاجة. الان الامر يختلف. فاضافة الى ما توجب على واشنطن حتى 15 آب الماضي كمساهمة في الموازنة العادية للامم المتحدة (527 مليون دولار) هناك 648 مليون دولار استحقت عليها باعتبارها شريكù في تغطية عمليات »حفظ السلام«. كيف هذا التركيز من الادارة الاميركية على دور الامم المتحدة في حفظ السلام والامتناع في الوقت نفسه عن تمويل عمليات هذه المهمة فضلاً عن رفض اشراك جنود اميركيين تحت قيادة المنظمة الدولية؟ ومن نافل القول انه، على رغم هذا التوجه، لا يقطع خيط في مجلس الامن الدولي من دون موافقة واشنطن او بايعاز منها. مرة سئل بطرس غالي، وكان لا يزال في بداية ولايته كأمين عام: هل تشعر بأنهم يحملون المنظمة اكثر مما في امكانها ان تحتمل؟ فاجاب: لا.. لدي الميكانزمية الكفيلة بالتعامل مع المهمات. لكن، هناك احيانù نقصا في المال وفي الدعم السياسي وكلاهما ضروري. ومن يومها سكت غالي، واذا تكلم فعرضù، الى ان طفح الكيل بعجز مالي لا سابق له وباملاء سياسي لا ندّ يلاقيه. ولعله الان في ندم على ما كان بشر به في مقابلة مع مجلة »تايم« (18/1/1993) حيث قال: آمل في ان اقدم بحلفي امم متحدة جديدة مهيأة لحسم مشكلات عصر جديد. ولعله يتذكر ايضù ان اصلاح المنظمة في الظروف التي تحكمها الان اشبه باصلاح سيارة وهي منطلقة بسرعة 120 ميلاً في الساعة من دون التوقف في محطة لقياس عيار العجلات او تدقيق ميزان المقود؟ سعيد صعب