As Safir Logo
المصدر:

الفترة الحرجة.العراق بعد صدام حسين(1):الهاشميون قادمون والسعوديون خائفون!

المؤلف: الريس رياض نجيب التاريخ: 1995-09-04 رقم العدد:7176

»إن البلاد العراقية (...) ينقصها اهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملّية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها. لذا يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين اقوياء مادة ومعنى، غير مجلوبين لحسيات او اعراض شخصية او طائفية او متطرفة. يداومون على سياسة العدل والموزانة والقوة معاً، وعلى جانب كبير من الاحترام لتقاليد الاهالي«. الملك فيصل الأول بغداد 15 آذار 1932(*) إذا تعاملنا مع الحدث العراقي كرواية بوليسية، او مسلسل تليفزيوني اميركي شبيه ب»دينستي«، او كفيلم هندي طويل، ربما أمكنا أن نفهم بشيء من العقلانية مجريات الامور في بغداد اليوم. اما إذا تعاملنا مع ما تحمله الاخبار يوميù من روايات اغلبها كاذب وكلها متناقض، عما يحدث عند قمة السلطة في العاصمة العراقية، وكأنها حقائق موضوعية صادرة عن نظام ديموقراطي ذي صدقية، مفتوح وقابل للمساءلة، فإننا لا بد أن نقع في المحظور. وهو الخلط بين ما نريده ان يحصل وبين ما هو حاصل فعلا. لكن الامور ليست بهذه البساطة. فالذي يزيدها تعقيدù هي الادوار الكثيرة والمتعددة التي يتهيأ لها مجموعة لاعبين من الجوار القريب والبعيد لبغداد، استعدادا او دفعا لاحتمالات التغيير المرتقب في العراق، منذ ان هرب صهرا صدام حسين الى عمان في 8 آب 1995. هذه الادوار التي تحمل مجموعة تساؤلات ليست سوى محطات لترسيم معالم نظام العراق الجديد الذي يسعى مختلف اللاعبين للحصول على دور او حصة فيه. مما لا يقبل الشك ان اهم واخطر الادوار في هذه المرحلة الآنية من التطورات العراقية، هو الدور الاردني واهم اللاعبين هو الملك حسين. ولا يحتاج المتابع الى الكثير من الخبرة ليدرك ان ما حدث في الاسابيع الاربعة الاخيرة في العاصمة الاردنية سيعود بكثير من »المنافع« على العاهل الاردني. فمنذ ان رفع الملك سماعة التليفون ليخبر الرئيس الاميركي بيل كلينتون ان صهري الرئيس العراقي صدام حسين، حسين كامل وشقيقه صدام، ومعهما زوجتاهما رغد ورنا، وثلاثون شخصا من الانصار والاتباع قد وصلوا عمان وطلبوا اللجوء السياسي الذي منحه لهم، حتى اعلن الرئيس الاميركي استعداد بلاده الفوري لحماية الاردن. من ماذا؟ من هجوم عراقي محتمل عليه. بعد هذا التليفون، او ربما قبله، ما كاد الملك يتصل برئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين ليحيطه علما بالموضوع نفسه، حتى كان وزير داخليته موشي شاحال يعلن ان بلاده على استعداد للقيام باللازم دفاعا عن الاردن، »وبسرور كبير«(1). خلال هذه الاتصالات، قبلها او بعدها بأيام، سرعان ما يجتمع الملك حسين بشمعون بيريز وزير الخارجية الاسرائيلية في العقبة في 26 آب 1995، ويصرح الاخير ان الاردن واسرائيل متفقان »على ضرورة انضمام العراق مستقبلا الى مسيرة السلام الاقليمية بعد رفع العقوبات الدولية المفروضة عليه«. ثم يصل الى عمان على عجل رئيس المخابرات السعودية الامير تركي الفيصل، ليجتمع بالصهر الفار بعد ان اجتمع بالملك طالبا الاذن بذلك، وبلاده بالكاد استقبلت قبل اسبوع واحد تماما وزير الخارجية الاردنية عبد الكريم الكباريتي. اما شقيقه الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية فلم يتردد في تلك المناسبة من ان يقول للصحافيين في مطار الرياض بشيء من التعالي، ان الوزير الاردني هو الذي طلب الحضور الى السعودية. اي انه جاء من غير دعوة(2). كل ذلك في الوقت الذي كان الكباريتي يحاول ترميم العلاقات المتصدعة بين بلاده والسعودية منذ ازمة حرب الخليج الثانية، وان يجمع بين مليكه والملك فهد، الرافض الاجتماع بالحسين لخمس سنوات خلت. فجأة انقلب كل ذلك بعد وصول »الداماد« العراقي(3)، واصبحت عمان قبلة الاهتمام السعودي. ولم يمض يوم آخر، حتى هبط محققو وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية الى العاصمة الاردنية، ليغوصوا في كنز الاسرار التي حملها معه حسين كامل من بغداد، وهو الذي كان مؤتمنا على اهم الخزائن في بيوت صدام ودولته. وتبعهم مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط روبرت بيللترو، الذي حمل للملك مجموعة اقتراحات وعروض، تبدأ بتزويده بالنفط الكويتي بدل النفط العراقي اذا اغلق حدوده مع العراق وتمر بالضغط على الدول الخليجية لاعادة العلاقات معه، وتنتهي بالحماية العسكرية الاميركية والمناورات المشتركة. ومنذ ذلك اليوم »الاغر« عند الملك حسين، والوفود من كل الاطراف لم تنقطع عن زيارة عمان لعلها تجد عند حسين كامل ما يفيدها. »والملك السعيد« المتربع على عرشه منذ 43 سنة في هذه المملكة الصحراوية الصغيرة، يستقبل الضيوف ويعد الولائم ويعيد ترتيب الكراسي الموسيقية في الحلبة السياسية الخارجية، ويحسب المغانم الجديدة المنتظرة، خاصة اذا عاد الاميركيون والسعوديون واحبوه من جديد. ويعد النقاط التي كسبها منهم في ايام، بعد ان اضاعها في سنوات. ولا شك ان الملك حسين ينتابه شعور هذه الايام، بأنه ما زال اللاعب المحترف الاول واللاعب الامهر. لا سيما في وجه نظرائه السعوديين والكويتيين والخليجيين. لكن قبل البدء في طرح الكثير من التساؤلات عن الدور الاردني، هناك غموض يلف موضوع يطل برأسه بخجل بين مجموعة المواضيع المتداولة على بساط البحث نتيجة للتطورات العراقية. هل الهاشميون قادمون الى العراق، وهل هناك مشروع بعودة الملكية الى بلاد الرافدين؟ هذا هو السؤال الذي لم يطرح بعد. اعرف أن هناك شبه اجماع بين العراقيين بمختلف اتجاهاتهم وولاءاتهم، بأن النظام الحالي في العراق، نظام ميؤوس من تعديله او اصلاحه او تهذيبه. ولكنني لا اعرف اذا خيّر العراقيون بين استمرا صدام حسين في الحكم، او اقتتال شعبي بين انصار النظام واعدائه ثمنا لرحيله، او حرب اهلية بين سُنّة العراق وشيعته واكراده قد تؤدي الى تكريس تقسيمه، وبين عودة العرش الهاشمي الى بغداد، (ولو كان في هذه العودة حماية لبلاد الرافدين من الانزلاق الى مهاوي الخيارات الآنفة الذكر والتي احلاها مر)، انهم سيختارون الهاشميين بديلا. موضوع عودة العرش الهاشمي الى بغداد على انقاض صدام حسين ونظامه ليس مطروحا بأي شكل رسمي او علني، اللهم إلاّ همسا خجولا في بعض اوساط العراقيين، من معارضين او صامتين، وفي طموحات واحلام بعض الاردنيين من بقايا الثورة العربية الكبرى. ولكنه موضوع مطروح جديا في ذهن الملك حسين شخصيا، كما جرى التلميح إليه في خطابه الاخير في 23 آب 1995، والذي كان بحد ذاته وثيقة خطيرة تعيد ترتيب السياسة الاردنية الجديدة حيال العراق. كذلك هو موضوع مطروح في احتمالاته في اذهان السعوديين بالدرجة الاولى ومن ثم الكويتيين، من ناحية التصدي له بكل وسيلة ممكنة، خوفا من ان يتوسع الحديث فيه ويصبح بديلا جديا عند الاميركيين والغرب، فيبدأون بدراسة احتمالات قيامه، وخاصة كلما ازدادت الاوضاع في العراق انهيارù، وكلما تفاقمت الخلافات بين الاطراف العراقية الكثيرة حول البدائل لنظام صدام. مما لا شك فيه ان هذا الموضوع يشغل الملك حسين، وإن كان ذكاؤه السياسي يمنعه من التصريح به مكتفيا بالتلميح إليه من بعيد. فعين الملك حسين الواحدة مركزة على الواقع السياسي المعيوش على الارض العراقية والدوائر العربية والاجنبية المحيطة بها، وعينه الاخرى على التاريخ. تاريخ الهاشميين وتاريخ العراق. لذلك استبق الملك حسين في خطابه سوء الظن التقليدي بقوله: »وقبل أن يتجه فكر أي انسان أن لي في العراق مطمعù، يهمني ان اؤكد للجميع بأنه لا مطمع لي«. ولكن سرعان ما يقفز إلى الفقرة التالية من خطابه ليذكّر الجميع بعلاقاته الاسروية والتاريخية مع العراق مبررù ما سبق بجملة اعتراضية: »اقول هذا لأنه قد يخطر على بال احد بأنني ربما ابحث عن موقع كنت فيه يوم استشهد رفيق صباي فيصل الثاني بن غازي بن فيصل بن الحسين. فقد كنت نائبه ووريثه في رئاسة الاتحاد العربي الذي ضم الدولتين (العراق والاردن)، وقد رحل وهو بعد في بواكر انطلاقته، ضحية تآمر كل القوى المعادية داخل الوطن العربي وخارجه«. ثم ينزلق الملك حسين في الجملة التي ترد بعد هذه مباشرة، وهو الذي نفى ان له مطمعù في العراق، الى التذكير بدور الهاشميين في الحفاظ على لُحمة العراق بقوله: »لقد تركنا الشعب العراقي الشقيق ان يختار طريقه ويعيش تجربته، وتمنينا أن لا ينفرط عقده الذي جمعه الهاشميون سُنّة وشيعة، عربù واكرادù، وكل عناصر نسيجه الوطني« (4). وكأنه يلوّح للعراقيين بأنهم في العودة الى التاريخ القريب، يدركون ان وحدة العراق وتآلفه قد حققها الحكم الهاشمي طوال 37 سنة. وكأنهم مدعوون اليوم، ان ارادوا، للعودة اليه. وفي تلميح الملك حسين بأحلامه العراقية، قوة تفوق التصريح، وتأكيد لطموحات عودة العرش الهاشمي الى بغداد، يتجاوز اي نفي مباشر. لذا فان في هذا الخطاب التاريخي الخطير ما يشكل مدخلاً الى فهم الدور الاردني من التطورات الحاصلة حاليù في العراق. أن يختار العراقيون، وسط تخبطهم السياسي الحالي، عودة العرش الهاشمي الى بغداد، ليس هو المسألة حاليù. فالموضوع لم يصل الى مرحلة النضج حتى الان، بل امامه عشرات العقبات التي لا يمكن تخطيها بسهولة. مع ذلك، يلجأ العراقيون الى مناقشته في اوساطهم السياسية بكثير من الجدية، وهم يبحثون في البدائل المطروحة عند سقوط صدام، وما يمكن ان يحدث بعد ذلك من انهيارات في الدولة العراقية. ويبدو ان اكثر المتحمسين لايجاد صيغة هاشمية للعراق المقبل هم الاكراد، فالزعيمان الكرديان مسعود البرازاني (الحزب الديموقراطي الكردستاني) وجلال الطالباني (الحزب الوطني الديموقراطي الكردستاني) يتمتعان بعلاقات ودية مع الملك حسين، ويلتقيان به بين وقت وآخر. والحماس الكردي لفكرة عودة العرش الهاشمي الى بغداد، تعود بالدرجة الاولى الى عدم وجود اي ثقة لديهم في ان الحاكم العربي المقبل للعراق، لن يتراجع بعد فترة في الحكم، كما فعل كل الحكام العرب الذين سبقوا صدام، عن ما اتفق عليه من اعطاء الاكراد حقوقهم من حكم ذاتي داخل الجمهورية العراقية، مع كل ما يحمل ذلك لهم من مطالب في التعددية الثقافية والحريات السياسية. ولا يخفي بعض السياسيين الاكراد رغبتهم العارمة في عودة الملكية الى العراق تحت لواء الملك حسين وتحقيق حلم »المملكة العربية المتحدة« في حكم العراق والأردن (5). ولا يقتصر هذا الامر على الاكراد، بل انه تمّت مفاتحة الملك حسين بهذا الأمر مراتٍ عدة، من قبل مجموعة زعماء يمثلون بعض عشائر السنّة في العراق كلما زاروه وهم في طريقهم من بغداد الى عمان. كذلك يعتبر اغلبية الشيعة العراقيين من غير المرتبطين بايران، الذين يتمتعون بعلاقات طيبة مع الملك حسين، بأن بينهم وبين الهاشميين »قربى دينية«، وصلة روحية ليست بينهم وبين حاكم آخر في العراق، وبالتالي لا يمكن ان يتعرضوا على يد ملك هاشمي، الى ما تعرضوا له من اضطهاد على يد حاكم العراق السني. ويذكرون كيف كان دورهم رئيسيù ومكانتهم مرموقة، سياسيù واقتصاديù، في النظام الملكي، من فيصل الاول الى غازي الى عبدالإله حتى فيصل الثاني. وهذا ما يعزز البعد الشيعي العربي ويوقف التأثير الايراني الذي استفحل في عهد صدام. وللملك حسين علاقات متينة مع عدد من المؤسسات الشيعية، اهمها مؤسسة الامام الخوئي (في لندن وسواها). وقد انشأ بتمويل من هذه المؤسسات وبعد حرب الخليج: الثانية مباشرة، »جامعة آل البيت« في الاردن، التي يؤمها عدد كبير من الطلبة الشيعة من مختلف انحاء العالم العربي. ويلتقي السنّة مع الشيعة في ان البيت الهاشمي يوفر الحماية للطرفين، بكونه حكمù اكثر من صفته حاكمù. وتتدارس مجموعات عراقية في ما بينها، احتمال عودة الملكية الى العراق. لأن ذلك في رأيها سوف يحل الاشكال الذي سينتج حتمù عند ذهاب صدام. وهذه العودة الحل ستتبلور صيغها في قيام ملكية دستورية ضمن اتحاد كونفيديرالي بين العراق والاردن، شبيه بصيغة »دولة الاتحاد العربي« التي كانت قائمة قبل ثورة 1958، عندما كان فيصل الثاني ملك العراق رئيسها والحسين ملك الاردن نائبه. وهم يرون في هذا الاحتمال امرين مفيدين: الاول، في انه يوفر افضل مخرج للعراق من صراع دموي على السلطة لا بد وان يحصل بعد غياب صدام، وخاصة اذا كان خروجه قد تمّ عن طريق العنف، وليس هناك بديل متفق عليه بين الأنصار في الداخل والمعارضة في الخارج. وهو حل كما يرى البعض، ستقبل به الاطراف العربية المعارضة للهاشميين اذا وجدوا انه الوحيد الذي يصون وحدة العراق الحالي ويوقف الانهيار المتوقع عند لحظة التغيير. وان كان يرى بعض هؤلاء العراقيين في اختيار الهاشميين حكمù جديدù للعراق، امرù قد يكون مرحليù، يمكن الانقلاب عليه في حال فشله او عند تغير الظروف. الامر الآخر، ان النظام الملكي المقيد دستوريù يمكن ان يوفر للعراق حكمù ديموقراطيù منضبطù على نموذج الاردن وعلى غرار ما يمارسه الملك حسين في الاردن حاليù. ذلك ان اغلب هؤلاء العراقيين يدركون في قرارة انفسهم ان قيام حكم ديموقراطي حقيقي منفتح على التعددية السياسية والحياة الحزبية والحريات الصحافية والاعلامية يقوم على احترام القانون وحماية حقوق الانسان، هو، ولفترة زمنية ستطول، من سابع المستحيلات الان في بلد كالعراق. لذلك فهم يرون في »النموذج الاردني« حلاً واقعيù مقبولاً لدى معظم العراقيين. وليس لدى العراقيين اي حنين لمجد الملكية التليد في بلادهم، واغلبهم من جيل لم يعاصرها. الا انهم يرون فيها صورة قد تعيد بعض الهيبة والاحترام للعراق في العالم، بعد حوالى اربعين سنة من البهدلة والشرشحة والسمعة السيئة والطفولة الثورية والمراهقة الحزبية والمغامرات السياسية والعسكرية التي دفعوا ثمنها اغلى بكثير مما دفعت شعوب اخرى مرت بظروف مشابهة في العالم الثالث. كما لا يوجد هاشميون كثيرون يتنافسون على العرش العراقي خارج دائرة الملك حسين شخصيù. فلم يعد من الفرع الهاشمي العراقي اي شخص ذي قيمة او وزن سوى الامير رعد بن زيد، ابن الامير زيد بن الحسين، الابن الاصغر لشريف مكة الحسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى، وشقيق الملك فيصل الاول، الذي كان نائبه عندما كان فيصل ملكù على سورية، ثم اصبح سفيره في لندن عندما اصبح ملكù على العراق. وهو الحفيد المباشر والوحيد الذي ما زال على قيد الحياة، لمؤسس الاسرة الهاشمية الحالية، الشريف حسين بن علي الذي اصبح ملكù على الحجاز وخادمù للحرمين الشريفين في العام 1917، وظل فيها الى ان تنازل عن العرش في العام 1924 لابنه الشريف علي، الذي اخرجه ابن سعود من البلاد بعد سنة من ذلك. اما الشريف حسين فقد نفاه الانكليز الى قبرص ومات ودفن فيها في العام 1931. والامير رعد يقيم في الاردن كأحد مستشاري الملك حسين منذ العام 1958، فهو نجا من مذبحة قصر الرحاب في بغداد التي تم فيها تصفية كل الأسرة الهاشمية عند قيام الثورة لأنه كان تلميذù في انكلترا في ذلك الزمن عندما كان والده سفيرù في بريطانيا. وليس معروفù عن الامير رعد ان له طموحات سياسية او انه يتعاطى بالشأن السياسي العام مباشرة. الا ان هناك مطالبù علنيù وحيدù للعرش الهاشمي في العراق، هو الشريف علي بن الحسين، والده الحسين بن ناصر من اشراف الاسرة الهاشمية العديدين الذين نزحوا من الحجاز بعد سقوطها بيد ابن سعود في العام 1924، ولم يكن لهم اي دور او قيمة سياسية في العراق او خارجه. الا ان ادعاءه الصلة بنسب الملك فيصل الثاني تعود فقط الى ان والدته هي شقيقة الامير عبداالإله، خال الملك فيصل الثاني، الذي كان وصيù على العرش بعد موت الملك غازي وحكم العراق قبل بلوغ فيصل الثاني سن الرشد. وبالتالي فهو ابن خالة الملك. ولم يُسمع احد بالشريف علي حتى سنتين خلتا حين عقد مؤتمرù صحافيù في لندن في صيف 1993، اعلن فيه مطالبته رسميù بعرض العراق، وادعى ان لديه أنصارù في الداخل وانه بصدد تشكيل حزب ملكي. وسخرت منه في حينه المعارضة العراقية بكل فصائلها، ولم يعد يسمح عنه شيئù. الى ان لجأ صهر صدام الى الاردن في آب 1995، وفجأة عاد اسمه الى الظهور في تصريحات صحافية اهمها ان »منافسه« على العرش، الملك حسين، »لن يتخلى عن صدام، وهو شخص لا يثق به احد في المنطقة«، وان »ايران واسرائيل وسورية والسعودية لن تسمح بقيام اتحاد بين العراق والاردن(6)«. واتضح انه على خلاف عائلي قديم مع الملك حسين، والشريف علي، المقيم في لندن، متزوج من سيدة عراقية شيعية من كربلاء، غادر العراق وله من العمر سنتان الى لبنان، وعاش فيه سنوات، حتى جاء لندن ودرس فيها الاقتصاد وعمل في احد المصارف، وقد روجت له وكالة الانباء الكويتية (كونا) تصريحاته مؤخرا كجزء من حملة الكويت لتصغير دور الملك حسين في التطورات العراقية الاخيرة، والاعلان ان ليس هناك »مطالب رسمي« بعرش العراق غيره، في حين ان بريطانيا ترعاه وتؤمن له التسهيلات، كجزء من سياسة الشعرة التي لا تقطعها مع احد، ولتقليص نفوذ الملك حسين، ومنع احتمال قيام وحدة مستقبلا بين الأردن والعراق. وليس من المعتقد ان الملك حسين يشعر بخطر هذه المنافسة، وهو الذي »ينفي« باستمرار اي مطامع له بعرش العراق. لكن اذا شط بنا خيال الاستشراف في سياق هذه الرواية، فإن العرش من نصيب الملك حسين شخصيا ما دام حيا. بعد ذلك يكون للتاريخ حديث آخر. لا مجال هنا للدخول في تاريخ الاسرة الهاشمية، الا انه من الضروري التذكير بشيء من التبسيط، بأن العراقيين بايعوا فيصل الأول ملكا عليهم في العام 1921، بعد سقوط الأمبراطورية العثمانية والاعلان عن اتفاق سايكس بيكو الذي اعطى العراق لبريطانيا، وبعد ان اخرج الفرنسيون فيصل من سوريا، وقد فرضت بريطانيا (إقرأ اليوم أميركا) فيصل ملكا عندما اختلف العراقيون فيما بينهم وكثر المتنافسون على العرش، وكان من أبرزهم السيد طالب النقيب. من ناحية اخرى ابتدعت بريطانيا، بعد فشل الثورة العربية الكبرى، امارة شرق الاردن في الفترة ذاتها، واعطتها للامير عبد الله (الملك فيما بعد) شقيق فيصل ومنافسه على العروش التي كانت معروضة آنذاك في العالم العربي. وعندما تحولت الامارة، فيما بعد، الى المملكة الاردنية الهاشمية التي جمعت فلول تلك الثورة التاريخية، ارادها الملك عبد الله ان تكون نواة الدولة العربية الواحدة (التي فشل ابوه واخوه في تحقيقها)، وليس كناية عن قطر صغير فقط. لذلك ظلت المشاريع الوحدوية امرا لصيقا بالسياسة الاردنية، انتقلت من الجد الملك عبد الله الى الحفيد الملك حسين(7). موضوع عودة الهاشميين الى بغداد يطرح مخاوف اطراف عدة عربية وغربية واقليمية، اهمها في هذه المرحلة المبكرة، الموقفان السعودي والكويتي اللذان كانا واضحين منذ الأيام الاولى للجوء »الداماد« العراقي الى عمان، فهذان الموقفان يشتركان في الرغبة في عدم الاعتراف بأي دور للاردن ومليكه في اي تغيير متوقع في العراق، ويسعيان الى حرمانه من ان ينال اي مغانم من هذا التغيير، بل يعمدان، كل لأسبابه الخاصة، الى تصغير شأنه وتحقير دوره في اي مسعى مقبل لاعادة تشكيل التحالفات الجديدة في المنطقة. ويجمع بين هذه الاسباب الحقد المشترك على موقفه من غزو العراق للكويت وحرب الخليج الثانية. وتتفرق هذه الأسباب عند عقدة الخوف السعودي من مطالبة الملك حسين الدائمة والمبطنة لاستعادة ملك اجداده الضائع في الحجاز ولم يمر عليه سوى سبعين سنة. والتي يعززها الملك حسين بين وقت وآخر، كان آخرها في العام 1993، ولم يمر على تحرير الكويت سوى ثلاث سنوات، عندما دعا الناس الى إطلاق لقب »الشريف حسين« عليه ومناداته به، تشبها وتيمنا بأجداده الهاشميين أشراف مكة والحجاز حتى العام 1924. وعندما احدث هذا الأمر انزعاجا شديدا لدى السعوديين، اغتنم الملك حسين زيارته الاولى للولايات المتحدة اثناء ازمة الخليج في ذلك العام ليؤكد امام الاميركيين في رسالة موجهة الى السعوديين، مفادها انه صحيح بأن الحجاز بلاد اجداده الهاشميين، الا انه لا مطامع له فيها، وانع معترف اعترافا كاملا بالوضع القائم وبالسيادة السعودية عليها. وعندما نقل الاميركيون هذا الكلام الى السعوديين، اعطى مفعوله العكسي، فازدادت ريبة وشكوك اهل الحكم منهم في نوايا ومخططات الملك حسين. والا لماذا يذكرها للأميركيين؟ اما الكويت فلم تنس ان اول من طالب بها واعتبرها جزءا لا يتجزأ من العراق وأقام إذاعة لهذا الغرض، وأعد لغزوها واحتلالها، لم يكن عبد الكريم قاسم في العام 1958، بل الملك غازي، ملك العراق، في العام 1937. ولم يردعه عن هذا العمل الا الوجود العسكري لبريطانيا في بلاد الرافدين وتهديد المندوب السامي البريطاني في بغداد. وعندما زحف صدام حسين بجيوشه نحو الكويت في آب 1990، كان يحقق بذلك طموحات حكام العراق الأوائل. لذلك لا يرتاح الكويتيون الى وجود هاشمي على رأس الحكم في العراق، وقد أثبت الملك حسين بالنسبة اليهم هاشميته بتأييده غزو صدام لبلادهم. لذلك يمارس الكويتيون تجاه الاردن اقسى حالات الازدراء المتعمد لبلادهم وملكهم. ولعل اطرف ما سمعته في هذا المجال، هو ما قاله لي سياسي عربي مؤخرا: »ماذا يريد الكويتيون من الملك حسين حتى يرضوا عنه؟ ان يشعل سيجارة اميرهم الشيخ جابر الاحمد الصباح، كما اشعل سيجارة اسحق رابين في احتفالات توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل«. فالرجل كان وما زال على استعداد تام لذلك، وقد اعلن قبل سنتين وفي اكثر من مرة في تصريحات صحافية، انه مستعد للاعتذار من الملك فهد ومن الاخوة الخليجيين، اذا شعروا ان الأردن اتخذ موقفا يمس بهم(8). اما التساؤلات عن الدور الأردني فما زالت تتراكم يوما بعد يوم، وكلها تصب في سياق البحث عن مخرج يؤدي الى الاشارات المتعددة للتغيير المنتظر في العراق. اما الملك حسين، فهو لا ينتظر بالطبع ان يدخل بغداد قريبا على حصان ابيض، انما ينتظر كلما تطلع الى صور اجداده الهاشميين، وهو على بعد قاب قوسين او ادنى من ممالكهم، من يذكره بقصيدة الشاعر الكبير بدوي الجبل الذي يقول فيها: »مسحت دمعي من ذكراهم بيد وأمسكت كبدي ألا تذوب يدُ«، هوامش (*) راجع كتاب السيد عبد الرزاق الحسني »تاريخ العراق الحديث« الطبعة الخامسة مطبعة دار الكتب بغداد 1982. (1) راجع جريدة »نيويورك تايمز« نيويورك، 17/8/1995. (2) راجع جريدة »هيرالد تربيون« باريس، 18/8/1995. (3) »الداماد« لقب تركي كان يطلقه العثمانيون على الاشخاص الذين يتزوجون من بنات او قريبات السلطان. ويعني صهر السلطان. (4) راجع النص الكامل لخطاب الملك حسين في جريدة »القدس« لندن، 25/8/1995. (5) راجع مقالة السياسي العراقي نبيل الجنابي في »الحياة« لندن، 19/8/1995. (6) راجع جريدة »الغارديان« لندن، 26/8/1995. (7) راجع كتاب الحسني المشار اليه أعلاه. (8) راجع فصل علاقات الجوار في كتاب رياض نجيب الريس »رياح السموم السعودية ودول الجزيرة بعد حرب الخليج 1991 1994« شركة رياض الريس للكتب والنشر لندن وبيروت 1994.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة