As Safir Logo
المصدر:

مئة شمعة لأرنست يونغر

المؤلف: دورليان جورج التاريخ: 1995-09-09 رقم العدد:7181

اسقطت عنه حقوقه المدنية. منعت اعماله من النشر والتوزيع لمدة سنوات، طرد من مدينة المانية الى اخرى وكأني به مصاب بالطاعون... انه الأديب ارنست يونغر الذي احتفل منذ اشهر بذكرى ميلاده المئة(1). فالالمان الذين ابدوا بعد الحرب الكثير من روح التسامح تجاه المسؤولين النازيين الفعليين راحوا يفرغون جم غضبهم على مثقفين اضطرتهم الظروف الى الانجرار في علاقات مرحلية مع النازيين ثم سرعان ما ابتعدوا عنهم ما ان اسفر النظام عن وجهه البربري. فارنست يونغر، الذي ذاق الامرين بعد انتهاء الحرب، لم يذهب مذهب رفيقيه ليني زيفنشتال (Lenie Riefenstahl) ومارتن هايدغر Martin Heidegger) في عدم ادانتهما الصريحة للنظام النازي. كان المثقفون بمنزلة كبوش محرقة يتحملون لوحدهم سخط شعب من المتواطئين لم يتخلص بعد من الشعور بالذنب لقبوله الضمني بنظام غير انساني. فحتى اليوم بالذات وتثبيتا منها لشرعية النظام النازي، لا تعترف الحكومات الالمانية المتتالية بالذين هربوا من الجندية آنذاك كجنود مقاومين. هل المطلوب هو الطاعة حتى النهاية، حتى الموت، تطبيقا للعرف الجرماني القديم القائل »بالطاعة العمياء، حتى الموت«(2). فعلى عكس هايدغر وزيفنشتال اللذين لم يدينا النظام النازي، فلقد قاوم ارنست يونغر هذا النظام من خلال عمله »على شطآن الرخام« الذي كان تنبؤا بل تحذيرا مسبقا لحادثة محاولة اغتيال هتلر في 20 تموز 1944 من قبل كارل شنك اعدم رميا بالرصاص في اليوم نفسه. فأرنست يونغر، احد اهم ادباء هذا القرن، عرف كيف يترجم الى اعمال ادبية الحربين العالميتين، هذين الثقبين القاتمين وسط عصر عرف فيه الكلام عن السلام وحقوق الانسان والحرية اوجه. فمن تجربته في جبهات الحرب العالمية الاولى حيث حاز على اكثر الميداليات الحربية اعتبارا يستخلص يونغر عمله »عواصف من فولاذ« (Orages dصacier) الذي حقق له اعترافا وشهرة عالميين. فبينما يدين ريمارك C.R. Remarque) وهنري باربوس (Henri Barbusse) الحرب، اذا بأرنست يونغر يمجدها مدينا كل الآراء التي كانت ترى في المعارك المخاضة بالوسائل التقنية »الحديثة« نهاية لمفهومي »الحرب العالمية الاولى المجال الوحيد حيث كان بالامكان بروز ما يسميه »بالبطولة الحديثة«. فرغم تناقض وتنافر المفردتين المكونتين لهذه العبارة فلقد فهم يونغر عمق المفارقة التي تتضمنها وتوجز بالتالي واقعنا الراهن. لذلك كان تصوره للحرب يغرف معناه في التجربة اليونانية القديمة حيث تظهر الالوهة في نار المعركة في اللحظة الحاسمة لتآلف النار السماوية والنار الارضية اذا جاز التعبير. تآلف معبر عنه مجازيا في عنوان الرواية بالذات »عواصف من فولاذ« حيث تتوحد النار التي تلفظها الاسلحة من صنع الانسان بالزوابع الهابطة من السماء، فحيث لم ير المراسلون والمؤرخون سوى مجازر في الهواء الطلق يستعان فيها بالبشر مادة لتأجيج نار الحرب، كان ارنست يونغر يحيي في »الذبيحة الحربية« حد التجربة الانسانية بدون ان يتساءل في ما يمكن ان تكون الغاية الاخروية (eschatologique) او الايديولوجية المتوخاة من هكذا تجربة. اذ ما كان يشغله هو »الكيفية«، كيفية التضحية في سبيل التضحية قائلا ان »اكبر شرف للانسان يكمن في ان يقدم ذبيحة، وان اكبر فن في القيادة هو الاشارة الى اهداف تجعل التضحية في سبيلها عملا ذات قيمة«.