كتب الدكتور حازم الببلاوي، الاقتصادي المصري المرموق، والذي يشغل الآن منصب مساعد الامين العام للامم المتحدة، مقالاً مهماً في جريدة »الاهرام« (31/7/95) بعنوان »الجوانب المؤسسة للاصلاح الاقتصادي«. والدكتور الببلاوي مدافع قديم عن نظام السوق وتحرير الاقتصاد، وما يرتبط بذلك من سياسات اقتصادية بما في ذلك نقل ملكية القطاع العام الى القطاع الخاص. ولكنه من اكثر المدافعين عن نظام السوق في مصر ذكاء وتألق ذهن، ومن أقواهم منطقاً. أهمية مقال د.حازم الببلاوي الذي اشير اليه لا تنبع من انه دفاع عن نظام السوق، فهو، إذا أردنا الدقة، ليس كذلك. فالمقال يتكلم عن الشروط التي يلزم توفرها لكي ينجح نظام السوق ويؤتي ثماره، ومن ثم يجب توفرها في الاجراءات التي تتخذ تحت شعار الاصلاح الاقتصادي في مصر لكي تؤتي هي ايضا ثمارها، ما دامت هذه الاجراءات تستهدف في نهاية الامر احلال نظام السوق محل نظام التدخل الاداري الصارم في الاقتصاد.. وانما تنبع اهمية المقال، في رأيي، من انه يؤدي بالقارئ، اذا أمعن فيه النظر، الى ادراك أوجه الضعف الخطيرة في نظام السوق الذي دأب د. الببلاوي على الدفاع عنه. فالمقال يقول كان نجاح نظام السوق وتحرير الاسعار ومختلف اجراءات »الاصلاح الاقتصادي« يتطلب ان يقترن ذلك بمجموعة من الاصلاحات التي لا تذكر عادة عند الكلام عن ضرورة تحرير الاقتصاد. هذه الاصلاحات الاخرى الضرورية يتناولها د. الببلاوي واحدا بعد الآخر تحت العناوين الآتية: 1 الاستقرار النقدي والمالي، 2 الشفافية والمعلومات، 3 الاطار القانوني، 4 المجتمع المدني، 5 الاصلاح السياسي، 6 الثقة والمصداقية. ويُفهم من المقال انه لكي ينجح الاصلاح الاقتصادي في مصر (او نظام السوق في اي مكان) في تحقيق الآمال المعلقة عليه، يجب ان تتحقق مجموعة من الاصلاحات بعيدة المدى وبالغة الخطورة في النظام السياسي والقانوني للدولة (فضلا عن نظامها الاقتصادي) مما يصعب جدا علينا ان نتصور تحققه في اي بلد على الاطلاق، مهما كان تقدمه الاقتصادي والسياسي، ناهيك عن الغالبية العظمى من دول العالم الثالث الغارقة حتى أذنيها في الفساد السياسي والاجتماعي والقانوني، والتي تحمل على ظهرها ميراثا ثقيلا من هذا كله. ومن ثم تجد انك، بعد الانتهاء من قراءة المقال تسأل نفسك: وهل هذا ممكن على الاطلاق؟ في اي مكان؟ هل هو متحقق الآن في اي بلد في العالم، بما في ذلك البلاد التي لا تكف حكوماتها عن الثناء على نظام السوق! بل هل تحقيق هذه الشروط كلها بالدرجة الكافية ممكن اصلا، حتى من الناحية النظرية، في ظل النمو الهائل للاحتكارات، وتغلغل نفوذ كبار الماليين والعسكريين والصناعيين في ادق مراكز اتخاذ القرار وقدرتهم على التحكم فيها؟ وفي ظل التأثير الكاسح لوسائل الاعلام التي تسيطر عليها هذه المصالح الاحتكارية الكبرى؟ يشترط الدكتور الببلاوي في مقاله، لنجاح نظام السوق، القائمة الطويلة الآتية: القضاء على التضخم واستقرار سعر الصرف وتوافر المعلومات الاقتصادية السليمة عند مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك العمالة والانتاج والاسعار والارباح والخسائر لمختلف الوحدات الاقتصادية وان تصدر هذه المعلومات جهات محايدة، واستقلال اجهزة الاحصاء عن الحكومة فلا تستخدم للدعاية لإنجازات وزارة او لتأييد وزير او رئيس مؤسسة، وان تلغى القيود المفروضة على الحصول على المعلومات والكف عن نشر بيانات متعارضة عن ارقام التضخم ومعدلات النمو وحجم البطالة والمديونية الخارجية، ولا بد ان يوضع حد لظاهرة تضخم القوانين والقرارات والمراسيم وتعدد جهات الاختصاص، وان يصاحب هذا كله وجود نظام قضائي سريع وفاعل، وان تستخدم الامتيازات التي تتمتع بها الادارات الحكومية (كالحجوز الادارية مثلا) لتحقيق الصالح العام وليس كسيف مشهر على حقوق واموال المتعاملين. كما يجب توفير الحماية الكافية للمستهلك وضمان حماية البيئة ومنع الاستغلال. ومن المهم جدا لنجاح نظام السوق، فضلا عن كل ذلك، ان تسود دولة القانون، فلا يصدر القانون لحماية شخص او فئة محدودة، وان يراعي القانون الحقوق الاساسية للافراد ولا يهدد توقعاتهم المشروعة، ويجب ألا تترك المعاملات الاقتصادية معلقة لسنوات طويلة من دون حسم، خصوصا في مجال الضرائب، وان يتوافر للقضاء استقلاله وضماناته وتلغى كل اشكال القضاء الاستثنائي. ليس هذا فحسب، بل ان الاقتصاد الحر يتطلب الاعتراف بأهمية النشاط الاجتماعي لغير اغراض الربح، ومن ثم يجب ان يعترف بأهمية دور منظمات المجتمع المدني وباستقلالها. وأخيرا وليس آخرا، لا بد من الديموقراطية الحقيقية، اذ ان »قتصاد السوق ليس مجرد افساح المجال للقطاع الخاص، وانما هو نظام متكامل للنظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي يقوم على الفكر الليبرالي الحر«، ولا بد من »خلق المناخ المناسب للثقة والمصداقية في الحاضر والمستقبل«. هل هناك كلام او نظام أجمل من هذا؟ أشك في ذلك. لكن هذا الجمال كله هو الذي يفضح، في رأيي، أوجه الضعف الاساسية في نظام السوق. فالنظام الذي يحتاج لنجاحه في تحقيق الرفاهية والتقدم، الى كل هذه الشروط، لا يمكن، صراحة، ان ينجح. فاشتراط كل هذه الشروط شبه المستحيلة، في اي مجتمع واقعي لغرفة او نسمع عنه، هو من قبيل »التعجيز« اي طلب المعجزات، او هو في الحققة لا يزيد عن كونه نموذجا ذهنيا، دار خلال القرنين الماضيين في اذهان بعض المفكرين، ولم يطبق بأي صورة جدية في اي بلد او عصر، ومع هذا استمر المفكرون المدافعون عن نظام السوق والليبرالية الاقتصادية والسياسية يتكلمون عنه وكأنه ممكن بل وكثيرا ما يتكلون عنه وكأنه قائم بالفعل. لقد قيل مرة، وبحق، في وصف تطور النظام الرأسمالي ان »المنافسة تقتل المنافسة«، اي انه نظام المنافسة الحرة الذي يسود النظام الرأسمالي في بدايته يدفع كل مشروع رأسمالي الى ادخال اي تحسين في نظام الانتاج يؤدي الى تخفيض نفقاته سعيا وراء زيادة ارباحه، بما في ذلك تطبيق اي تقدم تكنولوجي يزيد من انتاجيته، ولكن تطبيق التكنولوجيا المتقدمة يتطلب حجما اكبر من رأس المال، ومن ثم يؤدي الى زيادة حجم المشروع، مما يعطي افضلية للمشروع الكبير على الصغير فإذا بالمشروعات القادرة على النمو تطرد المشروعات العاجزة عنه، مما يؤدي بالضرورة الى الاحتكار، واذا بالمنافسة الحرة التي كان يفترضها آدم سميث في بداية عصر الرأسمالية تتوارى شيئا فشيئا لتفسح الطرىق امام مختلف صور الاحتكار التي تسود الرأسمالية الصناعية والمالية والتجارية اليوم. ولكن الذي يهمنا في هذا ان الاحتكار لا يجلب فحسب آثارا سيئة كثيرة على الاقتصاد وتوزيع الدخل، بل انه يقضي على اشياء جميلة اخرى كثيرة مما يتطلبه الدكتور الببلاوي ويقول انه ضروري لنجاح الاصلاح الاقتصادي، ولنجاح نظام السوق في تأدية مهمته. إن الاحتكار يهدد الديموقراطية وحريات الافراد وسيادة القانون ، بما يؤدي اليه من سيطرة رأس المال على المؤسسات السياسية.. واخضاع نظام الانتخاب لسطوته، ويفسد وسائل الاعلام للسبب نفسه، ومن ثم يسمم نظام المعلومات فلا ينشر بين الناس من المعلومات الا ما لا يهدد مصالح الاحتكارات الكبيرة: الصناعية او العسكرية او المالية، ويجعل من الصعاليك ابطالا وقد يصور العظماء الحقيقىين كصعاليك، وينجح اذا اراد في اطلاق دخان كثيف لتضليل الناس، ومنعهم من معرفة الحقيقة عن دور هذه الشركة الاحتكارية او تلك في شن حرب او احداث انقلاب او قتل مسؤول كبير، حتى في داخل الدولة الرأسمالية المتقدمة نفسها، او ليخفي مسؤولية هذه الشركة او تلك عن افساد البيئة او الاضرار بصحة الناس، ومن ثم لا يكون لهذه الدولة المتقدمة من دولة القانون الا الاسم، ولا تكون لها صلة بصيانة حقوق الانسان الاساسية الا رياء وتظاهرا بعكس الحقيقة. فإذا انتقل هذا النظام العظيم، نظام السوق، الى دولة من دول العالم الثالث، فحدث عن ذلك ولا حرج، اذ لا يبقى من نظام السوق نفسه والمنافسة الحرة الا الاسم، واذا بالنتيجة في الحقيقة خليط غريب من نظام الاوامر المباشرة (الادارية وغير الادارية)، الذي يستهجنه الدكتور حازم الببلاوي بشدة، ومن شريعة الغاب، اما الاوامر المباشرة فلا توجهها هذه المرة السلطة الوطنية الى المشروعات الوطنية، بل توجهها حكومات اجنبية خاضعة لنفوذ شركاتها الاحتكارية او توجهها هذه الشركات الاحتكارية الاجنبية مباشرة الى حكومات دول العالم الثالث لتحقيق المصالح المطلوبة لهذه الشركات، كشراء السلاح منها او تصريف ادويتها التي تعجز عن تصريفها في داخل بلادها لاضرارها بالصحة، او للحصول على امتياز استغلال بعض المواد الاولية، او على بعض عقود المقاولات تفضيلا لها بغير وجه حق على شركات دول اخرى... الخ واما شريعة الغاب فلا نقصد بها في هذه الحالة مجرد قيام المشروع الكبير بالتهام الصغير، كما يحدث في البلاد الرأسمالية المتقدمة، بل قيام المشروع الاجنبي بالتهام المشروع الوطني، بصرف النظر عن الكفاءة الحقيقية لكل منهما، طالما ان الاول لديه المال والسطوة والقدرة على الوصول الى مراكز اتخاذ القرارات، كما تلتهم ضفة صغيرة من الاغنياء بقية افراد الشعب، وتسيطر ضفة صغيرة من الاحتكارات المتحكمة في وسائل الاعلام، على عقول وثقافة واذواق ومعلومات دول العالم الثالث بأسره. هذا هو نظام السوق الحقيقي كما نراه في العالم الواقعي، وليس ذلك الذي يصف د. حازم الببلاوي جماله وروعته، وان كان يفيض في شرح الشروط اللازمة لزيادة جماله جمالا وروعته روعة. والحقيقة كما نرى، بالمنطق والملاحظة لما يجري في الواقع، سواء بسواء، ان هذا الجمال ولاروعة لم يوجدا في اي مكان وفي اي عصر الا في الكتب، ككتاب آدم سميث مثلا، او في اذهان بعض المفكرين الحالمين، الذين يهمهم لسبب او آخر، تصوير هذا النظام في احلى صورة ممكنة، وان تطلب ذلك ان يتكلموا لا عما هو كان بالفعل بل عما يجب ان يكون. واذا النظام السوق الذي نسمع عن افضاله ونقرأ عن محاسنه ليس الا نموذج عقلي، رسمه بعض الكتاب الذين يتمتعون بخيال خصب. واسارع الى القول ان معظم الكتاب الاشتراكيين والمدافعين عن الاشتراكية. وقعوا في هذا الخطأ، بما في ذلك كارل ماركس نفسه، اذ فضلوا ان يتجاهلوا تماما ما لا بد ان يترتب على السيطرة التامة للدولة على وسائل الانتاج من مقالب، وراحوا يفترضون استعدادا مستحيلا لدى الافراد للعمل للصالح العام من دون اي حافز فردي، واذا بهم بدورهم يظهرون استعدادا غريبا لتجاهل ما يحدث بالفعل في الدول المسماة الاشتراكية وانكار ما يرتكب فيها من جرائم وما يسودها من فساد، لا لسبب الا لتعارض كل هذه المفاسد مع متطلبات ذلك »النموذج العقلي« الذي بنوه في اذهانهم، والذي لم يوجد تطبيق له في اي عصر في اي مكان، بل ولا يمكن تصور تطبيقه، بالشكل الذي يتصورونه، طالما بقيت الطبيعة الانسانية على ما هي عليه. كل هذا لا بد من الاعتراف به. لكن، ما الفائدة من ان يرد انصار نظام السوق على انصار الاشتراكية بأن يعيدوا على اسماعنا وصف النموذج العقلي القديم للرأسمالية وكأنه واقع بالفعل، او كأنه قابل فعلا للتطبيق؟ الا يجدر بهم وبنا ان نعترف باستحالة ذلك، وبأن تجارب الرأسمالية، خصوصا في دول العالم الثالث (اذا جاءت تسمية تجارب هذه الدول الاخيرة بالرأسمالية اصلا)، هي ابعد ما تكون عن تحقيق الشروط المطلوبة لنجاح نظام السوق في توفير الرفاهية الحقيقية للناس؟ فاذا اعترفنا بذلك، الا تصبح الاختيارات الحقيقية المتاحة امامنا، في العالم الواقعي الذي نعيش فيه، وفي ظل بقاء الطبيعة الانسانية كما هي، هي بين تركيبات مختلفة من كلا النظامين، وبدرجات متفاوتة من الاخذ بخصائص كل منها، متفاوت ظروف كل بلد؟ بعبارة اخرى: اذا كان لا هذا النموذج الفعلي ولا ذاك ممكنا عملا، كما تبين التجربة والمنطق معا، الا يكون من الواجب ان تتكلم عما يسمى في الاقتصاد »بالحلول التالية في المثالية« (second best solution) على اساس انها هي افضل الحلول الممكنة وان لم يكن افضلها من الناحية النظرية؟ الن نكتشف على الارجح ان الدفاع عن القطاع العام في مجالات كثيرة ضروري ومستحسن، وافضل مائة مرة من القضاء عليه والدعوة لبيعه دفاعا عن صورة مثالية لنظام السوق لا يمكن تحققها في الواقع؟ هذا هو الواجب في نظري، لكن الملاحظ، مع ذلك، ان هناك عددù كبيرù من الكتاب الذين لا يزالون يتكلمون عن افضلية نظام السوق على كل ما عداه، وصلاحيته لكل زمان ومكان، ابتداء من فوكوياما في كتابه »نهاية التاريخ« الى د. حازم الببلاوي في مقاله الاخير عن »الجوانب المؤسسية للاصلاح الاقتصادي«.