القاهرة عمرو ناصف: بدأت الأحزاب والنقابات ومنظمات وهيئات حقوق الانسان بالاضافة الى العديد من المثقفين المصريين، مشاورات أولية للاتفاق على إعلان يوم حداد عام في مصر على الشهداء من أسرى حربي 1956 و1967، الذين قتلوا غدرù بأيدي جنود إسرائيليين، والبالغ عددهم حسب ما تكشف حتى الآن 1049 شخصù. وتأتي هذه المبادرة في ظل تصاعد حدة الغضب في الشارع المصري المطالب بثأر حده الأدنى وقف كل أشكال التعاون والتطبيع مع العدو الاسرائيلي، والساخط على حالة الهدوء التي يحرص عليها المسؤولون المصريون في تعاملهم مع القضية. ومناخ الشارع المصري يظهر انطباعا بأن الحديث عن الاتفاقات الدولية مضيعة للوقت وتمهيد للدخول بالقضية في دهاليز التمييع والتسويف، ولذا فإنه يأبى الدخول في جدل عن معاهدة جنيف الثالثة. وعلى حد تعبير بائع صحف في حي السيدة زينب: »محدش من بتوع جنيف قلبه إتحرق على أخويا لما اندبح في 1967«. ويحاول المسؤولون المصريون العثور على صيغة موقف يعالج القضية من دون أن يفجر العلاقات مع إسرائيل. فالرئيس حسني مبارك أكد في لقائه مع طلبة جامعات مصر في منتصف الأسبوع الماضي ان قضية مذابح الأسرى لا تسقط بالتقادم، لكنه قال في حديثه لهيئة الاذاعة والتلفزيون الألمانية (دويتيش فيلا) يوم الخميس الماضي ان هذه القضية لن تؤثر على العلاقات المصرية الاسرائيلية. وقال وزير الخارجية عمرو موسى في عمان، أمس الأول، انه لا يمكن التسامح تجاه مذابح الأسرى، وأن مصر تطالب باتخاذ الاجراءات اللازمة في إطار معاهدة جنيف الثالثة، وأنها تتابع الموضوع بجدية وحرص على وضع الأمور في نصابها وعقاب من ارتكبوا هذه الجرائم. كما أعلن مدير مكتب الرئيس للشؤون السياسية أسامة الباز لمجلة »روز اليوسف« في حديث ستنشره في عددها الصادر اليوم، ان مصر لم تلجأ حتى الآن الى جهات دولية للتحقيق في هذه المذابح، وأن الخطوة الأولى في هذا الشأن هي الضغط على إسرائيل لاجراء تحقيقات مع مرتكبي هذه الجرائم لتسجيل الحقائق كاملة، وخاصة أن الجانب الاسرائيلي ما زال يملك المعلومات المتعلقة بمن ارتكبوا هذه الجرائم. وأكد الباز على أن الحكومة الاسرائيلية الحالية تتحمل المسؤولية كاملة وفقا للقواعد السياسية الشهيرة وأن مصر من حقها أن تحصل على ضمانات بألا تتكرر جرائم كهذه في أي وقت وتحت أية ظروف، فضلاً عن الحصول على تعويضات عادلة لأهالي الأسرى المصريين الذين تمّ ذبحهم. لكن أيù من موسى أو باز لم يأتِ على ذكر حق مصر في محاكمة المجرمين على أراضيها ولا على صيغة »الاعتذار« الاسرائيلي ولا »حجم« التعويضات، ولا الفترة الزمنية التي يجب الانتهاء فيها من القضية، الأمر الذي عكس انطباعا لدى الجميع بعدم الجدية. وتتسابق الصحافة المصرية، بشقيها »الرسمي« و»الحربي« في توسيع مساحات النشر لإعادة تسليط الأضواء على إرهاب إسرائيل وإجرامها والمذابح التي نفذتها بحق الأسرى والمدنيين العرب. تلك الأضواء التي كانت قد خفتت منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل وعلى الأخص في الصحف الرسمية. وإذا كانت الصحف قد اشتركت في نشر شهادات لضباط وجنود شهدوا على جرائم الحرب والمذابح التي نفذتها إسرائيل بحق المصريين من مدنيين وعسكريين في حربي 1956 و1967، فإن تباينا ملحوظا ظهر في الموقف النهائي الذي ترى هذه الصحيفة أو تلك ان على مصر اتخاذه، وتراوحت المواقف بين طلب الاعتذار والتعويض كما قالت الصحف الرسمية، وبين تصميم على محاكمة المجرمين على أرض مصر ومطالبة إسرائيل بتعويضات مناسبة كما قالت »الأهالي« لسان حال حزب التجمع وصحيفة »الوفد«، أو القطع الفوري لكل العلاقات المصرية مع إسرائيل وإعلان حالة الحرب من جديد كما نادت صحف »العربي« لسان حال الحزب الناصري و»الأحرار« و»الشعب« لسان حال حزب العمل والإسلاميين. ويرى المراقبون أن الصيغ المتعددة لتناول القضية وإن كانت متباينة في الموقف النهائي، إلا أنها تؤيد تماما الرأي القائل بأن معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية مجرد حبر على ورق وأن جهود الساسة وأصحاب المصلحة على مدى 18 سنة لم تفلح إلا في التورية على براكين الكراهية التي يكنها الشعب المصري لاسرائيل، وأن ما يقال أو يكتب يوميا في مصر يعطي انطباعا بأن قرقعة الصواريخ والمدافع ما زالت تدوي فوق الجبهتين الغربية والشرقية. ويضيف المراقبون ان الخلل الوحيد المعيق لصياغة معادلة العلاقات المصرية الاسرائيلية آت من الحكم الذي يصف قتل الاسرائيليين للأسرى المصريين بالجريمة ويصف أي عملية فدائية ضد الصهاينة في الأرض المحتلة أيضا بالجريمة. ويقول إن مصر لا يمكن أن تسكت على حقها في قضية المذابح، وأنها في الوقت نفسه لا يمكنها الخلط بين هذه القضية وبين التزام مصر المبدئي بالسلام كخيار استراتيجي وحضاري. كما أن الصحافة الرسمية تتناول إسرائيل بأوصاف الاجرام والنذالة والحقارة والارهاب وهو أسلوب لا يمكن الخوض فيه على صعيد الاعلام المصري من دون أن يكون هناك ضوء أحمر من الحكم الذي تؤكد رموزه على أن الحرب مع إسرائيل ذهبت إلى غير رجعة واتهمت من وصفهم مبارك بأعداء السلام بأنهم مدفوعون من أنظمة خارجية. »دبابة الموت« من جهة أخرى (أ ف ب)، نشرت »الأهرام« الحكومية، أمس، شهادات لناجين من »دبابة الموت« أظهرت أن أسرى مصريين سحقوا تحت جنازير دبابات إسرائيلية في حرب 1967. وأكد محمد عمران، الذي أسر في سيناء في العام 1967، واقتيد الى معسكر بئر السبع في صحراء النقب انه أرغم مع حوالى مئة من رفاقه الأسرى على الانبطاح أرضا مكتوفي الأيدي. وقال محمد (49 عاما) مستعيدا ذكريات مرة مضى عليها 28 سنة »وبعد لحظات معدودة تسير الدبابة فوق هذا الطابور البشري فتدفنه وسط الرمال ملطخا بدمائه«. وأوضح انه »وقبل أن تصل دبابة الموت إليَّ بخمسة أفراد أمرت بالتوقف«. واستعاد الرقيب أول في مدفعية الطيران عبد السلام عيسى، الذي أسر في قاعدة العريش (شمالي سيناء) الجوية، شريط الذكريات في معسكر العريش الذي اقتيد إليه وقال »ما زلت أذكر ذلك المشهد الرهيب الذي راح ضحيته أكثر من مئة أسير بين عسكري ومدني«. أضاف عبد السلام أن الاسرائيليين صنفوا الأسرى »جماعات جنودا وحرفيين وضباطا وضباط صف وقادة« و»ما إن اصطف الجنود البسطاء وبينهم العمال المجندون في الخدمات الحرفية بالمطار حتى تقدمت المجندات الاسرائيليات وفتحن عليهن رشاشاتهن«. وأشار الى ان المجندات كنّ »يتسابقن في دقة التصويب«. وأكد ان »هذا المشهد تكرر أكثر من مرة« خلال الأيام الثلاثة التي قضاها في معسكر العريش قبل أن ينقل الى معسكر »عتليت« في شمالي فلسطين المحتلة »وخاصة لضباط وجنود الصاعقة الذين كانوا يتعرفون عليهم من ملابسهم وبنيانهم الجسدي«. وأشار إلى أن الاسرائيليين كانوا يأمرونهم بدفن الضحايا »بملابسهم من دون أن يسمحوا لنا بأن نقيم الصلاة قبل دفنهم«. وأكد إسماعيل إبراهيم ان المسؤولين الاسرائيليين أخبروهم في معسكر »عتليت« ان الجيش الاسرائيلي دخل القاهرة »وعندما ثار بعضنا مكذبين هذا الخبر كان الرد فورا رميù بالرصاص«. أضاف »كان من نصيب بعضنا دخول غرف التبريد لمدة عشرة أيام وخرج البعض فاقدù للبصر وتوفي البعض الآخر داخلها«. وقالت »الأهرام« ان السؤال الذي أجمع عليه الثلاثة هو »أين كانت حكوماتنا طول هذه السنوات ولماذا سكتت على هذه الجرائم برغم أننا كتبناها في تقارير فور عودتنا من الأسر«.