، ففي كتابه »المعركة كتجربة داخلية« (1922) يمفهم وهذا مألوف عند يونغر الذي يتنقل باستمرار بين انماط كتابية مختلفة من الرواية الى اليوميات فالخواطر لعبارات الخطاب الروائي، فتتراءى لنا المعركة كحالة نشوة، كاصطدام جنسي (ژrotique) مع الموت: »في معمودية النار تصل الشجاعة هي ايضا الى ذلك الحد من النشوة الذي يعرفه المقدس والشعر والحب الكبير. يركض المعمد، الذائب في الكون، بكل سرعة وجهة ابواب الموت المظلمة مثل صاروخ سائر نحو هدفه«. في اثارته للاشكالية الانسانية المركزية في القرن العشرين، يلتقي يونغر بهايدغر الذي قارب الاشكالية نفسها في خطاب مصاغ فلسفيا: كيف يمكن للانسان ان يقاوم اندفاعة الجماهير وكيف يمكنه ان يقاوم تكرار الحالات الاوتوماتيكية التي تحركها الآلات؟ كيف يمكنه ان يحافظ على فرديته في صخب تيار جماهيري ذات ممارسات قطيعية؟... شكل نتاج يونغر محاولات للاجابة عن هذه الاسئلة الحاسمة. في هذا السياق تبرز السنة (1932) التي صادفت نشر روايته »العامل« Le Travailleur) كنقطة تحول، بل انفصال، في مجمل مساره. هنا ينتهي ما سماه يونغر بنفسه »عهده القديم«. فالسنة 1932 هذه هي الاهم حتى ولو رأى البعض ان شيئا من هذا القبيل قد حصل في سنة اخرى هي 1923. حينها، وفي خضم نزع السلاح الذي فرضته معاهدة فرساي، ترك يونغر الجيش ليعمل في مجلات عسكرية يمينية قريبة من جماعات »القبعة الفولاذية« لينتهي به الأمر الى الشراكة مع ارنست نيكيش (Ernst Niekisch) في مجلة هذا الاخير »مقاومة« وهي عبارة نادرة في المانيا السنوات العشرين الناطقة بلسان »القومية البلشفية«. وبنتيجة معارضته الشديدة لهتلر دفع بنيكيش باكرا، وفي سنة 1937، الى معسكرات الاعتقال الشهيرة. بروايته »العامل« يغلق يونغر المرحلة التي سيطرت عليها فكرة »المعركة الاخيرة« لنظام قديم يسير نحو الزوال الحتمي كما تنبأ له اوسكار شبينغلر (Oscar Spengler) قبله. ففي اذهان العديد من مثقفي جمهورية »ويمار« لم يكن هذا النظام سوى نظام »بورجوازي«. من المفيد ان ندرك ان اللغة الالمانية لا تملك كلمة اخرى للتعبير عن خصوصية فعل »المواطن« في اطار العمل العام. فكلمة »Burger« المشتقة من (»Burg«: حصن، قلعة) تعني فعلا معزولا ودفاعيا في مواجهته لكل ما يأتي من الخارج. هكذا فهم يونغر معنى كلمة »بورغر« (البورجوازي): »فالبورجوازي يرى نفسه مرغما سلفا على الدفاع عن نفسه من بين اسوار قلعة او مدينة. بذلك يعبر عن الفارق ما بين ملجأ اخير وآخر وحيد«. فمنذ معاهدة فرساي وابتزازاتها المهينة، ومنذ تشكل الجمهورية الاولى المسماة »جمهورية ويمار«، مقر البرلمان في تاريخ المانيا، لم تنفك الديموقراطية الشابة من مواجهة سهام المثقفين الآتية من كل صوب وحدب كتلك التي ارسلها توماس مان (اعتبارات لا سياسي: نقض جذري لكل ما يمت بالسياسة الديموقراطية بصلة) وكارل شميت، دستوري عريق ومعاد للديموقراطية ولحكومة »ويمار« الى درجة انه شرع لفعل »الرجل القوي«، »للقائد« وقال باطناب في كتابه »مفهوم السياسي«(3): »سيد، كل من يصنع قرار الوضع الاستثنائي«. يذكرنا هذا الكلام »بخطاب الرئاسة« (Discours du rectorat) الشهير لهايدغر الذي كان يتغذى من نفس المنهل. فالدعوات الى المعركة كانت