As Safir Logo
المصدر:

لونجة والغول(راجعه فاروق عبد القادر)

المؤلف: ونيسي زهور التاريخ: 1995-08-24 رقم العدد:7167

لا عجب ان رجعت الكاتبة الى اكثر الفترات بطولة واشراقا في التاريخ الجزائري، فترة حرب التحرير (196254) لتجعلها موضوع روايتها »لونجة والغول«، حتى ليصح القول عنها مثلما يصح القول عن تلك التي اصبحت من »كلاسيكيات« الرواية العربية، اعني »اللاز، 1975« للطاهر وطار إنها تقدم جدل الانسان الجزائري والثورة: كيف تعمل الثورة على تغيير الانسان، فيغيرها بدوره، في جدل يتصاعد حتى يتحقق النصر. وقد اختارت زهور لروايتها حيا من احياء العاصمة، لعله ارتبط في اذهان الناس بالنضال الجزائري اكثر من سواه: حي القصبة. في غرفة فقيرة ببيت من بيوته يعيش محمد وزوجته وابناؤه السبعة، كبراهم »مليكة« هي الشخصية الاولى في العمل الروائي: في السابعة عشرة، وهبت جمالا غير عادي، وعقلا مفكرا لماحا، ونفسا صافية حساسة، هي حاملة رسائل الكاتبة، كثيرا ما تتسلل من ورائها، فتنطقها بافكارها هي ورؤاها. لم تكمل تعليمها شأن الجزائريات الفقيرات وبقيت بانتظار الزوج، وقبل ان تتزوج من »احمد« اشتعلت الثورة، والتحق بالثوار اخوها »رشيد« ابن السادسة عشرة. وتصاعدت احداث الثورة فاصابت الجميع، ولم يعد احد بمنجاة من العاصفة. »ويأتي اليوم المتوقع لتعلم مليكة من رجل غريب جاءهم ساعة اصيل، لم تر من وجهه الا شاربا كثيفا يغطي نصف الوجه، لتعلم ان زوجها حبيبها قد التحق بالمجاهدين، وعليها ألا تنتظره حتى تنتهي هذه الحرب وتستقل البلاد...«، اما الاب الذي كان يعمل حمالا في ميناء الجزائر فقد لقي مصرعه على نحو آخر: حين تصاعدت الاحداث وشملت المعارك كل ارض الجزائر، وضح للفرنسيين المستوطنين ان الكفاح لو دام على هذه الوتيرة فلا مكان لهم في الجزائر، وعليهم ان يغادروها، ومن ثم قرروا ان يدمروا كل شيء: زرعوا القنابل البلاستكية في الميناء، وحددوا وقت انفجارها حين يتجمع العمال ساعة راحتهم، حتى لا ينجو واحد من الستين عاملا الذين كانوا متواجدين ذلك اليوم »انه القتل بالجملة كانوا يسمعون عن ذلك في البوادي والارياف والمواشر فقط، اما ان يحصل ذلك في عاصمة البلاد، وعلى مرأى ومسمع من العالم، فهذا ما لم يخطر على بالهم، ورغم ذلك فقد حصل، وذهب الرجال جميعا«. النبأ كانت مليكة في ايام حملها الاخيرة حين جاءها نبأ استشهاد احمد. جاءتها »خالتي البهجة« مبعوثة المجاهدين بخبر لا بهجة فيه: »قالوا ان ذلك حصل مباشرة بعد مغادرته البيت بشهر واحد، في اول معركة شارك فيها...«، وضعت مليكة طفلها بعملية قيصرية، وقدر لاحمد الصغير ان يولد يتيما، وهي تناجيه: »تزوجت اباك في السابعة عشرة، ووضعتك يتيما في الثامنة عشرة، دون العشرين كنت زوجة وأمù وارملة. ما هذه المعادلة الصعبة، وهذا السباق مع الزمن؟...«. غير ان الحياة لا بد ان تستمر، وعلى من يعيشونها ان ينتزعوا منها لحظات للسعادة، وهكذا: بعد رفض تلقائي، ثم تردد وتفكير، تقبل مليكة الزواج من كمال: الشقيق الاصغر لزوجها الراحل، ويظل طيف احمد واقفا من دون اكتمال علاقتهما زمنù، حتى تعرف مليكة بانضمام كمال بدوره للمجاهدين. ومع اشتداد المعارك والتهاب دائرة العنف يقترب يوم النصر، ومعرفة الطرفين المتصارعين بهذه الحقيقة يؤجج وتيرة القتال، والمستوطنون يمضون في ممارسة القتل الجماعي والنسف والتخريب، دمروا كل شيء حتى لا يتركوا وراءهم حجرù قائمù. »ان الزمن الذي يفصل القضية عن نهايتها قليل، وقليل جدù، هكذا يؤكد الجميع، لكنه بما شهد من اهوال ظهر وكأنه الزمن كله...«، ومليكة ايضا في ايام حملها الاخيرة بطفل آخر يرافق حياتها مع كمال. ثم جاء اليوم المرتقب: بدأت تباشير الفجر تعلن عن نفسها، والنصر بدأ ينسج لحظات الفرح . وقد تتساءل مثلي: أكان ضروريا ان تموت مليكة وهي تضع طفلتها فلا تشهد يوم الانتصار؟ هل ثمة ضرورة فنية لهذا الموت المجاني الذي لا يضيف غير مزيد من الاسى الى العمل الروائي؟. اعرف ان هذا يحدث في الواقع، ولكن الفن اختيار ذو دلالة ومعنى، وانني اكاد افتقد المعنى في موت مليكة. هذه امرأة فقدت في الثورة ابا واخا وزوجا... أليس انسانيا وعادلا ان تشهد يوم النصر؟ ولكن: هكذا شاءت الكاتبة!. وربما كان اثمن ما في رواية »زهور ونيسي« هو رصد التغير الذي احدثه اندلاع الثورة، ثم تأججها، في عقول الناس ومشاعرهم ومسلكهم (وهل يعرف الشوق إلا من يكابده؟)، واكتفي هنا بسطور قليلة: هذا محمد، بعد التحاق ابنه رشيد بالمجاهدين يلاحظ ما اصاب الناس: »كأن الناس اصابتهم لوثة من الحركة، من الصمت، من الغموض، من الجنون، هالات على وجوه الناس تخفي الكثير من الاسرار، والكثير من المعلومات والحقائق، لقد تغيرت الاوضاع كثيرù، وتوقف الناس عن الشكوى من الفقر والتعب ومن ظلم البعض للبعض وظلم الزمان لهم كما كانوا يفعلون سابقا. ساد الصمت على الثرثرة وتحولت النظرات السلبية الى تأمل ايجابي، وكثرت التساؤلات ومتابعة الاخبار والاحداث، وتناسى صاحب الدين دينه وقلت متابعة القضايا الشخصية في المحاكم (...) علاقات اجتماعية جديدة كل الجدة، ليس فيها من الحقد او الضغينة شيء، بل فيها من الجدية والتسامح والكتمان الشيء الكثير...«. لقد نجحت زهور ونيسي في ان تقدم الينا رواية عن احداث الثورة الكبرى في تاريخ العرب الحديث: كيف اشتعلت، وكيف تأججت والتهب اوارها، وكيف اعادت صياغة الانسان الجزائري من جديد. عجائز القمر تضم مجموعة »عجائز القمر« اربع عشرة قصة قصيرة (احداها فصل من »لونجة والغول« مكتوبة ما بين 1988 و1990، وهي بطبيعة شكلها الفني تتناول جوانب مختلفة من الواقع الجزائري، في المدينة والقرية والصحراء، وبطبيعة اهتمامات الكاتبة تستأثر قضية المرأة الجزائرية بعدد كبير من القصص: في »تعويذة من الجنوب« ترصد القاصة هموم ثلاثة اجيال من النساء، تمثلها الجدة والام والحفيدة، وتتأنى في وصف ما تلبس كل منهن وما تفكر فيه، وتقف طويلا عند الحفيدة الجميلة التي اتمت عامها السادس عشر، وفرضت عليها تقاليد الصحراء ان تقطع دراستها، وان تجهض حلمها بأن تتعلم وتعمل. كي تتزوج. ومن العريس يا ترى؟! ارمل ماتت زوجته، وله ابناء كبار، يريد زوجة تقوم على خدمته، وتلد له اولادù جددù، حاله مستورة والحمد "، وهو لم يتجاوز الشباب بعد، والخمسون عز العمر للرجال...«. فهل من تعويذة لفاطمة؟. وفي »عملية هبوط« تستعرض حياة معلمة وحيدة. بلغت الستين، دون زوج او ولد، تسكن شقة في الدور العاشر من بناية في قلب العاصمة، تحظى باحترام وتقدير جيرانها ومعارفها، ولكن، من يملأ القلب الوحيد؟. وفي »لا رائحة للندم« يقرر »الصالح« الزواج، فتختار له امه عروسù جميلة، ولكن: ما اقسى المفاجأة التي تنتهي اليها القصة: »ولم يعرف احد شيئا بعد ذلك سوى ان الصالح خرج ليلتها حاملا حقيبته مغادرù البيت. ثم المدينة كلها، من دون ان يفوه بكلمة، ان العروس التي اختارتها له امه، ورأى صورتها، وحلم بها كثيرù، ليست هي المرأة التي دخل عليها الليلة. لقد استبدلت باخرى خالية من الشباب والجمال، لعلها اختها الكبرى البائرة، لعلها ابنة عمها، انها ليست هي وكفى!«. وفي »نهايات متشابهة« تنتحر شاعرة شابة، جاءت من مدينة مغلقة كي تعمل بالصحافة، »كانت تبحث عن الثقافة والفكر والشعر والفن، تبحث عن اجابات لاسئلة كثيرة، تبحث عن مصير جديد للمرأة في مدينتها وفي الوطن كله، غير الزواج المبكر والولادة...«، لكنها وقعت في حبائل رجل مخادع، اوهمها انه يحبها، وحين تكشفت لها كل الحقائق وضعت نهاية لحياتها. ومن »تحت جناح البرنوس« زوج سعيد بحياته وعمله وزوجته واطفاله، تجذب عينيه وتداعب شهواته فتاة صغيرة جميلة جاءت تعمل خادما في بيته فيقرر الزواج منها... الخ. ابرز ما في »عجائز القمر« اذن تلك التنويعات الصغيرة على حياة القهر التي تحياها المرأة الجزائرية المعاصرة: قهر التقاليد من ناحية وقهر الرجال من الناحية الثانية، حتى لا نكاد نجد في المجموعة كلها امرأة ناجية!. على ان قصة المجموعة نفسها »عجائز القمر« لافتة للنظر، وهي تكاد تشيء برؤية مجاهدة حرب التحرير للواقع الجزائري الراهن: بطلة القصة تعود الى قريتها بعد غيبة طويلة، وتلتقي رفيق نضالها القديم، هو الآن رئيس بلدية القرية، لا يعنى بشيء ولا يحتفظ بشيء سوى مفتاح مقبرة الشهداء (وفي القصة اصداء بعيدة لقصة الطاهر وطار المعروفة: »الشهداء يعودون هذا الاسبوع، 1974«)، والقصة تبدأ بحوار حول الخيانة، وكيف تنتهي الى فقدان »الرجلة« او الرجولة، تقول القاصة: »شعب بلا رجلة ليس بشعب. هو »غاشي« فقط كما قال احدهم، يقتل نفسه كل يوم في زحمة الافكار وزحمة الاجساد، ينتحر كل دقيقة، يتلاشى كل لحظة، ليضيع اخيرù في غبار التاريخ، ينفي ماضيه، فيقتل بذلك حاضره ومستقبله، لانه بذلك يكون قد ذبح ذاكرته...«. اما في القرية نفسها فلا نشاط ولا حياة ولا حماس »بدت القرية وشارعها الرئيسي المعبد تظللها امواج من الكسل والخمول. شعرت به يأسù مدمرù...«. تلك صورة الواقع الجزائري كما يبدو لعيني زهور ونيسي، ما ابعدها عن تلك الصور المشرقة التي عرفتها وعاشتها ايام الثورة الكبرى. حقù. ما اكثر المياه التي تدفقت تحت الجسور، لاكثر من خمسة وعشرين عاما بعد الاستقلال!. فاروق عبد القادر (القاهرة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة