هذه الحالة تحدد المسرح على انه فن يستعمل نوعين من الاشارات: فمن ناحية يستعمل كلمات منتظمة برموز لسانية وأدبية وثقافية، ومن ناحية ثانية يعتمد على رموز مسرحية كنبرات الاصوات والحركات والتنقلات والملابس والالوان... الخ. الازدواجية بنظام هذا الفن ليست فريدة من نوعها؛ اذ نجدها في الموسيقى والرقص الايحائي والتمثيل الايمائي... اي في كل ما ندعوه »بالفنون الجميلة«. ففي كل فن من هذه الفنون يوجد نص وعرض.. العنصر الرئيسي وتجليه العابر... كما يوجد المعبر من النظام الى العرض حيث تتوضح كلية الفنون. وما يبدو واضحاً ان سيرورة هذا العبور 0من النص الى الخشبة) تؤمن للمسرح اصالته الحقيقية. فالمسرح وحده، من بين كل الفنون، ينقل في نظامه مجموعة اشارات النظام النصي مع رموزها. فالكلمات التي نقرؤها تصبح الكلمات التي نسمعها وان وجد تغييراً بالدال يحل الصوت محل الكتابة فان المدلول، بالرغم من ذلك، لا يتغير مباشرة. فنحن نفكك رموز الكلام الشفهي بالطريقة نفسها التي نفكك بها رموز الكلام الكتابي. ولكن تتعقد عملية تفكيك الرموز هذه بسبب دخول الرموز المسرحية على الخط اثناء سيرورة الكتابة/ العرض. فالنزعة المسرحية تعبر عما لدى المسرح من فرادة بأخذها الرموز المسرحية واكسابها النص من خلال الاشارات الشفهية التي يقوم بهها الممثل. ويؤكد التطبيق العملي في هذا المفهوم ان المسرح وحده قد عرف سيادة مسيرة نصه مقارنة ببعض الفنون كالموسيقى مثلاً؛ ذلك لان المسرحيات المكتوبة قد عرفت منذ عهد طويل اهتماماً اكثر وأوسع من المسرحيات الممثلة. يقول غوتنبرغ بهذا الصدد: »اسمع على خشبة المسرح كلمات، ولكنني استطيع قراءة هذه الكلمات وتخيل الاشارات الاخرى التي تتغير كل مرة. فالنص يسلمني الاساس ويحررني من ناحية التوابع«. ثم الا تعلم مدارس الفن المسرحي المسرح المكتوب. ان كلام غوتنبرغ هذا صحيح من جهة لانه ضرورة اساسية من ضرورات المسرح. فهو سجله من ناحية تجاربه عبر العصور. ولكن من جهة ثانية لا يتوجب علينا ان نترك هذا المنطق يخدعنا لانه يقلب المسرح ويحجمه الى جنس ادبي. كما ان المسرح لا يحمل معناه مئة بالمئة الا بتحويل كلمات النص الى الخشبة، والا نكون قد شوهناه وأفسدنا مفهومه. هذا مع العلم ان الاشارات الشفهية لا تعمل بنفس الطريقة في النص وعلى الخشبة. فهي تتداخل مع السيرورة الدلالية التي تأخذ بعين الاعتبار المراجع وتفاعل الاشارات. لذلك يجب التطرق الى ثلاث ملحوظات كي نستطيع الاحاطة بالشروط العامة للنزعة المسرحية: الملحوظة الاولى: يسبب العبور من النص الى الخشبة تغييراً في المراجع. ففي المنظور المسرحي، تحيل الاشارات النصية في واقعها على الاشارات المسرحية فقط، والنص لا يشير الا الى العرض. ولكن كل عرض يقدم بدوره مجموعة اشارات تستدعي مرجعاً غير المرجع الموضوع في النص. هذا المرجع يكون مضمراً لانه يقيم في موطن الذاكرة والخيال، او في الحقيقة التاريخية للانسان. فنص مسرحية فيلم اميركي طويل لزياد الرحباني مثلاً يحيلنا كل فيلم اميركي طويل على الخشبة. والمسيحي والمسلم والارمني يمثلون شخصياتهم فيها، ولكنهم في واقع الامر يحيلوننا على اشخاص خارج المسرحية؛ اشخاص حقيقية تعيش حقيقة تاريخية في المجتمع اللبناني. لهذا نجد ان اشارات العرض بما فيها الاشارات الشفهية لها شحنتان سيميائيتان: فمن زاوية تحمل معنى اقل من المعنى الذي سجله المؤلف بما ان مراجع النص المكتوب وهمية. وتشترك من زاوية اخرى مع المعنى الذي يريد المخرج ارساله بما ان المراجع اشارات مسرحية. هاتان الشحنتان لا تتطابقان بالضرورة. قد تقترب الواحدة من الاخرى حين يخفف العرض من تأثير الاشارات الكتابية على الاشارات الشفهية، وقد تبتعد الواحدة عن الاخرى حين تطغى الاشارات الكتابية على ما عداها. هناك نقطة يجب الا تفوتنا وهي ان اختيار فضاء المسرحية بمكانها يحدد للمخرج حرية الانطلاق في عملية النزوع المسرحي. وهنا يصبح النص عرضاً... هنا يحيا المسرح ثانيا؛ اذ تستثمر المسرحية عناصر هذا الفضاء المعطى فتخلد بأن تصبح دائماً مختلفة. الملحوظة الثانية: تسيطر الاشارات الشفهية في عبورها من النص الى الخشبة على عمل الاشارات الاخرى لانها تحول المدلولات الجامدة على الورق الى مدلولات حية بأصواتها واشاراتها... ثم انها تندمج (اي الاشارات الشفهية) بالضرورة في غيرها من الاشارات التي تستطيع بحضورها ان تخل بالنظام المدرج للمسرحية ومن ثم ان تلغي او تبطل المراقبة التعبيرية. فنبرة صوت مرموزة كتساؤل او سخرية في نسقها النصي الخاص، وحركة مرموزة كانكار في لغة الجسد، قد تغير او تقلب معنى نص اخرج في المسرح. مثلاً: هي: ماذا تريد ان تقول؟ هو: انني احبك/ انني احبك؟/ انني احبك (مستهزئاً)/ انني احبك (واشارة نفي من الرأس). فهكذا حركات، قد لا تغير محورية النص وتمنع الانسجام. ولكنها ان اتت منسجمة مع الوقفة المسرحية قد تؤكدها وتدعمها. مثلاً: هي: ماذا تريد ان تقول؟ هو: انني احبك (يأخذ بيدها ويقبلها). (ولكن يجب الا تكون هذه الحركات مغالية ومكثفة حتى لا تأخذ مفعولاً عكسياً وتقتل الانسجام). هذه التفاعلية بين النص والممثل هي الطاقة الديناميكية الرئيسة للنزعة المسرحية. واحياء النص على الخشبة هو اصل المسرح. وبقراءتنا مسرحية او ترديدنا لكلماتها نتخيل نمطية عرضها. وان غيرت مخيلتنا بعض الاشارات الا اننا لا نعمل على تغيير لامعنى المعطى بالرمز اللساني. وهكذا فان المدرج المناسب للاخراج يقابل الكلام بفعالية الصوت والاشارات والملابس والاضواء.. بطريقة تجعل مرجعية الكلام واحدة ان لشخصية الممثل او للمتفرج. والمخرج بخلاف القارئ او المشاهد يستطيع تحويل المعطى بالرمز الشفوي لضرورة يتوخاها. الملحوظة الثالثة: ان تحول الاشارات الشفهية يعرض النص لمزالق عديدة لا سيما من ناحية التماسك؛ لان هذا التماسك يختل حالما تنضم الى كلمات النص اشارات غريبة عنه. وهذه الغرابة تحرف المعنى المعطى للكلمات في الاصل.. في النص. وبما ان العرض يتطلب نوعاً من التماسك، فان كل تغيير لمعنى وحدة من وحدات النص يمكن ان يحدث سلسلة من التغييرات قد تكون خطيرة. وهناك ثلاث نقاط تدخل في هذه العملية: 1 صفات او تحولات جوهرية تؤثر على النص (سلباً ام ايجاباً)، 2 درجة التماسك المطلوبة في العرض. 3 درجة تماسك النص. والنقطة الثالثة تهمنا اكثر من غيرها لانها المعيار الذي على اساسه تكتب المسرحية ويبنى المسرح. يبنى النص المتلاحم مثل تقنية يدخل فيها كل شيء باندماج عفوي من دون ان يشعر المشاهد بان هذا الاندماج قسري او ظاهري. واذا كان من ضرورة لتغيير عنصر ما فيجب ان تماشي العناصر الاخرى كلها ما تغير، والا نكون قد وقعنا في انزياح عام لمجرى النص، وسلبنا المعنى المرجعي الاصلي للكلام من اجل شيء آخر. وهكذا نصل الى القول ان توهج مسرحية ما يكمن في طاقاتها الجاذبة من خلال التحولات السيميائية. وهذا يتعلق بدرجة التماسك في النص واستخدام الرمز اللساني. فالنزعة المسرحية تظهر عندما ننتقل من النص الى الخشبة التي تلزم حرية المخرج بسيرورته. جمال حسين زعيتر (ليون فرنسا)