تأتي في الخطاب بمثابة اوامر تهدف الى تعبئة عامة. في السياق نفسه يفضح »عامل« يونغر عالم البورجوازيين (بورغر) المنخور، عالم مكون من خطباء (محدثين = palabreurs) منحطين عزلوا انفسهم خلف اسوار الصالونات والبرلمانات والمتاحف، وكلها اماكن تتراكم فيها غبار الماضي ولوحاته المزورة والمصدوعة مثل الاعمال الخالدة. هذا الاعتزال المتحفي »البورجوازي« وهذا »القرار السياسي« اللذان يتنافيان كالنار والماء بمجرد نفادهما الى »الممارسة«. »فالنشاط المتحفي لا يمثل سوى آخر واحات الضمانة البورجوازية مقدما المخرج الاكثر احتمالا في الظاهر للتملص من القرار السياسي« على حد تعبير يونغر نفسه. »فالعامل« هو ذاك الجندي المعاصر الذي، بغير شفقة، ينقض على عالم »البورجوازي« في خضم افلاسه. تجدر الاشارة هنا الى الصيغة المفردة للعنوان. »فعامل« يونغر لا علاقة له بالعامل الاشتراكي او الماركسي، اذ لا يمثل واقعا اجتماعيا بقدر ما هو تعبير عن شكل (Gestalt)، عن صورة رمزية قد تكون قريبة من »الفكرة« الافلاطونية او عالم ليبنيتز المغلق (Monade). انه »مفرد« يقاتل، بصفته واحدا ومتعددا في آن، اتمته (automatisation) الفرد وتحوله الى كتلة، الى جماهير. بالنسبة الى يونغر، يجب على هذه الصورة التي يتخذها العامل جندي الحداثة والمعاصرة ان تسيطر على المجتمع برمته خلال »التعبئة العامة« كي لا تفلت ولو بقعة صغيرة من نير اراداتها وسطوتها. عند ذاك يتحول العامل الى »قائد« (علينا الا ننسى اننا في السنة 1932!). فعبارة »ان ارادة القائد تتحقق في إرادة التعبئة العامة« شبيهة بتلك التي قالها صديقه شميت، ففي بلد عبر فيه المثقفون عن عميق احتقارهم للديموقراطية لم يبق احد يرغب في الدفاع عنها عندما قام هتلر وحزبه القادمين بالطرق الديموقراطية الى السلطة بإلغاء الديموقراطية وتحويرها الى ديكتاتورية. لا يتأخر يونغر في الاعتراف بخطئه على غرار توماس مان، ولكن بعد فوات الأوان، بعد استتباب النظام واستحالة عمل اي شيء. منذ هذه اللحظة يبدأ عند يونغر وفي اعماله ما يمكن تسميته »بالعهد الجديد«، وانطلاقا من »شطآن الرخام« يبرز الفرد »المفرد« في صورة الهامشي الماكر والمحتال الذي يسعى مع شلة مقاومة الامتداد الشامل لسلطات الدولة. هذا ما سوف تعبر عنه روايتاه »معاهدة المتمرد« (Traitژ du rebelle) في سنة 1951 وEumeswil) في سنة 1977. فهذه الاخيرة (الترجمة الفرنسية اعطتها معنى »الطاولة المستديرة« La Table ronde) رواية طوباوية تقوم على مديح الانسان الفوضوي فالفوضوي يتميز عن المتمرد في ان الاخير »اقصاه المجتمع« فيما الفوضوي قام هو باقصاء المجتمع منه. في مسيرة نتاجه النموذجي، سعى يونغر ان يقرب ويوفق بين اتجاهات مضادة ومتنافرة لم ينفك الغرب يفصل ويفرق بينهما: الزمن الكوني والزمن الانساني، الروح والجسد، والانسان والحيوان... هذا المسار الذي صار عمره قرنا كاملا جدير بأن تحرق له مئة شمعة. (*)استاذ جامعي. (1) ولد في هايدلبرغ بالمانيا في 29 آذار 1895. (2) المعبر عنه في كلمة المانية واحدة: Kadavergehorsam (3) انظر كارل شميت، »Le Concept du Politique« دار غارنييه فلاماريون، باريس، 1994 وايضا كتابه »نظرية الدستور« (Theorie de la Constitution)، دار PUF، باريس، 1993.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة