As Safir Logo
المصدر:

التاريخ اليهودي،الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة(ترجمة صالح علي سوداح،راجعه فرج ألله صالح ديب)

المؤلف: شاحاك اسرائيل التاريخ: 1995-08-25 رقم العدد:7168

لا نغالي اذا قلنا ان هذا الكتاب محطة بارزة في فهم حقيقة الديانة اليهودية المعاصرة القائمة على تفسيرات حاخامية مفعمة بالعنصرية، ومحطة بارزة في بداية نقد الفكر الديني اليهودي، فالكاتب يهودي مقيم في القدس وانه يسدد النقد من داخل الوعي اليهودي ومن داخل المجتمع الصهيوني المبني على هذه العنصرية الدينية. شغل منصب استاذ كيمياء، بعد ان جاء فلسطين من وارسو عام 1945، كما اهتم خلال سنوات الاحتلال بانتهاك اسرائيل لابسط حقوق الانسان، ونشرت حوارات معه في مجلة »شؤون فلسطينية« اعوام 74 و79. قبل عرض فصول الكتاب، نشير الى ان اليهودية المنتشرة لدى الجماعات الدينية المتعددة في اسرائيل مبنية عن شروحات الحاخامين (الحكماء بالعربية) لكتب التلمود (التلميذ بالعربية) التي هي بدورها، اي كتب التلمود تفسير وشرح للتوراة (اي الرسالات). وبالتالي يستغرب الكاتب الرأي الساذج المنتشر في الفكر المسيحي الغربي (والاسلامي ايضاً) الذي ما زال يعتبر اليهودية المنتشرة اليوم ديانة توحيد سماوي، فيما الآلهة المتعددة والخاصة والمتناقضة تتوزع الجماعات الدينية الحاخامية. وأبسط اشكال العنصرية نجمع عناوينها من ثنايا فصول الكتاب وهوامشه ومنها: 1 على اليهودي ان يحرق كل انجيل يقع بين يديه. وقد احرقت الاناجيل بصورة احتفالية في القدس عام 1980. 2 على اليهود البصاق كلما لمح صليباً. 3 كل امرأة غير يهودية تعتبر زانية. 4 المسلم والمسيحي والكلب والخنزير مصادر النجاسة. فاذا صادفت مثلاً، امرأة يهودية عائدة من حمّام التطهير اي من هؤلاء الاربعة، فانها تتنجس، وبالتالي عليها التطهر مجدداً. 5 المسيحيون مصيرهم في جهنم حيث يغلون بالغائط. 6 كلمة يسوع شتيمة تعطى معنى في العبرية الإيد تشية السائدة: (ليمسح اسمه وذكره). لذلك كانت الجماعات الدينية في اسرائيل تردد: ناصر يسوع، عرفات يسوع. 7 كل غير يهودي كافر وثني وبمثابة العبد. هذه المفاهيم العصبية، تفسر لنا بعض الاضطهاد الذي كان يلاقيه يهود الغيتو (حارات اليهود المغلقة) في اوروبا قبل الثورة الصناعية. اليهودي واليوتيبيا »اليوتيبيا المغلقة« عنوان الفصل الاول. فالكاتب عام 1966 اثار في الصحف رفض احد اليهود استخدام هاتفه يوم السبت لطلب سيارة اسعاف لنقل مريض غير يهودي. وكانت السخرية من المحكمة الدينية، بان انتهاك حرمة يوم السبت تتم قط في حال تعرض اليهودي للخطر. ويعلق الكاتب: »في داخل اسرائيل وخارجها، يبحثون عن اللاسامية (اي التعصب ضد اليهود) ولا يبحثون عن تعصب اليهود ضد كل من هو غير يهودي«. لذلك »فان اسرائيل خطر على نفسها وعلى سكانها ومحيطها. واعتمادها الايديولوجيا اليهودية ضد غير اليهود وضد معارضي هذه الايديولوجيا يسقط اسطورة الديمقراطية«. ثم يسأل الكاتب عن معنى اليهودي والمواطن في اسرائيل، ويفسر لنا ان المواطنية العنصرية المطبقة عرقية تطهيرية. »فاسرائيل تعود لاشخاص تعرفهم السلطات انهم يهود حيثما وجدوا. فاذا تهودت مجموعة من احدى قبائل البيرو يحق لها الانتفاع بأراضي الضفة الغربية الممنوعة على الفلسطينيين«. اي ان المواطنية وحقوقها ترتبط بالتدين. كما ان تعريف اليهودي غير واضح. فالتعريف الرسمي: »ان تكون امه او جدته لامه او جدة امه يهودية او اذا تحول الى اليهودية بأسلوب ترضى عنه سلطات الحاخامين«... والاسلوب الصحيح مثلاً بالنسبة للانثى المتحولة الى اليهودية، »ان يعاينها ثلاثة من رجال الدين وهي عارية تماماً في حمام التطهير« وهذا الطقس غير معروف في الاعلام الخارجي. وهذا التعريف، يمنع الاقامة والعمل والمساواة امام القانون لكل من هو غير يهودي، ويمنح لكل يهودي في الخارج. وبناء على هذا الاعتقاد فان الارض التي وعد الرب بها ابرام بين الفرات والنيل حسب زجليات التوراة، هي ارض مستردة لليهود. وبالتالي »لا يسمح ببيع ارض لغير يهودي، فيما يتم »الضغط والتشجيع لشراء الارض من غير اليهود بواسطة الشرطة السرية والصندوق القومي اليهودي«. وهذا عين ما حصل ويحصل في القدس ومحيطها من اقتلاع ونفي للمسيحيين خاصة. التوسعية والارض الموعودة »ان الخطر الاساسي الذي تشكله اسرائيل كدولة يهودية على شعبها، وعلى الآخرين وجيرانها، هو سعيها المحكوم بدوافع ايديولوجية للتوسع الاقليمي وسلسلة الحروب، كلما اصبحت اكثر يهودية. وكلما اصبحت اكثر يهودية كلما باتت اللاعقلانية تتحكم بسياستها«. فالسياسة مدفوعة بأسطورة ارض الميعاد التي اسقطت جغرافيتها على بلاد الشام ومحيطها، وهي ارض الكنعانيين اساساً (راجع كتابنا: الثوراة العربية واورشليم اليمنية)، فان بعض الخرائط المنتشرة بخجل في اسرائيل الحاخامية تشمل »كل سيناء وشمال مصر حتى ضواحي القاهرة، وكل الارض في الاردن، وجزءاً كبيراً من السعودية، وكل الكويت، وجزءاً من العراق، وكل لبنان وسوريا وجزءاً من تركيا حتى بحيرة فان في ارمينيا، وجزيرة قبرص«، ولذلك اعتبر المتدينون »ان فشل اسرائيل الاعوام (82 85) باحتلال لبنان، عقوبة الهية لانها تخلت عن سيناء« في الصلح مع السادات. سلطة الحاخام يرى الكاتب ان مستقبل اليهود في اسرائيل »اما في غيتو منعزل، واما في مجتمع مفتوح. والخيار الثاني يتوقف على التدقيق الامين في الماضي اليهودي«. لذلك يتولى رسم مراجعة نقدية لهذا التاريخ المليء بالتحامل والمراوغة، فالاضطهاد الاوروبي قبل الدولة الحديثة لليهود منبته تدينهم المنغلق وسلطة الحاخامين داخل التجمعات، »سلطة فعلية تنفذ الجلد والاعدام والنفي. وحسب مصالح السلطات الحاكمة (النمسا، بولونيا، اسبانيا). وكلما كان المجتمع متعصباً مع السلطة ضد اليهود، كانت سلطة الحاخامين اقوى وأفعل. وكان الاحتقار لغير اليهودي والمراوغة في التعامل«، وممارسة كافة المفاهيم التي اوردناه في بداية هذا المقال. عام 1830 »اعدم الحاخام تزاديك احد المرتدين اليهود في اوكرانيا برميه في الماء المغلي«. لكن مجيء الدولة الحديثة بمفهوم المواطنية في اوروبا والعالم جعل سلطة الحاخامين تتلاشى. وباستثناء التعليم الديني كان يهود اوروبا يحتقرون كل انواع التعليم والعلوم. حتى ان حاخامين لم يعترفوا بوجود القارة الاميركية وكل الدراسات غير التلمودية كانت ممنوعة لدى الحاخامين، علماً ان التلمود مليء بشتائم موجهة للديانات الاخرى خصوصاً المسيحية. لكن تداوله في اوروبا وطبعه »كان يتم عبر رشوة الباباوات. عام 1480 مثلاً، نشرت مجموعة الشرائع التلمودية وكتاب موسى بن ميمون الفاضح بأسوأ الشتائم للمسيح والمسيحية«. وبعد القرن السادس عشر حذفت من التلمود العبارات المؤذية، »لكنها عممت بملاحق سرية. وبعد قيام اسرائيل اعيد طبع التلمود كاملاً... فمثلاً: على كل طفل يهودي ان يلعن امهات الموتى، اذا مرَّ بمقبرة غير يهودية«. خداع الملائكة يتناول الكاتب في الفصل الثالث نموذجاً للعبادة والمعتقد غير التوحيدي. ففي التوراة (اي الاسفار الخمسة الاولى) لا يوجد اله واحد، بل عدة آلهة، وقد تطورت هذه الرؤيا (رغم ان الاسفار المتأخرة تقر بوحدانية الإله) الى ما يسمى القبالة الصوفية حوالى القرن الثاني عشر والثالث عشر، ومن هذه الرؤى مفاهيم حركة (غوش ايمونيم) التي كان يتزعمها مائيير كاهانا. فوفق معتقدها ان الكون محكومة بعدة آلهة. فإله الحكمة تقابله الانثى الهة المعرفة، ومن اتحادهما تولد إلهان صغيران. اما الشيطان فانه الذي يحاول فصلهما، وانه اغتصب الابنة السيدة. لذلك جاء الشعب اليهودي لاصلاح الخطيئة التي سببها آدم وحواء، فكان اتحاد الإله والابن بشخص موسى. لذلك تتم صلاة الصبح ليحدث الاتحاد بين الالهين، وتتلى بعض الصلوات بالسريانية لخداع الملائكة والهائها كحارسة لبوابات السماء. كما يصلون للشيطان كي يتلهى عن اغتصاب ابنة الإله. وعند هذه اليهودية الكلاسيكية، تقع الاهمية على الطقس وليس على المضمون. يكرر الكاتب، ان الفكرة السائدة عند المسيحيين في الغرب، من ان اليهودية الحالية ديانة توراتية، فكرة مظللة. فالتأويل على اساس التلمود هو مصدر التدين. ويقدم امثلة كثيرة منها: الوصية بان لا تسرق. تفسر بان لا تسرق اليهودي فقط. العين بالعين والسن بالسفر (سفر الخروج 21/24)، تصبح حيال اليهودي: عين بالمال مقابل العين. احب رفيقك كما تحب نفسك (سفر اللاويين 19/18)، فسرت على انه حب اليهودي لليهودي فقط. واذا كان الحاخامون قد حددوا 39 عملاً ممنوعاً يوم السبت، فان استخدام العبيد غير اليهود في ذلك مسألة مباحة. لكن ثمة اعفاءات شرعية ايضاً: فالربا مع غير اليهودي مباح، وترك الارض في السنة السابعة لاراحتها، يتم التحايل عليها، بان يشتري كبير الحاخامين سنوياً من وزير الداخلية كل الاراضي، ثم يتولى هذا الحاخام بيعها صورياً لغير يهودي بمبلغ رمزي لمدة عام. وهكذا تكون الوصية قد نفذت. فقد اراح اليهودي الارض في السنة السابعة اسمياً، وحلت اللعنة على الذي اشتراها. »انه خداع الله اولاً. فهذه اليهودية تمثل مساراً اخلاقياً انحطاطياً ما زال مستمراً«.. الترحيب بصعود هتلر قبل الحرب العالمية الثانية، صعد الحزب النازي في المانيا بزعامة هتلر. وقد لاقى هذا الصعود ترحيباً حاراً من الحاخامين »لانه يشاركهم الاعتقاد بأولوية العرق«. وقد كتب »جواشيم برنر الحاخام الصهيوني، نائب رئيس (المؤتمر اليهودي العالمي عند صعود هتلر. بان الليبرالية فقدت مستقبلها. وان اندماج اليهود بالمجتمعات الاوروبية قد فشل«. اخيراً، يخلص الكاتب الى ضرورة تحرير اليهود من هذه الديانة العنصرية المدمرة. »فالحكمة القائلة بان الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بان يكرروه، تنطبق على اولئك اليهود الذين يرفضون التفاهم مع الماضي اليهودي. فقد اصبحوا عبيداً له. وهم يكررونه مع الصهيونية والسياسات الاسرائيلية... ان تحرير اليهود يكمن في النقد الصارم للديانة اليهودية من دون ضعف او حذر..«. على قاعدة هذا التدين الذي يسدد النقد له اسرائيل شاحاك، يمكن فهم حركة المستوطنات واستخدام العمالة العربية (العبيد) واستخدام عرب 1948 والدروز كعبيد لخدمات يوم السبت، وفهم من الارهاب الصهيوني في كافة اشكاله ممارسة دينية طقسية ضد الكفار. وبما ان هذه الديانة غير معروفة في اوروبا والعالم، تتسلح الصهيونية بعبارة العداء للسامية عند كل ادانة لها. وابسط مثال يورده الكاتب (ص122) رسالة من الجندي موشي الى الحاخام شيمون ويزر حول »طهارة السلاح، واذا ما كان مسموحاً قتل المدنيين«، وجواب الحاخام »افضل غير يهودي اقتله، وأفضل الافاعي انزع فمه«. فرج الله صالح ديب

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة