عمان مهى سمارة النقلة النوعية في الموقف الأردني الرسمي من موضوع التغيير في العراق، هي مدار جدل وتساؤل داخل الأردن وخارجه، حيث تحاول القوى المحلية الأردنية والدول العربية الأخرى معرفة »القطبة المخفية« التي تتناول الدور الأردني، والمكافأة التي سيحصل عليها الملك حسين. ويتساءل الأردنيون، من رموز النظام الى صفوف المعارضة، عن المدى الذي يستطيع بلد صغير في حجم الأردن الوثوق من خلاله بالضمانات والتأكد أن لا تتخلى الدول الكبرى عن الدول الصغرى، بعد تحقيق مصالحها. والتغيير في الموقف الأردني لسع شعور الأردنيين ودبّ الذعر في ظهرانيهم نتيجة المواقف المتضاربة التي نشأت بين السبت والثلاثاء، حيث عاش الأردن وما زال حالة تمزق، فاختلط الحابل بالنابل بين ظهور وزير الصناعة العراقي السابق حسين كامل حسن، في مؤتمره الصحافي الشهير (يوم السبت) محاطا بهالة الاعلام الرسمي الأردني ومساندة العرش، وبيان رئيس الوزراء الشريف زيد بن شاكر في البرلمان (يوم الثلاثاء) الذي حاول فيه ترطيب الأجواء، وتهدئة النفوس وامتصاص النقمة في الصحافة والبرلمان والشارع والسوق، مطمئنا ومؤكدا على لاءات ثلاث: } لا إغلاق للحدود بين العراق والأردن، طالما الحصار قائما، لأن الأردن حريص على عدم مضاعفة معاناة العراقيين. } لا تورط أردنيù في عملية التغيير في العراق. } لا استعمال للأراضي الأردنية كنقطة انطلاق لإسقاط صدام. وأكد رئيس الوزراء تمسك الأردن نظاما وحكومة بعدم تعريض مصالح الأردن والأردنيين الاقتصادية للخطر، إشارة الى إبقاء تدفق النفط العراقي، وإبقاء الحدود مفتوحة أمام تنقل الأشخاص والبضائع. وفي خطاب الملك حسين الذي كان موجهù للسعوديين والكويتيين أكثر منه الى الأردنيين، تناول الملك الأردني رغبة بلاده في »النظر الى البدائل«، وكأنه أراد تطمينها علنù انه حدد خياره ومع التغيير في العراق، منوهù بأخطاء النظام العراقي العديدة، من دون التعرض الى الرئيس صدام حسين شخصيا. والملفت للمراقبين، أردنيين وعربù، هو الرد الرسمي العراقي الذي جاء هادئا وغير انفعالي، بالنسبة الى الأردن، وعنيفù ضد حسين كامل، حرصا على إبقاء شريان الحياة والمتنفس مفتوحا، علمù ان معظم الصحافيين الأردنيين الذين لبّوا دعوة وزارة الاعلام العراقية وزاروا بغداد بعد فرار »الأصهرة«، أكدوا غضب وعتب بغداد على عمان. ورغم أن العاصمتين الأردنية والعراقية قد فسختا التحالف الذي كان قائما منذ حرب الخليج، إلا أنهما تركتا شقù صغيرù، مفتوحù في جدار العلاقات بينهما، لم يشأ أي طرف إغلاقه، على الأقل في هذه المرحلة. وربما لأول مرة في تاريخ المملكة الأردنية يبرز في الصحافة الوطنية والديوانيات السياسية التي تعقد في الدور والقصور، مفهوم سياسي جديد يتحدث عن وجوب المحافظة على »المصالح الوطنية الأردنية«، محذرا من خطر الانزلاق في الانصياع وراء الضغوط الأميركية والخليجية المالية والسياسية غير المضمونة. الرومانسية العربية ويواجه الملك حسين معارضة داخلية قوية تتألف من رموز النظام واللوبي الصناعي التجاري الذي ارتبطت مصالحه مع العراق على مدى 15 سنة منذ الحرب العراقية الايرانية، والأحزاب القومية العربية واليسارية التي ترى في إسقاط صدام سقوطا لمشروع عربي نهضوي، على غرار مشاريع محمد علي باشا وجمال عبد الناصر. ويحمل الموقف من العراق بالنسبة الى الذين يؤمنون بالقومية العربية حنينا إلى أحلام ورومانسية عربية وقومية تجد في إنجازات صدام في بناء قدرات عسكرية وصناعية مشروعا سياسيا ضد الغرب وإسرائيل، لا يجب على العرب المساعدة في تدميره، مع اعتراف هؤلاء بأخطاء النظام وممارساته القمعية وعدم احترامه لحقوق الانسان. حمد الفرحان ويعتبر النائب السابق ورئيس المنتدى العربي وعضو لجنة حماية الوطن ومجابهة التطبيع حمد الفرحان، انه »يجب أن يصمد صدام في وجه الهجمة الأميركية الاسرائيلية الآن، لكن يجب أن لا يبقى«. ويضيف »وإذا نجحت المؤامرة وسقط النظام العراقي في أيدي الأميركيين سيصبح العراق إمارة خليجية على شكل أم القيوين كبيرة، ولأجل معين، ولفترة قصيرة إذ سيكون للعراق دور حيوي في رسم مستقبل وخارطة جديدة في شمالي الجزيرة العربية. وربما تتسارع ولادة مشروع عربي جديد من حضيض الكوارث والنكبات يتألف من العراق وسوريا ولبنان والأردن بلا عدائية لمصر«. ويضيف ان العرب أمام حركة جديدة إنسانية حضارية مدركة للعصر، تترك الشعارات الفارغة لتطرح حياة في التقدم والحضارة والعلم والاطار الذي يسمح بالنمو ككتلة بشرية موارد وبشرا قادرة على البقاء. وأوروبا الموحدة في السوق الأوروبية المشتركة يجب أن تكون المثل الأعلى للعرب ويجب الاقتداء بها. لذلك لا أفكر في السنوات الخمسين الماضية إنما في 1300 سنة من التاريخ«. ويقول الفرحان الذي يعرف العراق وصدام جيدا »انه (صدام) لن يسقط في الأشهر الأربعة أو الخمسة القليلة لأنه خائف ويحيط نفسه بجهاز مخابرات وأمن قوميين. وصدام سيغيّر رأيه هذه المرة كما فعل في العام 1975 عندما قبل بشروط شاه إيران في اتفاق الجزائر، وأعطى شط العرب الى إيران. كذلك فعل في العام 1988 مع إيران في الحرب العراقية الايرانية. وفي العام 1991 عندما قبل بالانسحاب من الكويت بعد أن هدد أميركا والتحالف الغربي حتى 18/1/1991 وبالنتيجة انسحب من أم المعارك، الأحمق يغيِّر رأيه دائمù«. أحمد عبيدات وصوت المعارضة القوي يأتي من أحد رموز النظام في الأردن، رئيس الوزراء السابق ومدير المخابرات السابق، أحمد باشا عبيدات، الذي يعتبر زعيم معارضة السلام مع إسرائيل والتطبيع. ويجد عبيدات في الحملة على العراق وإسقاط النظام في بغداد تحويرا لعملية السلام العربية الاسرائيلية والتي تواجه صعوبات على المسار السوري الاسرائيلي، وعدم اطمئنان وريبة حول التنازلات التي تقدمها القيادة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي. ويرى عبيدات »البعد الاسرائيلي في موضوع العراق، إذ ان نقطة البداية هي تدمير القدرة العراقية، عسكريا وسياسيا«. ويقف مطولا عند التوقيت والمعطيات التي يحملها، والنظرة البعيدة الى السلام في المنطقة مما يستدعي »فتح كل الأبواب وفي جميع الاتجاهات«. ورغم ان أميركا تتولى إدارة اللعبة، وإسرائيل موجودة على الخط ولو كان دور الأخوة بدا مستورù«. ولا يرى عبيدات مصلحة للأردن، كنظام وحكم وشعب، في المدى البعيد أو القريب، في أن يكون طرفù في أي عمل يغيّر الوضع في العراق. ويشير الى المبادرة الأردنية الأخيرة التي حملها مروان القاسم الى بغداد مؤكدا »ان أميركا انزعجت من المبادرة وحملت على الأردن«. كما أن النظام العراقي يعتبر استقبال حسين كامل في قصر رغدان وتبني النظام الأردني للتغيير في بغداد، بمثابة إعلان حرب، خصوصا وأن الأردن هو الرئة التي يتنفس من خلالها الشعب العراقي. ويعتقد عبيدات أن الدول العربية الكبرى مثل مصر وسوريا والسعودية متضايقة من الدور الأردني، »لو صحيح أن الهاشميين يدغدغون الآمال بالسيطرة على بغداد فالسعوديون لن يقبلوا. وهذا ما يمكن أن يكون قد نبه اليه مدير المخابرات السعودي الأمير تركي الفيصل الذي زار عمان بعد المصالحة. ولا بد من الربط بين المواقف، فالسعوديون يأخذون وقتهم ويقررون بهدوء، وإذا فكروا بعمق وأخذوا الخلفيات لا يرون مصلحة في تمدد الأردن نحو العراق حتى لو كان وهميù«. وتبدو مصر أيضا متضايقة من الدور الأردني الاقليمي، يقول عبيدات، »ولا تستطيع التسليم بأن يلعب الأردن دورا كبيرا في المنطقة ويتمدد باتجاه بغداد، أو تقبل بوصاية الهاشميين على العراق. وقد تكون المنافسة والمزايدات قد وصلت بين عمان والقاهرة الى أشدها عندما عرض الرئيس مبارك استضافة صدام حسين كلاجئ في القاهرة ردا على لجوء حسين كامل الى عمان«. ويبدو الانزعاج المصري من عمان كذلك، من التعاون الاسرائيلي الأردني في مشاريع صناعية وسياحية وإنمائية »مما يجعل السلام المصري الاسرائيلي باردا وجامدا، ومصر أم الدنيا وزعيمة العرب«. و يضيف »ويشير بعض الخبثاء الى ان التعاون الأردني الاسرائيلي يتم على أعلى المستويات، كما يشيرون أيضا الى تأجير بعض العائلات الكبيرة الأردنية والفلسطينية في الغور أراض مشاع إلى إسرائيل بحجة التحديث الزراعي بأسعار خيالية تبلغ 30 ألف دينار سنويا لكل مئة دونم مشاع. وقيمة هذه الاختراقات تصب في مصلحة التطبيع لتشجيع الناس على التعامل مع إسرائيل وكسب موطئ قدم لاسرائيل في الأردن«. وسوريا بدورها قد تعتبر الدور الأردني في عملية التغيير في العراق يصب في مصلحة توسيع عملية السلام، خصوصا وان أي تغيير مرتقب في بغداد وقيام نظام آخر موال لأميركا سيؤدي الى عقد معاهدة سلام مع إسرائيل، مما يعني في هذه المرحلة التي تشهد المفاوضات السورية الاسرائيلية مأزقا ان الدور سيأتي الى سوريا أيضا. والملاحظ ان الصوت القومي ارتفع في هذه الأزمة أكثر من الصوت الديني، كما ان الصوت الفلسطيني اختفى وراء الأردني، ربما لأن الأردنيين يشكون من ردة فعل عنيفة ضد إسرائيل، وأكثر حيطة وحذرا ورفضا لاسرائيل والتطبيع من الفلسطينيين حاليا. وحسب رأي رئيس إحدى الجامعات الأردنية ان الخوف من الدور الجديد للأردن قد يكون »ان الأردن ربح مشروع المستقبل وخسر نفسه عربيا وإسلاميا«. ويقول الأستاذ الجامعي ان التلويح للملك حسين بحكم العراق »بسبب شعبيته بين العشائر والشيعة، قد تغرق الأردن في المستنقع العراقي تماما، كما غرقت سوريا في المستنقع اللبناني، وهذا سيكون خطأ كبيرا. فالعراق بلد صعب وكبير والعراقيون لا يخلصون للبيت الهاشمي«، لذلك يجب على الأردن والأردنيين التقليل من الغرام العراقي والتوسع في المقاربة مع السعودية والكويت والتصرف كدولة صغيرة لا تقل مرتزقة على أراضيها«. ولأن التخطيط وتنفيذ الدور الأردني الجديد، كشاهد وشريك ومتعهد في المشاريع الكبرى في المنطقة تتم في معزل عن جماهير الناس، لذلك يتخوف الأردنيون ان تكون درجة ضمانته ليست عالية وأكيدة. والمؤسف ان معظم الاقتصاديين ورجال الأعمال لا يرون ان هذه السياسة ستأتي بالمساعدات والمال الموعود والمتوقع للأردن، لأن الأحوال المالية لدول الخليج في عجز كبير وطاقة الأردن لجذب استثمارات ومشاريع مشتركة محدودة، علما أن الأردن يسعى الى تغيير قوانين ضريبة الدخل والاعفاءات لجذب الأموال والقروض الأجنبية. ويرى أحمد عبيدات ان الأردن الآن »في دوامة«، لأنه »فشل في إعلان خطة إنهاء النظام العراقي. والتهدئة بعد الاعلان الكبير عبارة عن دعوة الأمور لأن تجري في هدوء، وبعيدا عن المواقف الاستعراضية والمثيرة والمسرحيات الديبلوماسية«. ويقول عبيدات إن »المخطط للتغيير في العراق يسير، وتحت السطح«. ويرى ان »الملك الذي يتمتع برصيد شعبي هائل وفي وقت ليس ببعيد كان يتمتع بإجماع شامل بعد عودته من المرض، يوجد الآن بالمقابل إجماع صامت على أن هذه الخطوة الأخيرة لا تصب في مصلحة الأردن وتحمل مخاطر ومخاوف«. ويضيف عبيدات »وإذا رجعت الأمور الى طبيعتها وأعطيت فرصة الى صدام لأن يوظف المناسبة لتوسيع دائرة حكمه بعيدا عن العائلة. وأبدى حسن نوايا تجاه الشعب العراقي وانفتح سياسيا على بعض السياسيين والتكنوقراطيين في خطوات محسوبة لن يستطيع الأردن المحافظة على المكاسب، جذب مالي في الجنوب، سياسي في الشرق والشمال. الأردن يمثل نقطة تقاطع تتجاذب ضد بعضها. اذ انه استطاع أن يحافظ على التوازن والابتعاد عن المحاور وأنجز خطوة جيدة تتمثل في إنشاء وطن، واستطاع إدخاله الى القرن الحادي والعشرين بسهولة. هذا يجب تثميره وتثمينه غاليا«. واكتسبت الديموقراطية في الأردن مزيدا من الممارسة في الموضوع العراقي، إذ وقفت الصحافة والأحزاب واللوبي الاقتصادي التجاري صفا واحدا في هذا الموضوع وتجرأت على قول »لا« لأبي عبد ا". والموقف الشعبي الرافض هذا، برأي الوزير السابق إبراهيم عز الدين، هي المحاولة الثانية بعد ثورة الرغيف في العام 1988 التي أدت الى تغيير حكومة زيد الرفاعي، وقد تكون الايجابية الديموقراطية هذه هي المكسب الوحيد خلال التطورات الأخيرة، تعزيزا للنهج الديموقراطي، الطري العود الذي ما يزال يبحث عن طريقه في الأردن، والذي يصعب على النظام سلبها من الشعب. وقيمة هذه المظاهر الخجولة للممارسة الديموقراطية هي رحابة صدر النظام لسماع جميع الآراء، المؤيدة والمعارضة، لأن القضايا الاستراتيجية والمصيرية الكبرى ينقسم حولها الأردنيون، فكيف في الحال العراقية التي تحمل مضاعفات اقتصادية ومعيشية يومية لألوف من المواطنين. وأمام البحر الهائج الذي تعيشه المنطقة بسبب »التعقيدات العراقية« تراهن فئة كبيرة من الأردنيين على ان الملك سيتراجع، لأن الشعب ليس معه ويشيرون الى انه غيّر موقفه بين السبت والثلاثاء. ورهان هذه الفئة ينبع من »الاعتبارات الاقتصادية« التي لن تجود الكويت والسعودية بها نظرا لأوضاعها المالية الصعبة. وتعتقد فئة أخرى ان الكلام عن الديموقراطية في الأردن وممارستها ما يزال ديكورا، فالقرار بيد الملك، والملك لا يأخذ قرارا إلا لينفذ، خصوصا وانه لا يأخذ قراراته إلا بعد قراءة سياسية وتاريخية للأحداث.